}

عصام درويش.. النكوص من آثام الواقع إلى طوباوية الحلم

أسعد عرابي 7 يوليو 2019
تشكيل عصام درويش.. النكوص من آثام الواقع إلى طوباوية الحلم
(عصام درويش: مرحلة ما بعد النكبة)
تحدوني منذ فترة الرغبة في الكتابة عن "سوريالية" الفنان السوري عصام درويش. وترسّخت هذه الضرورة مع نجاح معارضه ما بين المنامة وعمّان وبينالي الكويت ثم فينيسيا، وإثر عروضه المثيرة في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق، و"صالة أجيال" في بيروت. تُنسيك كثافة نشاطاته أنّه مسؤول عن إدارة غاليري نخبوية تدعى "عشتار" افتتحها بعد أن أنهى دراسته العليا في كلية فنون دمشق عام 1987م باعتباره خريج كلية الفنون منذ عام 1979م. وهو من مواليد دمشق عام 1952م.
هيّأت له سمعة صالته عقد صلات خاصة مع الفنانين المجيدين الذين عبرت لوحاتهم (وأحياناً لأول مرّة مثل خالد تكريتي) جدران "عشتار". درج على تقديم المواهب الأصيلة، نموذجها المعلّم فاتح المدرّس، حتى أصبح مستحوذاً على أكبر مجموعة منتقاة من لوحاته. ونجده يتسلم اليوم إدارة "مرسم – متحف فاتح" بعد وفاته ثم وفاة زوجته منذ عدة سنوات.
فإذا ما طالعنا جدار مكتبه في الغاليري وجدناه مرصّعاً بلوحات نادرة لأبرز الروّاد من حماد وكيالي إلى شورى ونعيم إسماعيل وسواهم. تعكس علاقته الحميمة والتوثيقية بأعمدة المحترف السوري، ومعرفته الاستثنائية بتفاصيل تحولاتهم الأسلوبية، ما أهله ليكون ناقداً فنياً بارزاً.
هو السوريالي الوحيد في المحترف السوري المعاصر. سبقه أحد الرواد السابقين الهواة الذين يستمرئون الدلالات الأدبية في سردية اللوحة، مثل العديد من الهواة المتناثرين في نقاط متباعدة من مونوبلات الخليج خاصة في جدة. سوريالية عصام مثل أية سوريالية مشروطة باستعاضة الوعي والواقع بلا وعي والحلم. لكن خصائصه التخيلية النخبوية تجعله لا يشبه أحداً، ولا يشبهه أحد في وسط فني دمشقي تغلب عليه تيارات التعبيرية بأنواعها: الملتزمة والميثولوجية والإغترابية الكافكاوية والمرآتية السيزيفية أو الوجودية. يجري أسلوب عصام إذاً في عكس
التيار الغالب محليّاً وعربيّاً (ما خلا السوريالية المصرية) يشكّل معها خطين متوازيين مهما امتدّا لا يلتقيان، ولا يمكن بالنتيجة تحديد خصائصه الفكرية إلا بالعودة إلى النماذج الأم النهضوية الفرنسية (والمصرية)، أي إلى نماذج السوريالية التي نمت في أعقاب الحرب العالمية الأولى منذ ١٩٢٠ في باريس، مع بشائرها الميتافيزيقية الأولى التي حملها معه جيورجيو شيركو من إيطاليا محاوراً مؤسس الاتجاه الشاعر أندريه بروتون دون التوصل إلى تسوية، ورفض شيركو الانخراط في الجماعة ورفض التسمية، وظل يعرف بالميتافيزيقي بعوالمه وطوبوغرافية تكويناته وخط أفقه، بغروبه وشفقه وتحولاته الزمانية والفصلية، وباعتماد الدرجات المتضادة في الظل والنور. لكن السوريالية التي بشّر بها أندريه بروتون خاصة في بيانه ١٩٢٤م تذهب في ثورتها (المشتقة من الدادائية التوأم) أبعد من ذلك.
ثبت إثر الحرب العالمية الأولى أن العقل والذكاء البشري ينتجان العلوم بما فيها الحربية وأن الحدس يفيض بالفنون. ومع التدمير الانتحاري الذي سبّبه الأول انتصرت تيارات هذه الفترة إلى عبثية الدادائية وطوباوية السوريالية. وهنا تبدو شرعية وبشارة أندريه بروتون في نكوصها عن الواقع إلى الحلم والتداعي الفرويدي واللاوعي واللاشعور والهذيان والطفولة والهمودية ونظائرها مثل آلية "أحلام اليقظة".. إلخ.. تحلق حوله كبار الفنانين الأوروبيين من أمثال ماكس إرنست، وسلفادور دالي، ثم ماغريت ودلفو، وجوان ميرو، ولام، ثم عبرت تقاليدها مع تجريدية أندريه ماسون، إلى المدرسة الأميركية مع مؤسسها ما بعد الحرب العالمية الثانية، أرشيل غوركي، وصولاً اليوم حتى دادو. وهو ما يثبت أن السوريالية لم تتوقف مع وفاة أندريه بروتون عام 1966م. وقد جنت ثمارها الحداثية والمعاصرة الحركة الفنية السوريالية المصرية، وذلك مع نشاط حركة "الفن والحرية" ما بين 1938 و1948م، وبمبادرة الأديب جورج حنين مستمرة مثل نظيرتها الفرنسية حتى 1965م. تحلق حوله عقد من كبار الفنانين مثل رمسيس يونان وعبد الهادي الجزار وسمير رافع وحامد ندا وصولاً حتى الإسكندراني الشاب سعيد العدوي، وامتلكت الحركة خصائصها من استثمار الخرافات الشعبية والتعويذية متسربة إلى المحترف السوري مع معلم شديد التأثير
التربوي : نذير نبعة الذي نقل تقاليد عبدالهادي الجزار، وسعيد العدوي، إلى الجيل التالي (وعلى رأسهم عصام درويش الذي تتلمذ في كلية الفنون على يديه).

