}

ذكرى يوجين يونسكو.. عبث الوجود

نزار السهلي نزار السهلي 26 نوفمبر 2019
مسرح ذكرى يوجين يونسكو.. عبث الوجود
الكاتب الروماني الفرنسي يوجين يونسكو(11/10/1987/Getty)
في نوفمبر، تمر ذكرى ولادة المؤلف المسرحي والقاص يوجين يونسكو (1909- 1994)، أو ولادة مسرح العبث واللامعقول، أو غير المتناسق، الذي كان  بالنسبة ليونسكو لا علاقة له بإثارة المفهوم الفلسفي الموروث من "سورين كيركيجارد 1813-1855"، الذي شق طريقه إلى الضمائر الوجودية في بداية القرن التاسع عشر، فالعبث حسب تعريف يونسكو: يولد من أكثر المواقف تفاهة، والأكثر طبيعية، إنه دهشة العجائب، أمام الحياة اليومية، وتفاهة الوجود.
التزم مسرح يونسكو بعدم الالتزام، لأن الفن في رأيه: تصوير للخالد واللامرئي في حياة الإنسان، وفن يونسكو يكمن بإيصال الحقيقة بشكل مباشر وواضح، مجسمة للنزاعات البشرية المتسلطة في حياة الإنسان اليومية، فكان مسرحه مسرح اليأس، وعدم الرضى "كون الوجود لا يطاق، وليس له مبرر، ولا يمكن احتماله".
شكل مسرحه شهادة على مجتمع في حالة تحلل مستمر، وعكست بدقة وضع الحضارة الغربية نهاية القرن التاسع عشر، حتى منتصف القرن الماضي، من الفراغ واليأس وموت القيم، فكانت شخصياته تعج بالمرارة واللامبالاة، وكل ما تقوله لا يعدو مجموعة من الكلمات الميتة والفارغة. ولقد حاول تحرير المسرح من وظيفته المباشرة، وتكريس مسرحيات مكتملة بذاتها. إن عبثه نتاج قناعة بأننا نعيش في عالم تحكمه الفوضى، عالم سيقودنا إلى العدم، لهذا فقد

تعامل مع الحياة باستخفاف وانغلق في دائرة الميتافيزيقيا، التي تزدري التاريخ وتنفيه، ومسرح يونسكو ميتافزيقي، لأنه يعرض الوجود بوصفه شيئاً بلا سبب في وجوده، ولا تبرير لكثرته.
عالمه يخضع في النهاية للتشكك، وكل عبارة تناقضها أخرى، هو عالم الرعب والسحق وضعف الإنسان بأفكاره وغرائزه.
اعتمد مسرح العبث عند يونسكو على خطوط أساسية أرسلتها شخصياته على شكل رصاص، لتندمج القوالب النمطية في نهاية المطاف بصرخات من السخرية والهزل، والحُلم وحرية الإنسان إلى اللغة واللامعقول، فكانت على الوجه التالي:
السخرية: نقد لتقليدية التفكير من زاوية تحطيم الروابط المألوفة بين الأشياء، وفضح لتفاهة قيم ومعتقدات سائدة، والهزل يقدم فيه مسرحه صورة أقل مما يعتقد المشاهد، أو المتفرج، أنه صورته الحقيقية في الحياة، فبينما يضع المسرح الجاد الإنسان في قالب معين، فإن الهزل يعطي صبغة إنسانية إلى حد ما، وينبع ضحك المشاهد ومتعته من فشل هذه الأشياء في تقليد الحياة.
الحلم: يعطي الحلم بالنسبة لمسرح يونسكو حقائق لا تقل أهمية عن معطيات الواقع، وما نراه في الحلم لا يبدو مستحيلاً إلا عندما نصحو منه ونحكم عليه بمنطقنا المحدود والسابق، وبذلك نهمل هذه الرموز، وفي ذلك خسارة للفن والأدب، وخسارة للإنسان. وعليه، لم يجتهد يونسكو لنقل الواقع إلى المسرح حرفياً، لأن الحقيقة المتخيلة أكثر عمقاً بالمعنى، والحقيقة التي في الأحلام أكبر من تلك التي في وقائع الحياة. لذلك يستخدم الحلم، لا ليكشف عن عالم آخر، بل ليبرز لنا العالم الذي نحيا فيه.
حرية الإنسان: آمن يونسكو بحق الإنسان المطلق بالسؤال عن حقيقته وموقعه من الوجود، لذلك هو كتب دون معرفة النتائج، ودون أية أفكار مسبقة. لذلك كان يَتهم النقاد ـ نقادهُ - بأنهم يواجهون حريته بأفكار مسبقة، وعندما لا يجدون فيها شيئاً يصابون بخيبة أمل.
اللغة: لكي يثبت لا واقعية اللغة لجأ يونسكو إلى تفخيم التفاهة، والكلام البذيء العام، في مسرحه، وله مقاصد: للنقد الاجتماعي والفلسفي، ولتوجيه هجماته ضد الطبقة البرجوازية التي تقبل الراحة الزائفة التي يولدها المنطق العقلي، ويصبح الإنسان تحت رحمتها من دون قيمة، ذا معايير جامدة في العواطف والأفكار. حطم يونسكو اللغة تحطيماً، وأضاف إليها أبعاداً ومكونات جديدة أهمها الصمت الذي هو جزء من الحوار المحتفظ بسخريته اللاذعة، وحماسة الدفاع عن مسرح العبث.
اللامعقول: الحياة والموت عند يونسكو كلاهما لا معقول، فالدراما الحقيقية هي دراما الفرد، وكل فرد يمر بصراعات هذه الدراما وحده، وكل فرد عبارة عن عالم تعبث به التناقضات التي لا مبرر لها بين ثقل الأشياء وثقل الضمير الإنساني، وبموت كل فرد تمتزج الأشياء والضمير ويختفيان معه تماماً.

