قراءات

الثابت والمتحوّل في "الفكر الصهيوني": تجميل التطرف

أنطوان شلحت

17 نوفمبر 2016


مركبات الفكر الصهيوني الذي يوصف أنه "جديد" ليست جديدة على الإطلاق وإنما هي حالات قصوى ومتطرفة لأفكار وعقائد كانت متجذرة في الفكر الصهيوني التقليدي وجرى تجميلها تحت وطأة الظروف.

يقدّم كتاب الباحث والأكاديمي الفلسطيني، أمل جمّـال، "الفكر الصهيوني في متاهات التجديد والتحديث: جدلية التناقضات الداخلية وانعكاساتها العملية" (منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت، 2016) تحليلًا فكريًا لبعض المشارب والتيارات السياسية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، من طريق رصد التحولات والسجالات الجارية خلال العقدين المنصرمين.

ويتمحور الكتاب حول خطابين:

الأول، خطاب ما يسمّى بـ"الصهيونية الجديدة" كما يعبّر عنه التيار القومي المحافظ الذي بدأ يتكوّن نتيجة التقارب الأيديولوجي بين تيارين، هما اليمين القومي العلماني (بحسب ما يزعم) والذي كان استمرارًا للصهيونية التنقيحية بزعامة زئيف جابوتنسكي، والتيار القومي الديني، وهما الآن متحدّان في تيار يمينيّ واحد أكثر تطرفًا يهيمن على الحكومة والمؤسسة السياسية؛

الثاني، خطاب تيار "ما بعد الصهيونية"، والذي ينحصر نشاطه بصورة رئيسية في فكر سياسي نقدي بدأ يتبلور في مواجهة التيار الأول على أسس أيديولوجية تطوّر جزء منها في سياق "الفكر الصهيوني" ما قبل إقامة دولة الاحتلال، فيما تأثر جزء آخر (ضئيل جدًا) بالفكر ما بعد الحداثيّ وما بعد الكولونيالي.

وينوّه المؤلف أن تياري "الصهيونية الجديدة" و"ما بعد الصهيونية" تطورا أيضًا في سياق مواجهة أخرى، كل واحد على حدة وبطريقته الخاصة، مع التيار الصهيوني المركزي (تيار العمل)، الذي احتل سدة الفكر السياسي الإسرائيلي فترة طويلة وما زال يحاول الصراع على إبقاء نفسه على الساحة الفكرية، إلا أن محاولاته هذه لا تفلح في الإجابة عن العديد من الأسئلة والتحديات التي يطرحها التياران المتنافسان. من هنا وعلى الرغم من أن هذا التيار الصهيوني المركزي لا يحتل مساحة خاصة به فإنه يتجلى ويتم طرحه بشكل واف في الكتاب من خلال التمحور في التيارين المتنافسين معه من جهتي المنظومة الفكرية الإسرائيلية - اليمين الصهيوني المتجدد و"اليسار" ما بعد الصهيوني.

كما يوضح أن سبب التمحور حول تحليل مركبات الفكر السياسي الإسرائيلي خلال العقدين الأخيرين على وجه التحديد، يعود إلى جملة أسباب موضوعية وأخرى عملية.

ويشير في هذا الصدد إلى أن السبب الموضوعي الأهم هو أن بداية فترة تسعينيات القرن العشرين الفائت شكلت "محطة فارقة" في الواقع والفكر السياسي الإسرائيلي. فمن جهة أولى كان هناك تصاعد واضح لأبحاث جديدة (ولا سيما الأكاديميـة منها) اعتمدت مستندات تم كشفها من الأرشيفات الإسرائيلية والبريطانية، على خلفية مرور أكثر من خمسين عامًا على نكبة 1948، وأدت إلى حصول مؤلفيها على معلومات جديدة حول حيثيات العامين 1948- 1949، ما تسبّب في خلخلة الرؤية المهيمنة إزاء هذه الفترة والتي كانت من صنيعة المؤسستين السياسية والعسكرية الإسرائيلية. وبرسم ذلك جرى طرح معلومات وتحليلات جديدة تتحدى الفكر والقصة المهيمنة بشأن مسائل عديدة مثل قضية اللاجئين الفلسطينيين والتطهير العرقي في مناطق واسعة في فلسطين واستباحة الحرمات الاجتماعية والقتل والبطش في مناطق كثيرة، وسلطت هذه التحليلات الضوء على وهن الادعاءات الإسرائيلية بشأن "صدقية" المشروع الاستيطاني الصهيوني و"أخلاقيات" الجيش الإسرائيلي ومناورات القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية في ما يتعلق بحل القضية الفلسطينية. ونجم عن ذلك كله نشوء صراع فكري جديد بين تيارات مختلفة حاولت أن تعيد صوغ المشروع الصهيوني بأكمله.

