}

أفلام الحرب في السينما المصرية.. (دُشَمٌ) من الأسئلة

محمد جميل خضر 12 نوفمبر 2019
سينما أفلام الحرب في السينما المصرية.. (دُشَمٌ) من الأسئلة
ملصق فيلم "الممر"

"أبكي.. أنزف.. أموت، وتعيشي يا ضحكة مصر.. وتعيش يا نيل يا طيب.. وتعيش يا نسيم العصر.. وتعيش يا قمر المارد.. وتعيش يا شجر التوت.. أبكي.. أنزف.. أموت.. وتعيشي يا ضحكة مصر.. وتلاميذ المدارس والنورجي اللي دارس، والعسكري اللي دايس عا الصعب عشان النصر.. يا مراكب يا صواري يا شوارع يا حواري يا مزارع يا صوامع يا مصانع يا مطابع يا مينا يا كباري يا منادر يا بنادر يا منازل يا بيوت.. أبكي.. أنزف.. أموت وتعيشي يا ضحكة مصر".
بما يشبه القفلة المفتوحة على الشجن، وعلى الأسئلة، وبأصوات الناس كل الناس، خصوصاً الذين يحفرون الأرض منهم، ويستنطقون الصخر والصلب والأعماق، يصدحون بكلمات الأغنية التي حبّرها بروحه عبدالرحمن الأبنودي، ولحّنها بإحساسه، حسن شتات، ينتهي الفيلم المصري "أغنية على الممر" (1972)، من إخراج علي عبدالخالق، وسيناريو مصطفى محرم، عن مسرحية للكاتب علي سالم.
أما الشجن، فهو هذا الحداء الطالع من روح الفيلم، وهذه الترنيمة المستحيلة من موسيقى الصفير والعبق وترويد الأصوات الجماعية، وانحياز مخرج الشريط للجمال غناءً وإيقاعاً وجمهرة صور مغروسة في أمكنة قليلة على امتداد الفيلم، ولكنها منتجة ببراعة للأثر الملتصق برسائله.
وأما الأسئلة فهي التي فتحها على مصراعيها "أغنية على الممر"، ولم تنته عنده، فامتدت لـ"الرصاصة لا تزال في جيبي" (1974)، و"أبناء الصمت" (1974)، و"حكايات الغريب" (1992)، و"العمر لحظة" (1978)، و"الوفاء العظيم" (1974)، و"حائط البطولات" (1998)، و"يوم الكرامة" (2004)، و"كتيبة الإعدام" (1989)، و"أسد سيناء" (2016)، و"الطريق إلى إيلات" (1993)، و"حتى آخر العمر" (1975)، و"الكتيبة 418" (2015)، وحتى "بدور" الذي تُقْحم فيه حرب أكتوبر 1973 إقحاماً، وأخيراً وليس آخراً فيلم "الممر" (2019) المتقاطع مع "أغنية على الممر" بمسألة رفض الهزيمة، وكبرياء الجندي على جبهة الاندحار، وصولاً لأفلام تبدّل فيها العدو من العدو الصهيوني، أو بأضعف الإيمان (الإسرائيلي)، ليصبح العدو هو الإرهاب، مثل الفيلم التلفزيوني الدعائي شبه الوثائقي "حراس الوطن" (2017)، وكذلك فيلم "المصلحة"، وإن ببعض الاختلافات في التفاصيل، وفيلم "الخلية"، و"جواب اعتقال"، وغيرها.
أسئلة من مثل ما الغاية النهائية التي أرادها المخرج من فيلم "أبناء الصمت" على سبيل المثال؟ أو لماذا اختار "الرصاصة لا تزال في جيبي" النهاية التي اختارها؟ أو إلى ماذا ترمز شخصية عبدالرحمن أو الغريب (محمود الجندي) في فيلم "حكايات الغريب"؟
إلا أن السؤال الأكثر خطورة في رأيي الشخصي هو هل سعت بعض الأفلام المصرية التي

