}

"جماعة الأنبياء" ورفع الحواجز بين الفنون

أسعد عرابي 27 مايو 2019
تشكيل "جماعة الأنبياء" ورفع الحواجز بين الفنون
الجمع بين أنواع الفنون
يتحفنا متحف اللكسمبورغ بمعرض بالغ الإثارة هو الأول من نوعه لأنه يستعرض الوجوه التشكيلية والحرفية لـ"جماعة الأنبياء" أو "المتنبئون". وترجع التسمية إلى أصالتهم النظرية والرؤيوية، وجمعهم القطب بيير بونار (1867 - 1947م) وهم فويار وموريس دوني وسوريزييه وفالاتون ورانسون.
تجتمع في المعرض منتخبات، يتجاوز عددها الثمانين من لوحات وسيريغرافي (طباعة حريرية) وبارافانات ثلاثية ورباعية المصاريع، ثم السجاد والسيراميك وتصاميم أوراق الجدران وسواها، لذلك شارك في تهيئة المعرض المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية وعدد من المتاحف.
جمعتهم إذاً عبقرية بونار وحساسيته التصويرية الداخلية وتسميته لهم بـ"الأنبياء" (المتنبئون أو الرؤيويون) لأن مواهبهم كانت على مستوى فتح بوابة مستقبل الحداثة والمعاصرة، رغم أنهم في الأساس رافدون من منهل جماعة "الانطباعية" التي تعتمد بعكسهم "ديكارتية" المزج التزامني التوليفي للألوان على شبكية العين في الوقت الذي كان فيه صديق العمر بالنسبة لبونار ومؤسس الانطباعية كلود مونيه يسعى جهده ويبشّر بالتصوير في الهواء الطلق وتحليل الضوء الطبيعي في خلاء الطبيعة وكاتدرائية روان. وأقول كان بونار وربعه المذكور يناهضون فيزيائه البصرية، فكان بونار يؤمن (مثل توأمه الفيلسوف هنري برغسون) بأن قدر التصوير يقع في أصالته الداخلية، لأن العقل ينتج العلوم الوضعية بعكس الحدس (القلب لدى المتصوفة جماعة الذوق) يفيض عنه الشطح البصري - السمعي، وهو ما يسمح بتجاوز حدود الحواس وأنواع الفنون، وتقسيمها التقليدي: أي تشكيلي هو الأسمى من الحرفي (أو التطبيقي)، فالتقسيم التراتبي الذي أسسه "الأنبياء" و"جماعة الستيل" يفرق بين النخبوي (الثقافي) والاستهلاكي
الوظيفي عامة.
تعكس مادة المعرض الحرفية العودة إلى هذه الديمقراطية بين أنواع الفنون هي التي تنبش ما خفي من "خيماوية" الصناعة في العصور الوسطى والتي تنزع إلى تحويل المعادن الخسيسة (مثل القصدير) إلى معادن ثمينة (مثل الذهب)، وترسخت العقيدة الشمولية مع تأثير الفن الياباني في تلك الفترة خاصة طباعات الإستامب الشهيرة للعملاقين هوكوساي وهيروشيج، وتزامن مع هذه السطوة تأثير أفضلية اللون على الخط كما هي في التصوير التنزيهي للمنمنمات العربية - الإسلامية. وهو ما قاد هنري ماتيس إلى تأسيس أبرز تيار معاصر في باريس عام 1905م، الوحشيون أو "الوحشية"، هي صفة نقدية لاذعة تتناقض مع اعتبارهم فيما بعد من أرهف الملونين في تاريخ التصوير، لا يصل إلى أصالتهم من جماعة الأنبياء سوى بونار ملك اللون. ويكشف الثنائي الفكري (البصري والفلسفي) بونار وبرغسون عن حميمية الأماكن الذاكراتية. وتقترب حساسية الموسيقي دوبوسي والروائي بروست من هذه الحميمية أكثر من الغبطة الحسية "للانطباعية".
أخّر العنوان المسطح "الأنبياء والديكور" زيارتي للمعرض، ذلك أن الكوميسير وهي مديرة المتحف ذات الثقافة البيروقراطية تتخيل الانطباعيين مصوري مناظر والأنبياء مصوري ديكور بالمعنى المبتذل حسب ما كتبته وصرحت به. في حين أن ما رمت إليه هذه الكوكبة الطليعية هو إدخال الذائقة التشكيلية إلى الاستخدام اليومي، لنشهد بعد نصف قرن دعوة مدرسة الباوهاوس الألمانية المعتمدة على هذا التوليف الصناعي الشمولي، الذي تستقطبه العمارة الحديثة برأسها الألماني غروبيوس والفرنسي لوكوربوزييه. علينا أن ننتظر إهلالات القرن العشرين الموسومة بالحساسية اللونية الوافدة مع المستشرقين والإشراقيين في فنون النار والنور الإسلاميين مثل الزجاج المعشق والسيراميك وخاصة تصاوير المخطوطات وعلى رأسها النقشبندي بهزاد أكمل الدين، أعظم ملون موسيقي في تاريخ الفن الإسلامي. ثم وصلنا إلى الاقتصار لدى المعلم الفرنسي ماتيس على قص الأوراق الملونة ولصقها في مواقعها الطوبوغرافية الروحية مباشرة. في الوقت الذي حمل فيه "الإستامب" الياباني العقيدة الطاوية في أفضلية الفراغ على الامتلاء والمنظور العمودي وتبشير طاو منذ القرن الثاني قبل الميلاد بأن "الخط يمثل بداية الخلق". نجد أن القرنين الخامس والسادس عشر يؤكد بهزاد بشارتهما بأن "اللون هو بداية الخلق" وحمل هذه السلطة الروحية للون تلامذته في آسيا الوسطى والهند، فاحتل شيخ زاده أبرزهم محترفات بلاط الإمبراطور حيدر دوغلات في ديار الهند المسلمة. ومثلما أعطت الحضارة العربية الإسلامية لمغول الهند استمدت من العقائد الهندوسية ثنائية الفناء والبقاء، الوجود والعدم، قبل أن تتصدى فلسفة ابن عربي لإعادة معالجة هذه الثنائيات
بشمولية كونية، ترفع الحدود بين "الحق والخلق" في "وحدة وجود" تنأى عن التكفير وتصبو إلى الحب الذي يؤاخي بين شتى ألوان الأسود والأبيض، لأن تقزّح النور في العرفانية البصرية يملك رموزاً صوفية، لذلك نرى في تصور ابن عربي أن هناك وجوداً في العدم يسميه "الكمون"، فشهادة الحضور تشمل حتى الغائب لأنه في حالة كمون لا تكشفها إلا عملية التجلي. وكان الأحرى بالسيدة كوميسير (مفوض) المعرض أن تتنبه إلى أهمية البعد الروحي الذاكراتي لدى هؤلاء في تقدمهم على عصرهم ومبادرتهم بالتبشير بالعلاقة بين التصوير والموسيقى بمعزل عن الدين والأدب، ولعل أبرز منظريهم كان سيروزييه بمقولته الشهيرة: "لا تتعدى اللوحة مجموعة ألوان وخطوط مرتبة ضمن نسق خاص" وهو ما هدى كاندينسكي عام 1908م إلى التجريد.

