}

صور أيقونية: الإنابة عن الأتراك في تسليم القدس للإنكليز

هاني حوراني هاني حوراني 24 سبتمبر 2019
فوتوغراف صور أيقونية: الإنابة عن الأتراك في تسليم القدس للإنكليز
صورة تسليم القدس ما تزال تثير المزيد من الأسئلة
صور متفردة
ثمة صور متفردة دخلت التاريخ، وتحولت هي ذاتها إلى عنوان لمرحلة ما، وهناك صور دخلت أيضاً التاريخ، لكنها لا تفسر الحدث الذي سجلته، بل ظلت لغزاً محيراً، تثير من الأسئلة أكثر مما تجيب عليها، هذا إن أجابت بشيء، لكنها في كل الحالات تظل جزءاً من الإرث البصري، وكأنها تمتحن قدراتنا على تفسيرها، أو تفسير الحدث الكامن وراءها.

إن الصورة إلى جانب هذا الكلام هي لحسين أفندي الحسيني، الذي كان رئيساً لبلدية القدس في
حسين أفندي الحسيني أثناء تسليم القدس للإنكليز  

أول انتخابات بلدية للمدينة بعد الانقلاب العثماني، وهي تظهره وهو يقوم بتسليم العلم الأبيض
بالنيابة عن السلطات العثمانية إلى جنود بريطانيين، بعد انسحاب الجيشان التركي والألماني من المدينة بدون قتال، وقد فعل ذلك بناء على طلب عزت بك المتصرف العثماني على المدينة. وحدث ذلك يوم الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 1917.
وكان عزت بك، حسب الروايات المنقولة عن الحادث، قد أيقن أن القدس واقعة لا محالة بيد الإنكليز بعد تقدمهم واحتلالهم جنوب فلسطين، وأنه لا مجال لمقاومة القوات البريطانية المتجهة نحو القدس. وهكذا دعا إلى "اجتماع تاريخي"، حسب قول واصف جوهرية، في ختام الكتاب الأول من مذكراته، عقد في القدس مساء السبت 8 كانون الأول/ديسمبر 1917، بحضور كبار موظفي دوائر الحكومة ورئاسة قوة بوليس القدس، وأعيان ووجهاء المدينة من مختلف الطوائف، حيث تكلم عزت بك مطولاً عن الحالة السيئة التي أصبحت عليها البلاد، ووجوب تسليم القدس حالاً. وكانت القيادة العامة للجيش التركي، وبالاتفاق مع الألمان، قد توصلت إلى قناعة بأن العدو على أبواب القدس، وأنه لا مناص من احتلالها بالقوة من قبل الجيوش التابعة للحلفاء بقيادة الجنرال اللنبي.
ويضيف جوهرية أن الاجتماع شهد صدور قرار بإعادة تعيين حسين بك الحسيني رئيساً لبلدية القدس، بعدما أقاله جمال باشا السفاح منذ سنة 1915، وتسليم الحسيني تفويضاً رسمياً لتسليم المدينة.
وعليه قام عزت بك باستدعاء كل من كامل أفندي الحسيني مفتي القدس وحسين سليم أفندي الحسيني رئيس البلدية فيها، حيث اجتمعا به في دارته ليلاً، بالقرب من مدرسة المطران في حي الشيخ جراح. وقال لهما: ها قد أحاط الجنود الإنكليز بالقدس، ولا بد أن تسقط عما قليل بين أيديهم. ولقد اعتزمت مغادرة المدينة، وأود أن ألقي بين أيديكم هذا الحمل الثقيل. ألا وهو تسليم المدينة للفاتحين. وناول المتصرف لرئيس البلدية وثيقة التسليم لإعطائها إلى الإنكليز عندما يقتربون من المدينة.
وقبل أن يودعه للمرة الأخيرة سلم متصرف القدس العثماني حسين بك الحسيني عربته الخاصة، وهي عبارة عن "حنطور" وسائقها، وطلب إلى محافظ البوليس القومسير إسحاق العسلي مساعدة حسين بك في إجراء التسليم عند الصباح.
أما ما عرف بوثيقة التسليم، والتي كتبت بخط اليد، بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 1917 فقد تضمنت ما يلي:
"إلى القيادة البريطانية،
منذ يومين والقنابل تتساقط على القدس، المقدسة لدى كل ملة، فالحكومة العثمانية رغبة منها في المحافظة على الأماكن الدينية من الخراب، قد سحبت القوة العسكرية في المدينة، وقد عينت موظفين للمحافظة على الأماكن الدينية كالقيامة والمسجد الأقصى. وعلى أمل أن تكون المعاملة من قبلكم على هذا الوجه، فإني أبعث هذه الورقة مع وكيلي رئيس بلدية القدس، حسين بك الحسيني.
متصرف القدس عزت
8/12/1917"