فكرة الموت عند يونسكو
في سلسلة مقابلات أجراها يونسكو مع الناقد الأدبي الفرنسي كلود بونفوي "Claude Bonnefoy"، وجمعت في كتاب "بين الحياة والحلم" 1977، تحدث عن الموت والأحلام

والحياة.
شغل الموت يونسكو طويلاً، لا لأنه فظيع في حد ذاته، بل لأنه يجعل الحياة التي سبقته عبثاً وسخفاً، فالموت هو المشكلة الكبرى التي واجهت الإنسان منذ بدء الخليقة، وهو يمثل الموضوع الأزلي، منذ ما قبل وجود الأدب، وحتى الآن، والذي يتردد في سائر الطقوس والشعائر والفنون عند كافة الشعوب.
وعى يونسكو الموت مبكراً، وعرف أن الموت نهاية كل إنسان، وأنه إلى زوال، لذلك بقي موضوع الموت شاغله وقال فيه: "خلقنا لنكون خالدين، ومع ذلك نموت".


يوجين يونسكو:
وُلد في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1909 في رومانيا، لأب روماني، وأم فرنسية جاءت به إلى فرنسا ليتعلم لغتها ويعود إلى رومانيا ويلتحق بجامعة بوخارست، فدرس الشعر الرمزي، ودرس الفرنسية في بلده، ومارس النقد الأدبي. حصل في العام 1938 على منحة لدراسة الشعر في باريس، وبقي فيها حتى وفاته في العام 1994. انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية 1970. صدرت أعماله الكاملة في حياته عن دار لابلياد la pleiade  الفرنسية 1991. أبرز مسرحياته: المغنية الصلعاء (1950)، التحيات (1950)، الدرس (1951)، معرض السيارات (1951)، الكراسي (1952)، القائد (1953)، ضحايا الواجب (1953)، فتاة للزواج (1953)، أميديه، أو كيف تتخلص منه (1954)، جاك أو الامتثال (1955)، المستأجر الجديد (1955)، اللوحة (1955)، القاتل (1958)، مشاجرة رباعية (1959)، الخراتيت (1959)، تعلم المشي (1960)، السير في الهواء (1962)، الجوع والعطش (1964)، ذوو الحقائب (1977)، زيارة الموتى (1980).

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.