عروض

"خمارة جبرا" لنبيل ملحم: رغبات في مهب تحولات الأزمنة

لا تنطلق رواية "خمارة جبرا" لنبيل ملحم الصادرة حديثًا عن "دار المتوسط" من الثورة السورية والحرب المشتعلة منذ سنوات كموضوع أساسي يُبنى عليه السرد، فبالرغم من أن الانفجار السوري حاضر في أحد أزمنة الرواية المتعددة، إلا أنه ليس هو زمن الحدث، إذ آثر ملحم الالتفات إلى أربعينيات القرن المنصرم، ساردا حكاية جاد الحق جاد الله في بلاد تنفض لتوها آثار الانتداب الفرنسي وتختبر الاستقلال.

"هذا الرجل لم يقطع وعدًا، ولم يكن يصدق أنه ثمرة جسدين بشريين، كان مولود الشبق وحده، وكان على يقين من أن الشبق يتكاثر تكاثرًا ذاتيًا صرفًا دون أن يتطلب تذوق فاكهتين من جسدين مرميين بعين القدر". كذلك يقدم النص شخصية جاد الحق جاد الله، المولود في وادي الغزال إحدى قرى الشرق السوري، من أمٍ ماتت أثناء ولادته وأب غير شرعي "أبو عمار" كان ينعم بأجواء ألف ليلة وليلة يتلذذ فيها بالنساء ويتركهن حبالى يواجهن قدرهن المجهول. بعد موت الأم تأخذ زمردة الطفل جاد الحق، ترضعه من ثديها وهي بكر، تهرب من هذا الجحيم النائي تجاه العاصمة دمشق، تلتقي بداية بـ"عزرا" اليهودي المقيم في دمشق "راجية أن يعطيها فرصة صغيرة لالتقاط خبزها بمنقارها الصغير، فقد بات عليها إطعام زغلولها". احتضن عزرا زمردة وصغيرها، لكن ذلك لن يثنيه عن هجرته مع ابنته آنا إلى "إسرائيل" البلاد الجديدة، هجرةً تعني له "قطعًا مع ماضي الأجداد، والتجول في متاهة وطن جديد لا يتعدى كونه وطنًا مبنيًا بقوة الهاغانا والسلاح".

ستحمل دمشق مفاجآت وتحولات كبيرة في حياة هاتين الشخصيتين الآتيتين من الشرق؛ زمردة ستلتقي بفرنسا، الغانية التي تعمل في كرخانة باب الجابية، وتقنع فرنسا زمردة بالذهاب إلى كرخانة باب الجابية، تفتح لها طريقا جديدا غير متوقع، متخذة فرنسا شخصية العاهرة الحكيمة، لا تفتأ من الهمس في أذن زمردة "إن رجلًا يعطيك المتعة لا بد أن يستعبدك. كي لا تصبحي عبدة، لا تدعي رجلًا يوصلك إلى اللذة"، بينما سيتفتح وعي جاد الحق في دمشق على صورة آنا ابنة عزرا ورائحتها، ستكون حبه الأول، وربما الأخير، "هي هكذا قصص الحب، عاصفة تحدث للمرء مرة واحدة، تدمر ما فيه، ليعيش ما تبقى من حياته، وهو يرتب خرابه". ستسافر آنا وأبوها، وسيتزوج جاد الحق من ياسمينة الفتاة اليتيمة التي ترعرع معها في جنبات دمشق، ياسمينة التي ستبقى معه حتى نهايته على كرسي مدولب في باحة مشفى المجتهد في غمرة الحرب السورية، كيف لا وهي التي "اختبرت عواطف زوجها منذ كانت في الثالثة عشرة من عمرها، عندما كانت شغوفة بالصبي جاد، دون أن يعترض أحدٌ شغفها به، وهي بنتٌ، لا عائلة لها، وليس ثمة من يعرف حقيقتها في هذا الحي، لا كيف ولدت ولا من أي مكان أتت".