في صباح اليوم التالي انسحب الأتراك من القدس، وفي نحو الساعة التاسعة صباحاً ذهب حسين الحسيني، رئيس البلدية، برفقة ثلاثة من آل الحسيني ومفتشي شرطة وإثنين من أفراد البوليس، يسميهم واصف جوهرية في مذكراته، على النحو التالي: توفيق محمد صالح الحسيني، مفتشا الشرطة أحمد شرف والحاج عبد القادر العلمي، ورجلا البوليس شمس الدين وأمين طهبوب، هذا إضافة إلى شابين آخرين، هما جواد ابن إسماعيل بك الحسيني وبرهان ابن المرحوم طاهر بك الحسيني.
وحسب واصف جوهرية فقد حمل علم التسليم الأبيض سائق سيارة جمال باشا واسمه سليم، وهو لبناني، وبجانبه حنا اللحام، شقيق زوجة السائق سليم.

توثيق الواقعة

وثق واقعة تسليم القدس من قبل حسين بك الحسيني مصور "الأميركان كولوني" لويس لارسن Lewiss Larsson، الذي اصطحبه حسين بك معه لتسجيل الواقعة المذكورة، باعتبارها حدثاً تاريخياً، وقد وزعت الكولونية الأميركية الصورة، وانتشرت في الصحافة العالمية. يذكر هنا أن لويس لارسن السويدي الأصل (1881-1958) لم يلبث أن تحول إلى واحد من أهم أركان دائرة التصوير في "الأميركان كولوني"، وشغل فيما بعد منصب قنصل السويد في القدس خلال أربعينات القرن الماضي.
يقال في بعض الروايات إن الحسيني التقى في "طريق بدر" قائد الفرقة الستين، الجنرال شي، حيث قام بتسليمه وثيقة الاستسلام، لكن ما تظهره الصور أن واقعة الاستسلام تمت لضباط صف بريطانيين من طلائع الكتيبة 19/2، من فوج لندن، حيث بدا حسين أفندي الحسيني متكئاً على عصاه، وإلى جانبه السيرجنت سيدويك Sedwick وهوركمب Hurcomb، وهم يقفون تحت راية الاستسلام البيضاء، في ذلك الصباح البارد من كانون الأول/ديسمبر 1917.
ويضيف واصف جوهرية الذي شهد واقعة الاستسلام** أن رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل سخر من الواقعة، ومن الصورة التاريخية التي توثقها، وقال إن الجنديين البريطانيين التقيا حسين بك الحسيني بالصدفة، بينما يبحثان "عن البيض لشرائه من فلاحي قرية لفتا"، مقللاً من أهمية الواقعة.
مهما يكن من أمر تفاصيل واقعة تسليم القدس بتفويض من المتصرف العثماني للمدينة، فإن الواقعة والصورة الفوتوغرافية التي توثقها دخلتا التاريخ، وشكلتا خاتمة رمزية لأربعة قرون من الحكم العثماني، ونقطة فاصلة قبل أيام من دخول الجنرال اللنبي للقدس (الأحد 18/12/1917) باحتفال عسكري ضخم، والذي خلدته صور أيقونية عدة، سجلت بداية الاحتلال العسكري البريطاني لفلسطين الذي استمر لثلاثة عقود لاحقة.
أثارت صورة تسليم القدس على يد رئيس بلديتها بالنيابة عن السلطات العثمانية وربما لا تزال تثير المزيد من الأسئلة، ولعل أبرزها لماذا قبل حسين أفندي الحسيني القيام بهذه المهمة المهينة، أي الاستسلام للبريطانيين نيابة عن الأتراك، علماً بأن أحمد جمال باشا الحاكم العسكري العثماني وقائد الجيوش المرابطة في فلسطين وبلاد الشام كان قد عزله مع نشوب الحرب، وعين بدلاً منه رئيساً تركياً لأول مرة في تاريخ القدس، حسب مذكرات واصف جوهرية، حيث انصرف منذ عام طرده 1915، إلى الأعمال الحرة وترأس جمعية الهلال الأحمر، وحقق نجاحاً كبيراً في تنمية ثروته الخاصة.
من الواضح أن حسين أفندي الحسيني لم يكن يرى في عملية الاستسلام للإنكليز، بالنيابة عن العثمانيين، أمراً مهيناً له، بدليل اصطحابه مصوراً فوتوغرافياً معه لتوثيق الحدث، بل إنه من المرجح أنه كان يريد أن يغتنم التفويض الممنوح له من قبل العثمانيين كفرصة لإعادة الاعتبار لنفسه وللتفاخر. وربما كان حب الظهور قد حدد سلوك جميع من ظهر في الصورة، بما في ذلك ضابطا الصف البريطانيان.
كان حسين أفندي الحسيني قد استعاد موقعه كرئيس لبلدية القدس، ليلة انسحاب العثمانيين من المدينة، وظل قائماً على رئاسة البلدية بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين، لكن لأسابيع قليلة، فقد توفي في شباط/فبراير 1918، ليخلفه أخوه موسى كاظم باشا الحسيني في رئاسة البلدية.
لكن لم يلبث أن قام الحاكم العسكري البريطاني بعزل موسى من منصبه، بعد اتهامه بالمسؤولية عن تحريك المظاهرات العربية التي اندلعت في القدس في نيسان/أبريل 1920، وانتهت بسقوط قتلى وجرحى في اليهود والعرب.
لكن موسى كاظم الحسيني سوف يكون موضوعاً لصور أيقونية، حفظها التاريخ بعد توليه رئاسة اللجنة التنفيذية العربية المنبثقة عن المؤتمر الوطني الفلسطيني (حيفا، كانون الأول/ ديسمبر 1920). ولعل أهمها دوره في قيادة التظاهرتين الفلسطينيتين الحاشدتين التي شهدتهما القدس ويافا في 13 و27 تشرين الأول/أكتوبر 1933. حيث تلقى الضرب بالعصي على رأسه من قبل خيالة البوليس البريطاني في تظاهرة يافا، وأدت هذه الإصابة إلى وفاته بعد أشهر قليلة وهو في سن الثمانين.
وبالعودة إلى الصورة الفوتوغرافية التي سجلت واقعة تسليم العثمانيين القدس نعلم أنه ما من مقدسي أسف في حينها لهزيمة العثمانيين، أو لانسحابهم من المدينة، بل على العكس، فقد احتفوا برحيلهم، خاصة بعد معاناتهم المرة إبان سنوات الحرب (1914-1917)، وهو ما يفسر عدم إدراكهم، إلا بعد حين، أن هزيمة الأتراك ودخول القوات البريطانية والحليفة لم تكن سوى بداية تحقيق وعد بلفور وأحلام الحركة الصهيونية.