وثمة سبب موضوعي ثان، يعلل التمحور حول تطورات الفكر السياسي الإسرائيلي في العقدين الأخيرين، ويتعلق بـ"مشروع التسوية السياسية" مع الفلسطينيين المتمثل أساسًا بـ"اتفاقية أوسلو" (1993) والتي أدت إلى احتدام صراع فكري عميق بين التيار الفكري الصهيوني المركزي الذي ينعكس في مواقف وأفكار حزب العمل الإسرائيلي ومن لفّ لفه، وبين تيار سياسي وفكري يمكن نعته بالفكر الاستيطاني المتجدد يؤكد عدم وجود فروق تذكر بين الأراضي التي تقع تحت سيطرة إسرائيل منذ عام 1948 وبين تلك التي سيطرت عليها بالقوة في عام 1967. وتأدى عن احتدام هذا الخلاف، على خلفية إمكان انسحاب إسرائيل من أراض محتلة في عام 1967، نشوء كتابات فكرية وسياسية تؤكد "الشرعية اليهودية في فلسطين"، ليس في أراضي 1948 فحسب وإنما أيضًا في كل فلسطين التاريخية. في المقابل تطورت كتابات تصدت لذلك وحاولت أن تدافع عن إسرائيل "كدولة شرعية داخل حدود 4 يونيو/ حزيران 1967 حظيت باعتراف دولي واسع في عام 1949".

 كما تطرقت هذه الكتابات إلى طبيعة الدولة اليهودية وهويتها، وأخلاقيات هذه الدولة في واقع تحتل فيه أراضي لم يتم الاعتراف بها دوليًا وتتحكم بحياة ملايين الفلسطينيين من دون أن تمنحهم حقوقًا مدنية أو سياسية أيًا كانت.

وفي رأي جمّـال فإن هذه النقاشات والسجالات تجعل من بداية - أواسط العقد التاسع من القرن العشرين، أي بعد انقضاء مائة عام على المشروع الصهيوني، بمنزلة علامة فارقة يجب التنويه بها والانطلاق منها لوضع تحليل فكري وسياسي لما أتى بعدها وحتى يومنا هذا.  

 

"الصّهيونية الجديدة"

 

عادة ما يرد في السجال السياسي الإسرائيلي ادعاء فحواه، إن تيار "الصهيونية الجديدة" بدأ بالتبلور بعد حرب يونيو/ حزيران 1967، وشقّ طريقه إلى مركز الساحة السياسية الإسرائيلية على مدار السنوات لأسباب تتعلق بأزمة التيارات السياسية الأخرى التي لم تستطع توفير "قاعدة أخلاقية" يمكن من خلالها شرعنة الفصل بين الواقع الصهيوني داخل حدود اتفاقيات وقف إطلاق النار من العام 1949 وبين الواقع الجديد الذي تطور في الأراضي الفلسطينية التي احتلت في عام 1967.

ويدحض المؤلف هذا الادعاء جملة وتفصيلًا كما سنبيّن في سياق لاحق.

ويخوض تيار "الصهيونية الجديدة" كثيراً من السجالات أبرزها السجال في ما يتعلق بـ"الشرعية القومية" وبما يعلل الوجود اليهودي في دولة الاحتلال التي تواجه اعتراضًا فلسطينيًا وعربيًا من جهة وانتقادات دولية من جهة أخرى.

