}

لؤي كيالي: يرسمُ لوحاته بحواسٍ مُفعمَةٍ كفنَّان ومُختلِطةٍ كصُوفي

أنور محمد 23 يوليو 2019
تشكيل لؤي كيالي: يرسمُ لوحاته بحواسٍ مُفعمَةٍ كفنَّان ومُختلِطةٍ كصُوفي
"ثم ماذا".. تساؤل سبق هزيمة حزيران 1967 (لؤي كيالي)
تعود أسبابُ أزمات الفنان التشكيلي السوري لؤي كيالي 1934- 1978 الذي مات في سنِّ مُبكِّرة مُحترقاً، إلى أنَّه كان يعيش غربةً، اغتراباً روحياً - فليس الأصدقاءُ أصدقاءْ، ولا الأهلُ أهلٌ. لقد خذلوه. فَهُمُ في الثابت، الجامد، الساكن، حيث يُعيدون إنتاجه، فيما كان لؤي كيالي يذهبُ إلى التحوُّل؛ البحث، الحركة، الإبداع. وعندما يرسم لوحته وهو يبدأ بتخطيطها في قلم الرصاص تراه في حالة انخطاف. كنتُ أُعلِّقُ أحياناً على استخدامه للرصاص فيُجيبني: إنَّ مودلياني فعلَ ذلك. وما أن يُلوِّنُها حتى تراه في حالة إشراق. فأظنُّ أنَّه كان يهذي أو صار في الشطح. فالصورة التي كان يرسمها، كانت لبائع اليانصيب، أو الجوارب، أو الذُرة، أو بائع الجرائد، أو المثلجات، أو بائع دواليب الهواء، أو الكعك، أو الفطائر، أو العلكة، أو الزهور، أو ماسح الأحذية، أو الأُمُّ في وضعياتٍ متعدِّدة ومتشابهة وهي تُرضع طفلها؛ هي صورةٌ من حسٍّ وفكر، صورة تمحو صورة، وصورة تولِّدُ صورة.
لقد كان لؤي مُهتماً بـ(الخلود) وهذا حقُّه، ليس خوفاً من الموت الذي تعثَّر بـ"لفافة تبغ" بين إصبعي يده وسقطت في فراشه فاحترقت سُرَّتُه وما تَحْتَها حرقاً من الدرجة الثالثة مساء يوم 10 أيلول/ سبتمبر من عام 1978، بل تعلُقاً بالحياة، وبهذا؛ فإنَّه لم يكن من عشاق الموت ليلجأ إليه كما رأى بعض المحللين بأنَّه (انتحر). لؤي كما قالَ لي في غرفة المشفى الجامعي بحلب يوم عُدْتُه صباح اليوم التالي لاحتراقه ومعي الشاعر حامد بدرخان والناقد صلاح الدين محمد: أنور.. أنا لم أنتحر. ففي اليوم الذي احترق فيه كنَّا معاً في مقهى القصر، غَادَرْنا المقهى حوالي الساعة الثانية بعد الظهر على أن نلتقي مساءً.
لؤي كان يعيش حالة فقد للحنان الاجتماعي، وبرأيي هذا هو مرضُه أو سببه، وليس كما يرى
حتى أطباءَه بأنَّه يعاني من أزماتٍ نفسية، وانفصام شخصية. فالمقرَّبون منه؛ بعضهم كان يعمل على اضطهاده وينعتُه بصفاتٍ لا تليقُ بكرامته ووطنيته كمثقَّف يمتحُ مادَّته في الرسم من الجمال الذي على وجوه وأيدي ماسحي الأحذية وبائعي الفطائر والذرة، والأُمَّهات اللاتي يُرضِعنَ أطفالَهُنَّ وغيرهم من أعضاء قرية النمل وخلية النحل الإنسانية الذين تقوم على أيديهم مراحل التطور الاقتصادي الذي يقطف ثماره الأغنياء، فيما هم يبقون مقهورينَ ومهزومينَ ومتعرِّضينَ لإرهاب أصحاب الثروة، وهذا ما كان يُؤْلِمُ لؤي كيالي. وحسب ملازمتي له في قضاء أوقاتٍ كثيرة وطويلة معاً إٍنْ في حلب، أو في السفر إلى مدن سورية وعربية، كانَ حتى وهو يعيشُ تلك الحالة التي وُصفت بـ(الجُنون) كانَ عاقلاً.
