}

مسرحية "تانغو".. حتى لا نقعَ في جبريةِ المُعتقد اللاهوتي

أنور محمد 6 ديسمبر 2019
مسرح مسرحية "تانغو".. حتى لا نقعَ في جبريةِ المُعتقد اللاهوتي
لقطة من مسرحية "تانغو"
عمقٌ أسود سوى من كرسيين وسجادة صلاة، وبعض الحوائج في قاعة "عبدالمعين الملوحي" في دار الثقافة بحمص، ومنبعٌ ضوئي يناسب حجرةً خَرِبَة، وفتاتان لا تفارقان مكانهما ما بين يمين الخشبة ويسارها، ورائحة بخور يداوي روح "ليلى" التي تصلي وتنتظر تأشيرة سفر إلى ألمانيا لتلتحقَ بزوجها أبو أنس بائع الغاز وضرَّتها، والذي بكبسة زر تحوَّل إلى داعية، وباني أكبر مسجد في ألمانيا بل وأوروبا، وهو الذي لا يكاد يحفظ سورة الفاتحة، بل كان يتسلى بتقطيع أوصال العصافير وهي على قيد الحياة، فيفقأ عينيها ويقص جناحيها، فيما صديقتها "ريتا" تمارس الرقص على إيقاع أنغام موسيقى "التانغو"، موسيقى لو تستطيع ليلى لأعدمتها لأنَّ سماعها حرامٌ حرام، حسبَ شيخها "العلامة الدكتور ذاكر الفاتح عبد الباري محمد بن مسيلمة الارتناوي" الذي حرَّم شرب الماء في الكأس الزجاجي فيما حلَّله بـ"الطاسة" المعدنية، وهذا في رأي ليلى إنجازٌ وفتحٌ مهم. فمن خلال (فيديوهاته) صار يركِّع الغرب بحججه القوية، بل إنَّ نصف أوروبا غيَّروا دياناتهم بسببه، وبحلول العام 2050 سيصبح غالبية سكَّان أوروبا مسلمين!!!
الفكرة للمخرج ياسر دريباتي، ومن تمثيل نيرمين علي، وريهام التزه، ومتابعة درامية من شيرين عيسى. الديكور والإعلان لنعمان عيسى، والمؤثِّرات الموسيقية لمروان دريباتي، والإضاءة والصوت لعلي يونس.
يحاول المخرج أن يشيلنا فلا نقع في جبرية المعتقد اللاهوتي، ونذهب بأيدينا إلى الرق بسلاسل لا مرئية، ومن ثمَّ نلفَّها حول أعناقنا فلا نعيش إنسانيتنا. ياسر دريباتي ضدَّ لحظة السلب هذه،
 فنرى ريتا (نيرمين علي) تكافح، تقوِّي صراعها مع الجهل والغباء؛ مع ليلى (ريهام التزه)، ومع زوجها نجيد، الطبيب الجرَّاح الماركسي راقص التانغو الجميل الذي فتح لريتا مدرسةً للرقص، وزيَّنَ البيت بلوحات الرسم، ثمَّ إذا به يتحوَّل هو الآخر إلى نصف داعية؛ حفَّار قبور ومتعهِّد دفن أموات الحرب السورية، الذي هربت منه ريتا بعد أن حوَّل الحياة معها إلى جحيم؛ إلى مقبرة وأكفان موتى، وصار يضربها ويشتمها، بعد أن كان يراقصها رقصة التانغو، واختبأت في هذه الحجرة المدمَّرة؛ ذلك حتى لا تقع القطيعة مع الوجود. كلا الزوجين، أبو أنس، الجاهل بائع الغاز، ونجيد المتعلِّم الطبيب اليساري، اصطادتهما الحرب. فإذا كان زوج ليلى يستدعي العبودية في سورية، ومن ثمَّ في هروبه، وليس لجوئه إلى ألمانيا، فإنَّ زوج ريتا الذي يعوَّل عليه أن يستدعي الحريَّة بصفته أنا مُفكِّرة واعية هو الآخر صار ضحيتها؛ بل صار مستثمراً لها. لقد قتلَ الصورةَ الحيَّة للإنسان العلماني/ القدوة. الممثلة نيرمين علي كانت تلعب دورها وهي تروي عن مأساتها معه زوجاً، لعباً حيَّاً، وهي مُحاطة بأرواح السوريين، أرواح وأجساد الذين آثروا البقاء لتصطادهم قذائف وصواريخ وجرار غاز الموت. ياسر دريباتي اشتغل هنا على