وفي رأي جمّـال كانت هذه المسألة أزيحت جانبًا لمدى طويل بشكل مقصود من أجل توحيد الصفوف الداخلية والتعامل مع الواقع الإسرائيلي كمفهوم ضمنًا، إلا أن احتلال 1967 و"تجدّد" المشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها آنذاك وصعود حزب الليكود (يميني) إلى السلطة في عام 1977 واشتداد عود حركة الاستيطان المدعومة من قوى سياسية وعقائدية قوية في المجتمع اليهودي ومن ثم "اتفاقية أوسلو" التي فتحت مجالًا للحديث عن إمكان الانسحاب من معظم الأراضي التي تمت السيطرة عليها في عام 1967- كل ذلك أدى إلى إثارة سؤال "الشرعية اليهودية في فلسطين" من جديد، وبدأت تطرح تساؤلات داخل المجتمع الإسرائيلي حول الفرق بين مدى شرعية الوجود اليهودي في المناطق الواقعة داخل "الخط الأخضر" (مناطق 1948) والوجود اليهودي داخل الأراضي المحتلة عام 1967.

في هذا السياق تشكلت مواقف عدة متباينة بين الداعين إلى تجذير الفرق وسحب الشرعية من احتلال 1967 من أجل تثبيت شرعية الوجود الإسرائيلي داخل "الخط الأخضر"- 1948، وبين القائلين، إن سحب الشرعية من "الوجود اليهودي" في مناطق 1967 ("المُحرّرة" في منظورهم) يشطب الأحقية اليهودية على "أرض إسرائيل" (فلسطين) كلها، حيث أن هذه الشرعية مستمدة من الارتباط العقائدي والديني والوعد الإلهي للشعب اليهودي أن "أرض إسرائيل" حكر عليه ولا يمكن التنازل عن هذا باسم أي اعتبار آخر مهما يكن.

وقد اتخذ التيار القومي المحافظ موقفًا عمليًا من هذا النقاش، حيث إنه لا يستعمل الخطاب الديني المتزمت بشكل دائم من أجل شرعنة مواقفه على الرغم من أنه يتحدث بلغة الأحقية التاريخية والرابط الحضاري، ولكنه يطبّق سياسات تفرض وقائع على الأرض تمنح الوجود اليهودي أكبر قسط ممكن من الراحة والأمن على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية إلى أن يحين موعد تطبيق الاتفاقيات السياسية المزمع عقدها مع الطرف الفلسطيني والتي يتم إفراغها من مضامينها العملية بمرور الوقت. وهذا الموقف يجمع بين الرؤية العقائدية التاريخية المستمدة من التوراة ويمنحها صبغة عملية مرتبطة بالاعتبارات الأمنية والتهديد العربي بحجب الشرعية عن الوجود اليهودي وبالحاجة للاعتناء بالاحتياجات الطبيعية للمستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة عام 1967 إلى أن يحين عقد صفقة واتفاقيات مع الطرف الفلسطيني تنهي الصراع وتثبت الواقع الديموغرافي القائم على الأرض في ذلك. ويعوّل هذا الموقف على تمديد فترة التفاوض مع الطرف الفلسطيني من أجل الحصول على أطول فرصة ممكنة لتوسيع الاستيطان اليهودي وتعميق التحكم الإسرائيلي بالبنية التحتية والمنظومة الأمنية التي تضمن الوجود اليهودي إلى أمد بعيد، آخذين بعين الاعتبار كل السيناريوهات المستقبلية الممكنة وعلى رأسها التحولات الديموغرافية الفلسطينية المستقبلية.