لؤي كان يُفكِّر، كان يبحث عن المعرفة، وعن لذَّة المعرفة التي تأخذه إلى التجريد فيرسم، ويرسم لكن بحواسٍ مُفعمةٍ كفنَّان، ومُختلطةٍ كصوفي، وليس كمجنون. فهو يرسم بروحه، والروح عنده أكبر من العقل، ولذلك رسمَ لوحاته بغاية السموُّ الروحي الذي بعث كلَّ هذا الجمال في أعماله التي نرى فيها تناسقاً ما بين حساسية لؤي وفهمه العقلي، حيث نقبض فجأةً على احتياجاتنا فيها، والتي قذفها لؤي أمامنا لنتخلَّص من الضجر والسأم والملل، وندخل في حالة تأمُّل الجمال الذي يُوقظ عندنا حنيناً إلى أن نعيش بكرامة.
لؤي كيالي كان يُمسك بالريشة ليرسم (السلام) وليس ليُحرِّك أو يُوقد نارَ الحرب. فما يرسمُه ليس كذباً - فشخوصه، أو لنقل أبطال لوحاته، هي مخلوقاتٌ تكتنزُ أحلاماً إنسانية وهي بغاية التألق الواعي، وإن بدوا متوترين أو متأملين، فإنَّما ليبقوا في قوَّة تجعل الحياة- حياتنا محصلة ما هو ثوري، فلا نتعبُ من الحُب ولا من العمل، مهما طافت وانداحت مياه أنهار البؤس والحزن. أبطاله قد يكونون ضعفاء من الطبقة السُفلى كما يُسمِّيهم لؤي، لكنَّهم في الحياة الفعلية هم أقوياء وذوي بأسٍ، فالفكرُ- فكرهم، يتدفَّق من الوجود، الوجود الذي يحدِّد المعرفة.
الفن، هنا الرسمُ عند لؤي كيالي، قد يمسُّ، أو إنَّه يمسُّ، يحرِّكُ مشاعرنا، وقد يستولي؛ إن لم يسيطر على أرواحنا. وأظن، أنَّ هذه من مهام الفنون والآداب، لكنَّه من الصعب أن يصنع حرباً، ثورة. قد يولِّد أو يكون سبباً في ولادتها. الفن، الفنون تحمل صيرورتها في شكلها وهي غير قابلة للفساد/ لأن تفسد. بل تتحوَّل بفعل الزمن إلى معادن ثمينة كقيمة نقدية، وإلى أوكسجين كقوَّة داعمة للحياة. لؤي لم يلوثه (المال). كنتُ معه وهو يقيم معارضه الأخيرة، كما في علاقتنا اليومية إِنْ في المقهى أو في المطعم، أو أحياناً في البيت. فهو يرفض أن يأخذ ثمن لوحته سوى الرقم الذي يطلبه. أكثر من مرَّة أراد مُبتاعو لوحاته دفع ثَمنٍ مُضاعف له، فرفضَ وهدَّد بإلغاء عملية البيع. كان يكتفي بالقليل من المال الذي يَقتتلُ البشرُ عليه. بل يخونونَ ما
يخونونَ كي يحتازوه، فلا يخلط الحريَّة بالمال، في أن يرسمَ عربَ ما قبل حربِ حزيران/يونيو 1967 في معرضه "في سبيل القضية" الذي يستصرخُ فيه الضمير العربي ليحرِّر فلسطين، إذ ما أن يمر شهر أيار/ مايو، وتقعُ الهزيمةُ،  فيحرقُ لوحات المعرض- هُنا وبالمناسبة؛ يوم سافرنا إلى عمَّان سنة 1978 ليُقيم معرضاً لأعماله، أوَّل ما وَصَلنا طلبَ مني أن نزورَ مُخيَّم "الحسين" للنازحين الفلسطينيين، ولمَّا شافَ ما شاف، وهو قليلُ الكلام، شتمَ مَنْ شَتَمْ، ويومها نَصَحَنا سائقُ تاكسي الأجرة أن نقفل فَمَنا، وإلاَّ نمنا في قصر "أنت عمري"، وقال لي: لن أعرضَ أعمالي في عمَّان. في اليوم التالي قام الفنان "مهنا الدرَّة" وكان مديراً لدائرة الثقافة والفنون، والذي تبيَّن خلال لقاء العمل الذي جَمَعَنا في مكتبه؛ أنَّه كان زميلاً للؤي في أكاديمية الفنون الجميلة في روما، بتخيير لؤي كيالي في أن يعرضَ لوحاته في المركز الثقافي البريطاني وهو ما رفَضَه، وبين صالة "عالية" التي احتجَّ بأنَّها صالة صغيرة لا تتَّسع لعرض لوحاته ذات الحجوم الكبيرة، وبين قصر الثقافة الذي رأى أنَّه بعيدٌ عن مركز المدينة ممَّا يمنع "الناس" من التفرُّج على أعماله. كل هذا من أجل فلسطين. لؤي مثلما رسمَ ثورييِّ الاستقلالات العربية، والفقراء، والمعوزين الذي حاربوا الفسادَ والرشوةَ والخيانةَ بعملهم بائعين جوالين، وماسحي أحذية وصيادي أسماك بحدسه الاجتماعي، مثلما كان نزيهاً وصادقاً في سلوكه.