حلم جديد
رغم توليف درويش للعديد من الاتجاهات الأوروبية والنهضويّة المصرية للسوريالية، فقد شرنقت خصائص موهبته التخيلية في حلم جديد لا يخلو من الإثارة الميتافيزيقية، خاصة في مجال استثمار الكمونات والكمائن الشهوانية الجنسية التي تقع في مجازها ضروب الأقمشة والدانتيل والفساتين والإكسسوارات النسائية في مخادع المجون الليلي، تتحالف الستائر في هذا الإيحاء المستقى من "ليبيدو" فرويد ويونغ ومحرمات بالتوس، وترميزات الجزار، والالتباسات الصورية لماغريت، وجسديّة دلفو، سمحت له خصوبته الأسلوبية بتعددية موضوعاته العائمة خارج الواقع، متوازية مع بعض ميتافيزيقيات السينما خاصة فيلليني في "جولييتا والأشباح" أو "كازانوفا".
يفصّل هو نفسه لوحاته: ما قبل النكبة وما بعدها وإذا تعرضنا إلى سورياليته المألوفة منذ عقود فإن دراما المحنة السورية عندما عبر كابوسها من شهادة لوحته تحولت تقنيّاً إلى أوراق ذهبية

رهيفة الأجنحة مثل فراشة جلال الدين الرومي التي تتعقّب لهيب الشمعة حتى تتحد في لظاها، وأشد ترميزاً أنثوياً مضرجاً بالدماء، يرتكن جسدها من هول الرعب داخل محفظة نزوح، أو تخفي وجهها بأنامل مرتعشة، تعبيراً عن مأساوية القيامة الشامية. إذاً امتحاناً لقدرته الأسلوبية على تعددية التجربة ومنعكساتها الشعورية، لا بد من الاستدراك في النهاية أن السوريالية تمثل تاريخياً مبادرات أدبية متراكمة خلف بروتون وبول إيلوار ورامبو وسواهم. يحضرني تعريف الشعر في عصر الجاحظ الذي يكاد يلتصق بلوحات عصام درويش خاصة مع استثماره للوثيقة الوصفية الفوتوغرافية: "الشعر ضرب من النكد بابه الشر فإن دخل عليه الخير لانَ" أي ضَعف. أما أول ناقد أدبي في تاريخنا وهو الجاحظ فحين انتقد قصيدة أبو العتاهية قال: هذا ليس بشعر وصاحبه ليس بشاعر (...) "إنما الشعر صناعة ونسج من التصوير".
قد تمثّل السوريالية برزخاً يتيماً نادراً يلتقي فيه الشعر بالتصوير، بعكس بقية تيارات الحداثة والمعاصرة التالية، والحديث يطول في هذا المقام.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.