يعتبر الكتاب "الصهيونية الجديدة" توجهًا فكريًا جديدًا في دولة الاحتلال، له مراجع ومقومات واضحة المعالم، وهي متعالقة وتغذي بعضها بعضاً. ولا بدّ من الإشارة إلى ما يلي:

أولًا، تشكل فكرة الوعد الإلهي مصدرًا شرعيًا لأحقية اليهود على "أرض إسرائيل" (فلسطين) وبالتالي الحاجة إلى تخليص الأرض ممن اعتدوا عليها، وتقف في صلب التوجه الفكري للصهيونية الجديدة التي تدمج بين مشارب علمانية ليبرالية ومشارب دينية مستحدثة؛

ثانيًا، هذه الفكرة تؤدي إلى بروز مكانة الاستيطان والمستوطنين في الفكر السياسي الصهيوني؛

ثالثًا، توسيع الحيّز الجغرافي للهيمنة اليهودية يرفع عملية الاستيطان إلى مصاف الفضيلة ويحوّل المستوطنين إلى مقاتلين أساسيين باسم الشعب اليهودي ويعتبرون ضمانة مركزية لأمنه ومستقبل أجياله القادمة؛

رابعًا، تحتّم هذه الفكرة الفصل الحيّزي والديموغرافي بين أبناء "شعب الله المختار" وسكان البلد الفلسطينيين وتسخير زمانهم ومكانهم لتحقيق الإرادة الإلهية المتجسدة بـ"عودة شعب إسرائيل إلى أرض أجداده". ويبيّن الكتاب كيفية استعمال وتسخير عملية القوننة الدستورية بناءً على "أحقية الأغلبية الديموقراطية" بتفريغ مبدأ حكم الأكثرية من مضمونه ونقل السيادة على الدولة ومواردها من المواطنين إلى الشعب اليهودي برمته.

ويشدّد المؤلف على أن هذه المركبات الأربعة للفكر الصهيوني الذي يوصف أنه جديد، ليست جديدة كل الجدة وإنما هي حالات قصوى ومتطرفة لأفكار وعقائد كانت متجذرة في الفكر الصهيوني التقليدي بشكله البن غوريوني (نسبة إلى ديفيد بن غوريون)، وفي ممارسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، إلا أنه تم تغليفها بأغطية دبلوماسية وقانونية وقضائية جمّلتها وغيّبت عنها مضمونها العنصري والإقصائي والاستعماري. وهذا يعني أن الصهيونية الجديدة هي توجه فكري متجدد يحمل في طياته أفكارًا قديمة، لكنه يعطيها زخمًا جديدًا وتفسيرًا أكثر تطرفًا معوّلًا على قدرة إسرائيل الاقتصادية والعسكرية من أجل تحقيق الإرادة الإلهية والتفوق الأخلاقي للشعب اليهودي على محيطه لما في ذلك من رسالة للإنسانية جمعاء متغاضيًا عن التبعات والإسقاطات الآثمة لهذا الفكر الاستعلائي.

لعل الاستنتاج الأقوى الذي يتوصل إليه الباحث، هو تأكيد أن اتجاهات الصهيونية الجديدة تبيّن أن ما تتبنـاه تحت مسمّى "تقرير المصير اليهودي" لا يمكن أن يكون إلا عنصريًا وتمييزيًا، وحشيًا وشوفينيًا. وفي هذه الحالة، وإذا أخذنا في الحسبان أن نحو خمسة ملايين ونصف مليون فلسطيني يعيشون في المكان عينه ولا تنظر إليهم الصهيونية الجديدة إلا بعين خلاصية وقومية إقصائية، فسوف يستحيل النظر إليها بغير هذه النظرة.

كذلك فإنَّ الكشف عن الفكر والممارسة الصهيونيين، وتَبَيُّن أنَّ الفكر الصهيوني الجديد وريثهما الطبيعي الذي تفرضه الظروف، يوضحان أن دراسة الاتجاهات السياسية الجارية حاليًا في إسرائيل اليوم لا يمكن أن تقوم على نظرية القطيعة مع الصهيونية السائدة. صحيحٌ أنَّ التفسيرات الحالية لركائز الفكر الصهيوني هي أكثر فظاظة وتطرفًا بالمقارنة مع خطاب الفكر الصهيوني السائد وممارسة الصهيونية الأكثر براغماتية، لكن الاختلاف يكمن على ما يبدو في الطريقة التي يتم بها تقديم هذه الركائز وترويجها، وليس كامنًا في الخصائص الرئيسية والتجسيد الأساسي لهذه الركائز. وهذا الاستنتاج يكشف الفكر والممارسة الصهيونيين التقليديين ويدعو إلى التعامل المباشر مع الصهاينة الجدد باعتبارهم الذين تمكنوا من حمل الأفكار الصهيونية الأساسية إلى أقاصيها. وبتعابير جدلية فإنَّ مثل هذه العملية، على الرغم من بشاعتها الحالية، قد تثير الانتباه إلى مكنونات منظومة فكرية تألفت من إخصاب متبادل بين الأفكار الأربعة للاتجاه الصهيوني الجديد وجعلت الحاجة إلى تدخل خارجي أمرًا لا غنى عنه من أجل وقف آثارها على حقوق الفلسطينيين وأمنهم.