فهو في لوحاته كان يحوِّل الأَسْوَدَ "الفحمَ" الأسودَ إلى جمرة نارٍ مُتَّقدة، وهذا كان كافياً لأن تبكي فتاةٌ أمام إحدى لوحاته في معرض بيروت، فنَارُ الفحم لذَعَتها لأنَّها كانت من نار العبقرية. فالبكاء يُعيد القوَّة التي افتقدناها، نارٌ تُعيد إلينا توازننا. مثل تلك البشاعة التي حَمَلَتْهَا ذاتَ يومٍ لوحتان لرسَّامٍ حلبي علَّقهما على حائط مقهى "القصر" بحلب، لوحتان مقزِّزتان، منفِّرتان. فسألَ النادلَ "بكري" عن ثمنهما الذي يطلبه الرسام، وما كان من لؤي إلاَّ أن نَقَدَهُ قيمتَهما وطلبَ إليه أن يضعهما في "الحمَّام".
بكاءٌ واستفزاز؛ حين تحرِّك اللوحةُ المشاعرَ وهي تثبت صحَّة الجمال، أو الأمراض التي تنشرها القباحة. فقيمة الجمال أعلى من قيمة الايديولوجيا. فكلتاهما (لوحة)؛ تلكَ التي أبكتِ
الفتاة، وتلكَ التي نَفَّرَتْ، بل جَلَدَت أحاسيسَ لؤي، وفي كلا العملين نجدُ ذاتَ الفنان؛ شخصيته، وقد نزعَ القناعَ عن وجهه صانعاً للجمال/ الخير ومبشِّراً بالقباحة/ الشر. وهذا يُذكِّرنا بتلك اللوحات التي رسمها كلٌّ من " تنييه" و"لونان" حين عُرضت على "لويس الرابع عشر" فتقزَّز منها وزمَّ شفتيه وأمرَ قائلاً: "أرفعوا عن أنظاري هذه القباحة". إنَّ اللوحة ليست صورة وحسب، بل إنَّ لها تأثيراً، لها كثافة حسيِّة.