عوالم سحرية دون سحر

يجري سرد ملحم في "خمارة جبرا" بين فضاءات تشكل خامة سحرية للسرد، بداية في وادي الغزال البلدة النائية الغامضة، تليها دمشق، مدينة خارجة للتو من الانتداب الفرنسي تحيا باستقلال سيغير وجهها.  يذهب السرد إلى بيوت المتعة في دمشق ذلك الحين، كرخانة البربير المفتتحة حديثًا وكرخانة باب الجابية ذات الليالي "شديدة الصمت، أضواء حمراء تنبعث من نوافذ الغرف الصغيرة المغطاة بالسلك المعدني المثقب، وبقايا همسات تغيب وتحضر، لتغيب ثانية، وليس من زبون واحد يتجول في الزقاق، باستثناء رجل واحد، اعتاد زيارة الكرخانة بشكل يومي". لم تُكرّر (أدبيًا) هذه الخامات لتستحيل إلى فضاءات روائية متمايزة عن مثيلاتها، بقيت خامًا، لا يعرف القارئ عن البلدة النائية إلا حدث ولادة جاد الحق في مزارع الحشيش، وحفلات "أبو عمار" الماجنة. وتبقى كرخانة بيت الجابية والبربير مكان بغاء اعتياديا ليس فيه ما يميزه ــ حسب ما قدمته الرواية ــ عن باقي أماكن البغاء في العالم، اللهم باستثناء حدث تظاهر عاهرات باب الجابية رفضًا لافتتاح كرخانة البربير، والحال ذاته مع الفضاء الرئيسي للرواية وعنوانها، أي "خمارة جبرا" المفتتحة في أحياء الصفيح المحيطة بدمشق، تلك الخمارة التي كانت "تدير نفسها بنفسها، وليس ثمة زبون واحد إلا ويعرف طريقه إلى قطرميز الفستق وقناني البيرة وبطحات العرق، وحتى إلى درج النقود، حيث الفرنكات المثقوبة وأرباع الليرات والليرات الفضية، ولم تكن خمارة جبرا تتسع لنادل يتحرك في مساحتها".

لا يقدم النص وصفا أوسع من ذلك لخمارة جبرا، بقدر تركيزه على شخصية جبرا، مع أن الخمارة حالها كحال الكرخانة فضاء مغر للسرد والقارئ في آن لم يُستثمر. زد على ذلك عناصر سحرية تعرضت إليها الرواية كمخطوطات اليهودي عزرا التي أورثها لجاد الحق بعد رحيله إلى فلسطين. تبقى المخطوطات مجهولة، يحيل ذلك منها عنصرًا سحريا ينتظر القارئ الكشف عنه والمآل الذي ستنتهي إليه هذه المخطوطات، لكنه يجدها تذهب إلى مدير جاد الحق البعثي عز الدين الحكيم إذ يحملها جاد الحق "ملفوفة إلى عز الدين الحكيم، حتى سارع الثاني إلى منحها للشخصية الأبرز في بلاد"، دون أن يكشف النص عن خبايا هذه المخطوطات علها تتمايز عن غيرها من المخطوطات الغامضة الحاضرة في الروايات العالمية، واللاتينية على وجه الخصوص. أما دمشق فكانت فضاء عامًا لزمني الرواية، الأول ثابت ساكن يجري في خضم الحرب السورية اليوم، الصورة فيه فوتوغرافية تتمثل بجلوس جاد الحق كهلًا مقعدا وسط مشفى المجتهد، الثاني متحرك متتال مُستحضر في ذاكرة جاد الحق يبدأ بالأربعينيات ويقف عند (الآن/ هنا) جاد الحق.

في الخمسينيات تقدم الرواية دمشق على أنها "مبارزة بين مرحلتين من الزمان، زمان الهزيمة وزمان النصر، لغتان تولدتا من معجزة التهور التي قادها جمال عبد الناصر، وكان ثمة من يدعو ذاكرة الأمس إلى التلاشي، يقابله من كان ممسكا بذاكرته، دون أية مساحة تهتز بين كفيه". في الستينيات والسبعينيات يقتصر الحديث عن دمشق وتحولها على استوديو جوزيف تارزيان للتصوير الفوتوغرافي، حيث يظهر التحول الكبير لسورية نحو العسكرتاريا مع ولادة البعث، بيد أن السرد هنا يقف عند حدود تواقة للبوح، هي وقارئها المفعم اليوم بأسئلة عن ذلك الوقت.