 

"ما بعد الصهيونية"

 

يرى المؤلف أن تيار "الفكر ما بعد صهيوني" يصيب قوائم الفكر الصهيوني المهيمن وخصوصًا تيار "الصهيونية الجديدة" في الصميم. ويقوم هذا التيار النقدي بتفكيك مركبات العقيدة الصهيونية من أساسها، مبينًا وهنها الأخلاقي وعدم اتزانها المعرفي وضعفها العملي.

كما يبين هذا النقد، أن قوة الصهيونية ليست في أخلاقها وإنما في ممارساتها المبنية على علاقات القوة القائمة.

ويتوقف الكتاب عند أبرز مكونات الخطاب الصهيوني السائد في مواجهة الانتقادات اللاذعة من طرف الفكر ما بعد صهيوني، وذلك من خلال التمييز بين نقد بناء وموضوعي ونقد هدام وغير موضوعي في نظره.

ويعرب عن اعتقاده أن الالتفاف على نقد المفكرين ما بعد صهيونيين لا يجهض قدرتهم على زعزعة قوائم الفكر الصهيوني، وخصوصًا المتشدد منه، وأنه على الرغم من أن المؤسسة الإسرائيلية، لا سيما الأكاديمية فيها، استثمرت موارد هائلة في العقدين الأخيرين من أجل مواجهة تيار ما بعد الصهيونية، وعلى الرغم من قدرتها على تهميش بعض المفكرين ما بعد صهيونيين المركزيين، إلا أن خروج بعضهم خارج حدود إسرائيل وعدم اعتمادهم على وظائف في المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية أفضى إلى بقاء صوتهم ونقدهم بمثابة "بوصلة معرفية مهمة في دراسة إسرائيل وفكرها السياسي".

 

قاعدة بيانات

 

يقدّم لنا كتاب أمل جمّـال، فضلًا عما تقدّم، قاعدة بيانات مهمة لمتابعة محاولات مشروع "الصهيونية الجديدة" أو "المتجدّدة" فرض سيطرتها أو تأثيرها الفكري والعقائدي على سلطات ومؤسسات لم تتبن بعد خطابها السياسي بالكامل، وما زالت تتمتع بهامش من الحرية في العمل.

وازدادت، في الفترة الأخيرة، الإشارات التي تؤكد أن محاولات تحقيق أهداف هذا التيّار وفرضها على مجتمع دولة الاحتلال والنخب والمؤسسات، سوف توصل النظام، بالضرورة، الى نظام غير ديمقراطي حتى بالنسبة للمجتمع اليهودي ذاته، ولو استعمل أدوات الديمقراطية الشكلية وحكم الأغلبية، حيث تقوم السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بتوسيع دائرة تقييد الحريات ومحاصرة هامش العمل السياسي لتشمل جميع المواقف السياسية والآراء التي لا تنطوي تحت الإجماع المهيمن.

بكلمات أخرى نحن إزاء معسكر محافظ يريد وضع بصماته على المشروع الصهيوني وتصميمه بشكل أكثر فظاظة من المشروع الصهيوني التقليدي الذي أنتجه المعسكر العمالي. ويرتكز المشروع الحالي على "قيم" اليهودية كونها الرابط الأساسي للمجتمع، وعلى استمرار الاستيطان، وانتهاج اقتصاد السوق، ويدعم زيادة قوة إسرائيل واستمرار تفوقها في الإقليم، كما تحتم عقيدة "الجدار الحديدي".



(عمل فني للفنان الفلسطيني منذر جوابرة)