دارت أحداثها حول الصراع مع العدو الصهيوني على وجه العموم، وحرب أكتوبر، على وجه الخصوص، إلى إيصال رسالة (ولو باطنية) للشعب المصري، أنّ حصتنا من الحروب والدمار والويلات انتهت؟ وأن (شعبنا) بات بأمس الحاجة إلى قليل من الهدوء والالتفات لمشاغل الحياة الأخرى، من رفاه وعمل ورزق واستثمار وسهر (وحشيش) ومتع وأكل وشرب و(انبساط)؟
هل فرد مساحة طويلة في فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي"، بل وطويلة جداً لمشاهد عبور القناة وتحريرها، واقتحام خط بارليف، وقتل وأسر وجرح آلاف الجنود الإسرائيليين، وتدمير مئات الدبابات والآليات (وبما استغرق تقريباً الربع الأخير من الفيلم الذي أخرجه حسام الدين مصطفى عن قصة لإحسان عبد القدوس)؟ هل كل هذا التضخيم ليقول الفيلم لـ(الجماهير) ها قد أخذنا حصتنا من النصر، وعلى أحسن ما يكون النصر، تماماً كما أخذنا حصتنا من الهزيمة، وأصبحنا متعادلين، والجيش المصري يعطيه ألف عافية، ومن له ثأر عند (الإسرائيلي) فليأخذه كما فعلنا نحن، أما بالنسبة لنا، فقد انتهى صراعنا مع عبور خط بارليف؟ هل يمكن أن تكون رسالة الفيلم هذه هي فعلاً؟ قد تحمل التطورات السياسية بعد العام 1973، في مصر، بعض الإجابة، وربما كلها؟ ترتيبات هدنة وقوات دولية وصولاً لاتفاقية كامب ديفيد في العام 1977، أي بعد أقل من أربعة أعوام على انتهاء الحرب؟
وهي النهاية المتطابقة تقريباً مع نهاية فيلم "أبناء الصمت"، من إخراج محمد راضي، عن نص مجيد طوبيا، وخصوصاً التركيز على لحظة غرس العلم المصري مكان (الإسرائيلي) على الضفة الأخرى التي كانت محتلة من القناة.
ثمة أسئلة تتعلق بتغييب البعد الأعمق للصراع العربي الإسرائيلي ألا وهو قضية فلسطين واحتلالها من الصهاينة. فمعظم الأفلام المشار إليها أعلاه باستثناء "الطريق إلى إيلات" من إخراج إنعام محمد علي عن سيناريو وحوار لفايز غالي، تقصر مادتها الحكائية وساحة أحداثة ومساحة صراعها على مصر ومناطقها المحتلة أو المستهدفة من قبل (الإسرائيليين)، حيث امتنعت بعض الأفلام حتى عن وضع كلمة العدو قبل كلمة الإسرائيلي.
ثمة أسئلة تتعلق بلماذا تجنبت معظم هذه الأفلام تحميل جهات بعينها المسؤولية الواضحة والموثقة عن هزيمة حزيران/ يونيو 1967؟ في فيلم "أغنية على الممر"، على سبيل المثال، ينتهي الفيلم دون أن يعرف المشاهد من يتحمل مسؤولية تعطل شارة الإرسال والتواصل بين المحاصرين في الممر وقيادتهم؟ ودون أن يعاين المخرج أسباب كل هذا الإحساس بالضياع عند جنود متعلمين مثقفين يحرسون الثغور، ومناطة بهم مهام قومية كبرى، من طراز حماية الوطن، ومنع تقدم العدو، وعدم السماح بحدوث ثغرة من جهتهم، وما إلى ذلك؟
هناك أسئلة أخرى من نوع لماذا حظيت بعض أفلام الحرب في السينما المصرية بدعم سخي إلى أبعد الحدود من الجهات الرسمية، ومن القوات المسلحة ("الرصاصة لا تزال في جيبي" نموذجاً)، وأفلام أخرى منعت من العرض، كما حصل مع فيلم "حائط البطولات"، من إخراج حسين السيد، الذي يتناول دور قوات الدفاع الجوي، وعملية بناء حائط الصواريخ؟ والسبب الحقيقي وراء منع الفيلم. بحسب الناقدة السينمائية، ماجدة خير الله، هو تجسيد المنتج المنفّذ للفيلم، عادل حسني، دور حسني مبارك، رغم كونه "لا يشبهه، وليست لديه موهبة فنية"، ما جعل قادة القوات المسلحة يمنعونه خوفاً من إثارة غضب الرئيس مبارك.
لكن ماذا لو كانت هناك أسباب أخرى؟ ومن يتحمل الخسائر الكبيرة التي خسرتها معظم أفلام الحرب في السينما المصرية؟ فشريط "العمر لحظة"، إخراج محمد راضي، عن نص ليوسف

السباعي، تعرض لخسارة سببها مقاطعة العالم العربي وقت إنتاج الفيلم (1978) لمصر بسبب زيارة السادات للقدس المحتلة، وتوقيعه اتفاقية سلام مع (إسرائيل). ولماذا تزيد احتماليات خسارة هذا النوع من الأفلام قياساً مع غيرها؟
ثم لماذا في فيلم "الممر" يناط دور الضابط الإسرائيلي بممثل من أصل فلسطيني (إياد نصار)، ويجعلونه يتحدث العربية الآتية من اللهجة الفلسطينية؟ (قد أكون مخطئاً عندما شعرت أن الأمر إساءة شخصية لي، ولكن هذا ما حدث معي)، فهل لما شعرتُ به بعض المبررات بطريقة عرض الفيلم، وتطوّر أحداثه، والتباس هويات شخوصه الوجدانية المرجعية، باستثناء من أدّوا الأدوار الصعيدية، والتباس مرجعياتهم المعرفية القيمية، واقتصار الأمر كله على رغبتهم بالثأر ممن هزمهم وأهانهم ومرّغ بهم، حتى أثناء انسحابهم، التراب (تراب أرضهم)؟