في الحديث عن الزمن الأول الثابت يتّبع الكاتب تكنيكًا ثابتًا بلغة لفرط تكرارها تنحو صوب الإنشائية "إذ يبقى جاد الحق ساكنًا" ومن حوله تنهمر قذائف الموت وسيارات الهلال الأحمر تروح وتؤوب. تعاد هذه الصورة بين الحين والآخر كتذكير، ما يخلق تكرارا مجانيا، فالقارئ منذ البداية عرف لعبة استرجاع جاد الحق لذاكرته، لا سيما وأنها، في حضورها المتكرر، لا تضيف شيئا على صعيد اللغة والحدث والتكنيك الروائي، خاصة أن زمن وقوف جاد الحق على باب المشفى مجازي، فهو منذ بداية الرواية حتى نهايتها ماكثٌ على باب المشفى. كذلك يبان ارتباك آخر في الزمن حينما يتعرض النص لموعد رحيل عزرا وابنته من سورية إلى فلسطين، فذاكرة جاد الحق تسترجع رحيل آنا بعد نكسة حزيران 1967 "حربان اجتاحتا المنطقة، كانت الأولى حرب أكتوبر، والثانية الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومع كل حرب كانت المسافة ما بينه وبين آنا تبتعد أكثر"، وتعود الرواية في صفحاتها الأخيرة لذكر رحيل آنا "الحرب تجعل المرء يعيش مع المهجور، ولقد مرت ثلاث حروب على غيابها، حرب الـ67 وحرب 73 واجتياح بيروت 82، وحرب 2006"، يرتبك النص في المقبوس السالف، فيذكر ثلاث حروب ويعدد أربعا، تاركًا القارئ تائهًا في موعد رحيل عزرا وآنا، خاصة أن خطوط الشخصيتين أقفلت برحيلهما عن دمشق.  

الشخصية الروائية.... الشبق كموضوعة طاغية

لم يكن جاد الحق جاد الله بطل "خمارة جبرا" هو الوحيد "مولود الشبق"، بل في البحث عن هذه الموضوعة وحضورها عند باقي شخصيات الرواية نجد أنها ثيمة معممة على الجزء الأعظم منها، ففي الوصف الأول لخمارة جبرا وما يجري فيها يظهر رجال حي الصفيح "يكرعون عرقا بلديا، وجبرا الكهل العازب، القادر ــ بالإضافة إلى إدارته خمارته- على غرز حقن البنسلين في مؤخرات رجال ونساء أكثر عرضة لالتهاب اللوز من بقية سكان البلاد، ومع كل غرزة إبرة، ثمة بنطال ينزل كاشفًا مؤخرته، ومع كل الإبر اللاحقة، يرفع تنانير النساء، يفركهن بسبابته، ومن ثم براحة يده (..) منتظرا نشوة سكر مؤخرات لا تلبث أن تستلقي". مع أن نهاية جبرا مع محبوبته من النظرة الأولى "زمردة" نهاية سعيدة آمنة في دمشق، لكن النص قدم جبرا كسليل الشخصيات الذكورية الحاضرة في الأدب وزوربا مثالها الأشهر، فهو "قادر على اكتشاف مكنون أية نفس بشرية، فبقلبه المضطرب، وروحه الممزقة والصورة الجامحة لرجل خليط من أم شقراء وأب متفحم، نشرة ليلية لكل سكان الصفيح هذا".

وبالطبع تستلزم شخصية بهذه الفحولة شبقًا عارمًا، بعبارة أخرى، الشبق كأسلوب حياة عند جبرا جعله يرى الزمن ـــ زمنه "لا يعدو كونه أصابع تقرص أرداف نساء، كان الزمن بالنسبة إليه عداد قرصات".