المعرفة الحدسية لريتا، وفرجانا إدراكها العقلاني للمأساة السورية. ريتا وإن كانت تسخر وهي تكزُّ على أسنانها كراقصة "تانغو" من غباء ليلى، فهي الراقصة، وليست الرقَّاصة التي تجسِّد ما بقي من الضمير السوري: الوعي بالمأساة، وحالة التأمُّل العميق لما يمكن فعله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فريتا - نيرمين علي؛ كانت مستقوية بهذه الأرواح، فلا نخاف من الشرِّ الذي وقع، كانت تُفرِّق بين التضاد العقلي والانفعالي، فلا ننفعل. كانت تُقيم محاكمة عقلانية، وهذا ما سعى إلى تحقيقه المخرج ياسر دريباتي. ريتا تدافع بوعيٍ عن (وعيها) بالمأساة، بالحجَّة والبرهان، لأنَّ الإنسان هو من يخلق الحريَّة؛ يُوجِدُها، يصنعها.
مأساة ريتا هي نفس مأساة ليلى، مأساة السوريين الذين أحرقت الحرب أحلامهم، مأساةُ امرأةٍ خانها زوجها خيانة فكرية، فلعبت علينا، أو هو لعبُ المُخرج ياسر دريباتي، فنبقى مع نيرمين
 علي، وريهام التزه، اللتين ورطتانا في بُنى لغوية، وبُنى تمثيلية، لصياغة (معنى) لانفجارات روحيهما - روح السوريين، ريتا الفتاة القويَّة وهي تمارس نشاطاً حسيَّاً يكشف عن إدراكها المعرفي لخبايا حربٍ صارت (ضبعاً) كاسراً، وهي تُقلِّبُ وتتقلَّبُ ناشرةً ردَّ الفعل النفسي الجسدي، فنرى ظواهر عضلية وحركية لذراعيها وسيقانها ورأسها تتمدَّد وتتقلَّص لترسم مشهداً حسيَّاً يمارس تأثيره على أعصابنا كمتفرجين. حربٌ ضبعٌ، ومُخرجٌ - ياسر دريباتي يذهبُ من السكون إلى الحركة بقفزاتٍ صاعدة ما بين الانبهار والإظلام، فالأعداء مُنتشون، مُرتعشون، ويُثْرون من الحرب، وكأنَّها قد أضحت ظاهرةً فيزيائية، وبُنية بيولوجية، وضرورة لكل سوري. أولئك الذين بقوا ولم يهاجروا، كما أولئك الذين رحلوا. ياسر دريباتي في إرساله إشارات الحرب من خلال الممثلتين نيرمين وريهام، نَزعَ القشرة/ العفن عن الصدَعِ النفسي للسوري الذي بقيَ والذي رحلْ، فليلى التي تنتظرُ تأشيرة السفر من زوجها أبو مؤنس كان يكذب عليها، لقد كان يمارس معها الجنس عبر الجوال الذي أرسل لها ثمنه من ألمانيا، لأنَّ ألمانيا كما أفهمتها ريتا لا تسمح بتعدد الزوجات.
الممثلتان، وإن كان خطابهما المُجَسَّدُ عاقلاً - كلُّ حركةٍ على الخشبة محسوبة بدقَّة، فإنَّهما كانتا توازنان في اللعب، وهما تنتقلان من الحركة الكامنة إلى الحركة المُقاوِمة. فنيرمين يُزعجُها زعيقُ (زمور) السيارتين المتقابلتين في الشارع؛ السيارتان المتناحرتان/ السائقان المتناحران اللذان لا يزيحُ أيٌّ منهما للآخر كي يمر. أطراف متناحرة؛ تتناحر، تنحر سورية ليمرَّ (الموت) وليس الحياة. نيرمين ربَّما لطبيعة دورها كانت أكثر إلماماً بجسدها وعلاقته مع جسد الآخر- جسد راقصة التانغو، وهي تلعب بإدراكٍ حسِّي تبادلي لتحقِّقَ الانسجام مع هذا الآخر الذي هو (العقل). أين هو العقل في هذه الحرب؟ ولماذا يبقى الجسد، جسد راقصة التانغو، في حالة جفلة واختلاج ولا نشوة ولا ذروة؟ ولا يُدافَعُ عن جسدها؟؟؟


*ناقد مسرحي سوري.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.