صارمٌ وحازمٌ في قراراته وإنْ كان يهتاج فكرياً/ عقلياً معَ أو ضدّْ. لؤي لا يذهبُ إلى الصراع، لأنَّه يخشى أن يُخذَل. سبقَ وخذلهُ أهله ومَنْ كانوا في حكم الأصدقاء وأودعوه مصحاً نفسياً مراتٍ عدَّة، مع إنَّه ليس خَطِراً كما رأى عمُّهُ وعمَّتهُ مثلاً. لؤي كان يعيش حريته الذاتية فلا يصطدم مع الطبيعة ولا مع القوانين الأخلاقية التي خرقها أهلوه. فهو رغم (جنونه) كما وصفه مُجنِّنوه، كان في غاية الهدوء والانسجام بين اندفاعاته العبقرية كصانع للتراجيديا في لوحاته، والمتطلبات الاجتماعية، لأنَّه يعملُ بضميرٍ صامت، ويمتلكُ إرادة الفعل. فيرسم؛ يرسمُ لوحاته؛ تراجيدياته الحزينة التي جمعَ فيها القوَّة مع الجمال، ليُحقِّقَ السامي والعظيم، وينتصر بطل الرسم عنده كانَ ماسحَ أحذيةٍ أو بائعَ يانصيب أو.. لأنَّه كان يوازن وهو يرسم تراجيدياته التي تتأسٍّس عليها معظم رسوماته بين ما يقبل به (العقل) ويتوافق مع (الروح). بل إنَّ الحدس عنده كان حتى في أعماله التي رسم فيها الزهور أو معلولا، يصطدمُ مع الفكرة وصولاً إلى الحقيقة، والتي غالباً ما تكون حزينة عند لؤي كيالي، سواءً كانت خاضعةً لمبدأ الجبرية أو الحتمية، لأنَّ الحقيقة أليفة/ تأتلف/ مُؤتلفة. فيما مَنْ يرسم لهم من الناس/البشر، كانوا يُقيمون معه عداءً، وهو الفنَّانُ الذي كان ينشدُ التعاطفَ الاجتماعي ويطلبُ الحنانَ لا العداءْ.
لؤي في تصويره لواقع الطبقة "السُفلى" وهذا تعبيره، إنَّما يرفع عنهم الشرَّ والبؤس والحزن باعتبار أنَّ الشرَّ هو مُحرِّكُ الحياة، أو هو الذي يسيطر ويغذِّي أفعال الصراع. طبعاً هذا لا يعني أنَّ لؤي يحملُ نظرةً سوداوية إلى الطبيعة الإنسانية؛ ولكنَّه يدفع بهم ليعتلوا واجهة الفعل الذي يولِّدُ الخير باعتبارهم مشاعله، لما فيهم من طيبة وصبر. وإلاَّ كانوا ذهبوا ليشتغلوا مع الشر بارتكابهم أعماله. لقد فضَّلوا أن يقوموا بأعمال/ أفعال هامشية؛ باعة جوالون، وغيرها من المهن، فيحافظون على صحوة عقولهم رغم قسوة الشرط الاقتصادي والسياسي الذي يحزُّهم
ويكاد يجزُّهم- يجزُّ رقابهم.
لؤي كيالي وَإِنْ لم يكتب مسرحيةً أو رواية؛ ولكن حركة شخوصه، والحالاتُ التي قبض عليها في لوحاته؛ تُظهرُ كَمْ هو مُفكِّرٌ، وكَمْ هو كاتبٌ مسرحي وروائي، وكَمْ هو مؤلفٌ موسيقيٌ ورسَّامٌ شُجاع مثل سعد الله ونوس، وياسين الحافظ، وممدوح عدوان، وصادق جلال العظم وهاني الراهب، ومحمد الماغوط، وزكريا تامر. فالمساكينُ والبؤساءُ ديدانُ الحياة؛ أبطالُ لوحاته، هُمْ من يَدفَعُهُ لأن يرسمهم/ يصوِّرهُمْ، وهم يقومون بهذه الأعمال الشاقَّة، فيزجَّهم في حمأة الصراع اليومي كصوتٍ لهم، ليُحصِّلوا قوتَهُم اليومي- حتى أولئك الذين كانوا يصرخون فينا، أو يستصرخون ضمائرنا في معرضه "في سبيل القضية 1967". إنَّما كانوا يقتلعون مخالبَ الضِباع التي تفترسُ ما بقيَ من كرامة وفروسية في الضمير الجمعي للأمَّة.
الفنان لؤي كيالي وأمامَ هذه الضربات التي تنزلُ على دماغه ظَلَّ عاقلاً، وما الجنون الذي وُصِفَ به إلاَّ كشفٌ للحجاب، ليرى ما لا يُرى. فثمَّة برقٍ يسري في روحه لينهض من موتٍ؛ من ضربات الأهل القاسية كما الزملاء والأصدقاء. فَهُمْ، وإن كانوا يرونَهُ فحماً أسوداً لا يصلح حتى لتلك النار التي تستعرُ في لوحاته، فإنَّما ليستخرجَ ذاكَ "الماس"، ويستحمَّ في ألوانه كي يُطَهِّرَ كبرياءَه.

*كاتب وناقد سوري.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.