}

"أيامي مع كايروكي": إعادة إحياء الأغنية الثورية

إيهاب محمود 10 أغسطس 2019
(1)

"يا إمام يا عبيط. كده تموت قبل ما تشوف الدنيا بتتغير، وأغانينا بتهز الميدان"، قال الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، تعقيباً على مشاعره خلال أحداث ثورة يناير التي عايشها في الميدان، وتحديداً الـ18 يوماً التي مثلت لحظة فارقة في تاريخ مصر بشكل عام، في إشارة لرفيقه الشيخ إمام الذي رحل في العام 1995، بعد أن ظل يحلم في ألحانه وأغنياته بما رآه نجم أمامه في ميدان التحرير.
كانت القصائد التي يكتبها نجم، ويلحنها الشيخ إمام، ويغنيها الاثنان معاً أو إمام منفرداً، بمثابة فتح فني أثر في أجيال متعاقبة من المصريين، وعندما فاض ميدان التحرير بالبشر، لم يشعروا بأنفسهم إلا وهم يرددون أغنيات نجم وإمام: "الجدع جدع/ والجبان جبان/ بينا يا جدع/ ننزل الميدان"؛ "ناح النواح والنواحة/ على بقرة حاحا النطاحة/ والبقرة حلوب/ تحلب قِنطار/ لكن مسلوب/ من أهل الدار" وغيرهما من الأغنيات التي أججت الحماسة وقتها في نفوس سامعيها ومردديها.


(2)

حينئذ، كانت هناك فرقة شبابية تعمل في هدوء نسبي منذ سنوات، تطرح أغنية على يوتيوب لتحقق 29 ألف مشاهدة خلال ساعات، وهو رقم ضخم وقتذاك، كان هذا يوم 19 يناير

2011، وقبل ستة أيام فقط على ثورة يناير. تقول الكلمات: "وبعدين يا بلد/ آخر ده كله إيه/ خلاص اليأس اتولد/ ومش عارفين بكرة فيه إيه/ ساكتين ساكتين ومكملين/ بنوطِّي راسنا عاملين مش شايفين". التفاعل الكبير مع هذه الأغنية منحها مكاناً بجوار أغاني نجم وإمام، لتبدأ موجة جديدة وقوية للغاية من الأغنية الثورية بفضل فرقة كايروكي، التي قام الباحث ولاء كمال بعمل معايشة معها لما يقارب العام، لتكون المحصلة في النهاية هي كتاب "أيامي مع كايروكي.. حكاية جيل أراد أن يغير العالم" الصادر مؤخراً عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة.

(3)

يستعرض الكتاب حكاية فرقة كايروكي، وكيف أنها نجحت في ملء فراغ سنوات طويلة، إذ إن أغنيات إمام ونجم كانت هي الملاذ الوحيد لمن أراد أن يستقوي بالغناء على قهر السياسة، وهي المأوى لمن هجره وطن يحكمه بشر فقدوا آدميتهم.
في العاشر من فبراير، وقبل يوم واحد فقط من عزل الرئيس الأسبق حسني مبارك، طرحت كايروكي أغنية "الحرية" التي أصبحت فيما بعد النشيد الرسمي لثورة يناير. وحققت الأغنية 80 ألف مشاهدة خلال ساعات، وكان هذا رقماً غير مسبوق تماماً.
مرت الأيام، وعلى الرغم من جماهيرية طاغية اكتسبتها الفرقة في أوساط الشباب، لا على المستوى المصري فقط، بل وعربياً أيضاً، فإن الفرقة واجهت متاعب كبيرة كادت تقضي عليها تماماً، وذلك أثناء التحضير لألبومها الأهم والأكثر صعوبة ومجهوداً وهو ألبوم "نقطة بيضا" الذي شكل علامة في مسيرتها. المشاكل الرقابية الضخمة التي لم تنته قضت برفض تصوير الألبوم على شكل الفيديو كليب، وبصعوبة بالغة وافقت على تمرير الأغنيات فقط، لتتخذ الفرقة

القرار التالي: طرح الألبوم كله على يوتيوب مرة واحدة.
وبحسب الكتاب، لم يمر القرار هكذا بسهولة، بل إنه واجه صعوبات كبيرة وخلافات ليست بسيطة على الإطلاق، غير أن الرد الجماهيري لم يتوقعه أحد. حقق الألبوم 20 ألف مشاهدة خلال الساعتين الأوليين، وبعد ثلاثة أشهر تقريباً وصل عدد المشاهدات إلى 100 مليون مشاهدة!
ولم تحقق الفرقة هذا النجاح وسط ظروف مهيأة لذلك، على العكس تماماً، كانت الضغوطات السياسية والحصار الذي فرض على الفرقة قاسياً وغبياً، ولولا ما حققته الفرقة من جماهيرية لاختفت، حيث إن الخلافات الفردية داخلها كنت تعرقل بعض الأمور أيضاً، ذلك لأن كل واحد منهم يريد الأفضل، مثلاً عند مناقشة طريقة طرح ألبوم "نقطة بيضا" انقسمت الآراء بين من يريد طرحها على يوتيوب والانشغال فقط بالجمهور المستهدف من الشباب ولتذهب القيادة السياسية إلى جحيم مقيم، في حين يرى آخر الموازنة بين هذا وذاك، كي لا تقع الفرقة في مطبات جديدة قد تأتي عليها تماماً دون رجعة.

(4)

"أيامي مع كايروكي" وثيقة لجيل أراد فعلاً أن يغيّر العالم، ربما ما حدث كان صدمة له ولنا وللكثيرين، لكن يبقى له دور كبير لا يمكن إغفاله، حيث خرجت أغنيات كايروكي لتسد فراغاً عانينا طويلاً بسبب الحاجة الماسة لشغله، بعد أن مات الشيخ إمام وبقى نجم وحيداً، على الرغم من خلل هذه النظرية، حيث إن ثنائي نجم وإمام حقق نجاحات وشعبية خلال فترة سياسية واجتماعية معينة، وتفاعل معهم جيل بعينه، ولكن استمرار استدعائهم طوال الوقت، من أجيال لاحقة، ليس بالأمر المفيد فنياً ولا حماسياً، إذ يحتاج كل جيل لمن يمثله، ويغني له، وعنه،

ليتفاعل معه بشكل كامل، وهذا هو فضل كايروكي على الأغنية الثورية، وهو في حقيقة الأمر واحد من أفضال ثورة يناير، حيث إنه لولا الثورة لما حققت كايروكي هذا النجاح الضخم، ولما خرجت كل هذه الأغنيات، التي بغض النظر عن فنيتها، أو قيمتها، أو جماهيريتها، فإنها باتت جزءاً لا يتجزأ من ثورة يناير، ويكفي أحدهم الاستماع لأحد ألحانها، أو أغنية من أغنيات الفرقة، ليستدعي ثورة يناير بتفاصيلها، وذكرياتها، ويغرق في لحظة حنين طويلة يتمنى ألا يفيق منها على الواقع المحبط.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.