}
عروض

"أشياء ليس لها كلمات" لجرجس شكري: ألم الذات

فتحي عبد الله

30 مارس 2017

 

تقوم تجربة الشاعر جرجس شكري في مجملها الدلالي على تزاوج اليومي والمقدس. اليومي بما يحمله من تهميش وتدمير للذات سواء في وجودها أو في علاقاتها المتنوعة، دون أن يكشف الشاعر أو يشير إلى نوع الصراعات التي تتعرض لها الذات مما جعل هذا اليومي مطلقا. أما المقدس فإنه يحضر بدرجات مختلفة، سواء بكليته أو ببعض طقوسه ومفرداته وكأنه أداة للخلاص، وهذه الفاعلية تحدث بطريقة مثالية تخلو من المراجعة أو النقد.

وفي ديوانه الأخير "أشياء ليس لها كلمات"، تلعب الذات دورا أساسيا في التجربة، وهي ذات ليست منفصلة عن المجتمع، وإنما تصنع مجتمعا خاصا بها ولا تواجه الآخر باعتباره ذاتا وإنما تواجه مجتمعا آخر. فالصراع هنا بين جماعتين بشريتين، الأولى أقلية ومهمشة ولديها إحساس بالاضطهاد، والثانية أغلبية تمارس عنفها وقوتها على مكونات المجتمع ككل، ما أحدث لدى الشاعر نوعا من العبثية أو العدم أو الانسحاق في النهاية:

وأنا أقرأ أشعاري يخاف جسدي

كأنه يؤدي مشهدا مسرحيا

يلعب فيه كل الأدوار

روحي تطل من عيوني خائفة

ولساني يلهث كأنه يعبر شارعا معتما

إن هذا الإحساس بالخوف والانسحاق جعل الذات في صراعها تصدف الثنائيات المثالية المطلقة. فالصراع هنا متوهم يعتمد على انفعالات الشاعر التي لا مبرر لها إلا إحساسه الخاص، وهنا تتضخم الذات ويتضخم معها الإحساس بالألم والعزلة:

فزرعنا عزلتنا

حول الأبواب والنوافذ

وصلينا للجنون

ثم متنا غرقا في دموعنا

دون شفقة

نحن الذين ذبحتهم وقتلتهم

وأشفقت عليهم

في كلمة واحدة

الشاعر هنا لم يذكر أسباب القتل أو الذبح وإنما قدم الذات كقربان أو تضحية على لا شيء.

كما أن عالم الشاعر الواقعي أو المتخيل لا يقل تدميرا أو خرابا عن ذاته كما في:

سلم عليه كثيرا، وأبلغه أننا لسنا بخير

قل له إن البيوت سقطت من نوافذها

فصرنا حفاة إلا من الخوف

ننام مبكرا ونموت مبكرا

فلا تذهب بعيدا

ولا خلاص لدى الشاعر إلا في قوة الاتصال بالعالم اللامرئي حيث تكمن الفاعلية المطلقة والخير المطلق:

وفي ما بعد

اقتحمت الحقيقة

الحفل

وصعقت كل رأس حول المائدة

وهربت بروحها من الموت

استخدام تقنيات الأداء المسرحي

استخدم الشاعر لأداء هذه التجربة تقنيات الأداء المسرحي.

ومن ذلك استخدام المشهد كوحدة بنائية للنص، فكأن النص مجموعة من المشاهد، منفصلة في الشكل ومتصلة من حيث الدلالة: 

حين يصل الصباح على عربة يجرها الموتى

يصل باكيا وتسقط عيوننا على الأرض

ثم

حين يسرق الآخرون حياتنا

ويلبسون وجوهنا في وضح النهار

وكذلك

حين نموت برصاصة طائشة

ضلت طريقها بمحض إرادتها

المشاهد هنا تبدو منفصلة الا أنها ترسخ دلالة واحدة وهي الخوف والتهميش ثم الموت بعد ذلك.

ومن ذلك أيضًا تقديم الشخصيات وتوالدها في النص كما يحدث في تقديم الشخصيات على خشبة المسرح:

في هذه القصيدة

سنضع كلبا متشردا

مع لص

ومقهى كبير

تحيطه الشمس من كل ناحية

كما استخدم الحوار والمونولوج في معظم النصوص وإن جاء بشكل مختلف، فالحوار مثل:

سرت أنا وأنت في شوارع معتمة

قلت له

لا تتركني أبدا، فماذا أفعل بدونك

فلو أنت ذهبت، سيسقط البيت

فلا ترحل

أما المونولوج فمثل:

في ما مضى

كنت ملكا وقديسا

عازف مزمار

وصاحب فلسفة وأبقار كثيرة

وهناك تغيير المكان، مع استمرار الشخصيات الرئيسية في الصراع، فالمكان الجديد يكشف شيئا آخر من الصراع وتداعياته مثل قصيدة "هناك":

في بلاد بعيدة

أمر على مقبرة المدينة

المسيح مصلوب فوق بيوت الموتى

والموتى يسألون المارة

عن صاحبة الحانة

التي تعيش هنا إلى جوارنا

إن اختلاف تجربة جرجس شكري وتميزها يأتيان أولا من الوعي الشقي لديه، ومن خصوصية عالمه. أما الأداء فقد جاء خاليا من الاحتجاجات الإيديولوجية وإنما أتى في إطار إنساني خالص.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.