الشخصيات النسائية تعتمر بالشبق أيضًا، فرنسا عاهرة باب الجابية دفعها الشبق لامتهان المتعة، ليس شبقها هي ـ فشبقها مرتبط بفرنسا بلد الانتداب ـــ بل شبق زبائنها، أساس عملها وديدنه. زمردة هي الأخرى، ورغم نهايتها الآمنة مع جبرا، إلا أنها التحقت بكرخانة باب الجابية، أقنعتها فرنسا بضرورة تفريغ شبق الآخر ـــ وجيوبهم بالضرورة ـــ واحتفاظها بشبقها لنفسها، وفتحت عبر هذا الانتقال إلى بيوت المتعة بوابة الشبق على مصراعيها في النص. الحال ذاته مع "جورجيت" الكاتبة السورية النافذة في المجتمع السوري بعيد الانفصال، الذي دفعها شبقها إلى مضاجعة جاد الحق بعد أول لقاء، لتستمر هذه الممارسة الجامحة حتى تدخل في صورة استهلكت لفرط تكرارها، حيث جسد "جورجيت" مقابل كلمات جاد الحق الذي كتب لها روايتها عاريًا بعد ممارسة الحب.

وفي غمرة هذا الشبق الذي يغمر النص وشخصياته، كان لزامًا أن تظهر شخصية "مثلية" وهو ما تجلى بشخصية روزالين إحدى السيدات التي تعمل لديهن ياسمينة، سيدة مجتمع برجوازية يأتي اختلافها مع عائلتها "من كونها تشبعت الثقافة الفرنسية، فيما العائلة ما تزال تعيش الموروث العثماني". ومثلما تظهر روزالين في الرواية بسرعة تختفي أيضًا، وكأنها خُلقت (روائيًا) لتضاجع ياسمينة في مشهد أيروتكي وحسب. ليس الشبق الثيمة الوحيدة الطاغية على شخصيات "خمارة جبرا"، الإلحاد هو الآخر سمة أساسية في جل الشخصيات، فرنسا مشككة بالغيبيات، كل الغيبيات، ولو أنها تضعف أحيانا، جبرا لا يشيل للدين وزنًا، عزرا هو الآخر، هو يهودي بالتوارث لا بالقناعة، وله رأيه الخاص بالله والحساب، كذلك آنا ابنته، لها رأيها المشكك أيضًا، أما جاد الحق فأراد أن "يكون الله، أرى ولا أُرى، أسمع ولا أُسمع، لا أغفو ولا أصحو، لا اسم لي ولا صفة"، لكن ماذا عن مولود الشبق هذا، هل كان كذلك في النص؟

لا نساء كثيرات في حياة جاد الحق، آنا المشتهاة، وياسمينة الزوجة، وجورجيت منفذ جاد الحق إلى السلطة والذل معًا، فبعد معرفته بها يعيش جاد الحق تحولا رهيبا نحو السلطة، يقرر أن يندمج بالبعث، "سيتزوج السلطة" يقول لزوجته ويقرر ذلك، ورجل في مكانه كان يجب عليه أن يتبوأ مركزًا متقدمة في سلطة البعث، بيد أنه على العكس من ذلك، يشاء له الكاتب أن يستحيل عبدا عند أحد متنفذي السلطة، وبالرغم من أنه سعى منذ بداية حضور البعث في السلطة إلى اللحاق بالركب حاملًا معه فطنته وذكاءه، نجده في النهاية يبلع حبوب الفحم التي تفرضها عليه جورجيت ويخرج غازاته بصورة كاريكاتورية أمام عز الدين الحكيم وأصحابه من ذوي المال والسلطة العسكرية.

لا يحسم جاد الحق موقفه مما جرى ويجري في سورية اليوم، وهو الذي ترعرع في الخمسينيات والستينيات ــ أي في جذوة الحركة السياسية السورية التي تمخض عنها الحكم الطويل مع البعث. لا حرج على جاد الحق أن لا يكون له رأيه الصائب ـــ ولا يعرف كاتب الكلمات وأيٌ منا الصائب في سورية اليوم ــ بما حصل في سورية، إلا أنه من المؤكد أن له رأيا بما يحصل بعيدا عن رأي الكاتب الموجز "في بلادٍ في حرب، اختلف على تسميتها، ما بين حرب أهلية، وثورة وانتفاضة ومؤامرة أممية".