لوحة زيتية على القماش للرسام نقولا صايغ

ربما لهذا السبب قام أحد رواد الفن التشكيلي الفلسطيني، نقولا صايغ، بإعادة رسم لحظة تسليم القدس للبريطانيين، كما بدت في الصورة الفوتوغرافية للحدث، وهو الرسم الذي نفذه بالألوان الزيتية على قماش عام 1918، وكأنما واقعة الاستسلام لا تكفي صورة فوتوغرافية واحدة لتخليدها، فأضاف إليها الرسام نقولا صايغ (1863 / 1943) عملاً فنياً جديداً يؤكد دلالاتها الرمزية الخاصة، أي نهاية عصر وبداية عصر آخر.

*باحث ومصور فوتوغرافي

**انظر الصفحات الأخيرة من "القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية"، الكتاب الأول من مذكرات الموسيقى واصف جوهرية 1904-1917. وكذلك الصفحات الأولى من الكتاب الثاني من المذكرات ذاتها. وهي من تحرير وتقديم سليم تماري وعصام نصار، ومن إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية. الطبعة الثانية، 2003.

*****

(*) الصورة الأولى: رئيس بلدية القدس حسين أفندي الحسيني أثناء تسليم القدس للإنكليز صباح 9/12/1917، بالنيابة عن عزت بك متصرف القدس العثماني. والصورة التقطها لويس لارسن، أحد أقطاب دائرة التصوير في "الأميركان كولوني"، القدس.

(*) الصورة الثانية: لوحة زيتية على القماش للرسام نقولا صايغ، تعيد توثيق الواقعة الظاهرة في الصورة الأولى لكن بالألوان. واللوحة من مقتنيات دارة الفنون، مؤسسة خالد شومان، عمان، وهي تنشر بإذن منها.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.