هؤلاء الفنانون العرب المصابون بعمى الألوان
لعلّ أبرز ما تتسم به نورانية الصناعة (بمعنى الفن) العربي الإسلامي، هو ما يُدعى مجازاً بالمشكاة اللونية أو القزحية، ومثالها اللعبة الشائعة شعبياً من شظايا المرايا المتقابلة (الكاليودوسكوب) في الرقش. ثم الاعتماد في عمارة البرك على جمالية الانعكاس والمرآة اللونية، كما هي منعكسات بغداد (سيراميك حي الكاظمية) في نهر دجلة ومنعكسات الفسيفساء المزجج في مياه ميضآت وبحرات الجامع الأموي الكبير في دمشق. ومثلها في عاصي حماة وخضرته الفردوسية السندسية، تتراوح الرموز الثلاثة الأحمر والأصفر والأزرق بين شتى الدلالات والرموز المعراجية، بما فيها حمرة خمريات أبو نواس وابن الفارض. ونوادر الأول مع هارون الرشيد الذي ضبطه ذات مرة وهو يحمل زجاجة خمر مدعياً بأنها ملآى حليب، لكن الأبيض انقلب إلى أحمر خجلاً من سطوة الخليفة! ودعونا نحلق مع السيوطي في "الطبقات" حين يعرّف الوجد بأنه "كمن يسلم نفسه إلى زرقة المحيط ثم لا يرجو من غرقه نجاةً". واليوم يصدح المنشد أحمد التوني بقوله: "واللون سر مناجاته". وإذا كنا نتحدث عن التراث البصري فهو متمثل في التشبع اللوني لدرجة "السينيتيك" الصباغي، بعكس بعض الحفارين الذين أصيبت لوحاتهم بفقر أوكسجين اللون، عندما تحولوا إلى التصوير، وكما هو شأن بعض النقاد الوافدين من مساحة الأدب (المحروم من اللون) وخاصة الشعراء الذين يمارسون النقد في أوقات فراغهم، تعاف ذائقتهم "الغزنوية" نفح طيب الألوان، وما تشتهي الأنفس والريحان من التركواز والعقيق واللازوردي والنيلي وأصفر الجاد أو البركاني أو المرجاني أو الزمردي ومقابله البرتقالي الشاحب والحميم وفق تقاليد الإمبراطورية المغولية. يخلط هؤلاء بين الألوان الاستهلاكية في سياحة حي المونمارتر والألوان الروحية ذات المقامات والمحطات والمجاهدات والشجن الوجداني -الوجودي- الوجدي كما هو شطح "السماعي" المشرقي.
إن عيب المعرض أنه يؤكد على المراحل التمهيدية (القريبة من زخارف الآرنوفو) أو بالأحرى قبل أن يتوصل مع كوبكا وماتيس إلى الألوان المطلقة كما ورثناها عن بدائع بهزاد وسواه في مقصوصات ماتيس وبارافانات بونار.
يقع زمان العرض ما بين منتصف مارس آذار/ مارس، وأواخر حزيران/ يونيو من العام الراهن 2019م.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.