 

"حكايات الغريب" ضوء يقين في بحر الشك
سط كل هذا الالتباس والشك حول دوافع السينما المصرية عند إنتاجها أفلاماً حربية، أو حول الحرب والصراع العربي الإسرائيلي عموماً، يطلع فيلم "حكايات الغريب"، إخراج إنعام محمد علي، عن قصة لجمال الغيطاني (سيناريو وحوار: محمد حلمي هلال)، كبارق من ضوء ومعنى وجودة سينمائية بصرية من جهة، ودلالية من جهة أخرى. مستفيدة بما حققته علي لحظة إخراجها للفيلم من خبرة سينمائية وثقافة معرفية حول الفن السابع، وهي الخبرة التي عززتها بعد ذلك بعام واحد في شريط "الطريق إلى إيلات"، الذي حمل تشويقاً وحساسية تفاعلية تنبض بوهج عروبي، وإن اعترى الفيلم بعض الهنات يتعلق بعضها بعدم إتقان اللهجات العربية التي شارك أبطال منها في الفيلم (اللهجات الفلسطينية والأردنية والعراقية). كما أن مشهد تلقيم المتفجرات في فيلم إيلات جاء ضعيفاً بشكل ملحوظ.
نعود للفيلم الأيقونة "حكايات الغريب"، الذي من ضمن أسباب نجاحه عدم اتكائه على أسماء لامعة في السينما المصرية، وعدم لعب النجوم المكرسين ذلك الوقت أدواراً فيه، فشريف منير، ومحمود الجندي، ومحمد منير، وحسين الإمام، لم يكونوا وقتها بلغوا نجومية حسين فهمي، ونور الشريف، ومحمود ياسين (الذي احتكر تقريباً معظم أفلام الحرب في السينما المصرية)، وميرفت أمين، ونجلاء فتحي، وقائمة تطول. حتى أن البطولة النسائية أسندت للفنانة نهلة رأفت، المعتزلة منذ عقدين على الأقل، وغير المعروفة إلى حد بعيد عند جمهرة المشاهدين.
مستفيدة من كل هذا وذاك، تنجز المخرجة واحداً من تجليات الفيلم الذي صُور في الإسماعيلية، ومدن مصرية لها رمزية، مصعّدة التشويق، ورافعةً رتم الإيقاع، منطلقةً من بداية عادية، وصولاً إلى تكريس السائق عبدالرحمن محمود عبد الرحمن (محمود الجندي) السلبي في مستهل الفيلم، ضعيف الحال، المنتهكة حقوقه، الممنوع عليه حتى أن ينال المرأة التي يحبها وتحبه، بوصفه بطلاً تراجيديّاً أسطوريّاً، وتحويله إلى معنى، وليس مجرد شخصية، معنى يرمز لكل إنسان مقاوم، ولكل وفدائيٍّ وفلاح وعامل، ولكل مصري في الحضر والريف والصعيد

وقبلي وبحري، وفي النجعات المنسية. عبد الرحمن، أو العريف حسن، أو الغريب، أو خلف، أو عواد، بطل ميدان الأربعين، أو أشرف الذي ضرب الدبابة الرابضة عند سينما رويال، أو حتى السائق عبدالعزيز (الاسم الحقيقي للشخصية الحقيقية التي يسرد الفيلم قصتها، ويعمل موزعاً للصحف والمجلات قبل أن تختفي آثاره بعد أن وصل السويس بتاريخ 23 أكتوبر 1973). وسواء كان من السويس، أو من الصعيد، أو بحري أو قبلي، أو الفلاحين، فقد تحوّل في وعي الناس، أو في لا وعيهم، وفي فضاء أحلامهم ومجسّات حدوسهم، إلى بطل ومعنى ورمزية باسقة الحضور. وإلى ما هو أكثر من مجرد إنسانٍ عاديٍّ من لحم ودم قد يعتريه الضعف، أو يصيبه الوهن، أو يداهمه المرض، أو يسكنه الخوف، أو تعيقه المعيقات التي قد تعيق أي إنسان آخر، كأن يتأخر في قضاء حاجته، على سبيل المثال، فلا يلحق قطار الساعة (ستة). أراده الوعي الشعبي الجمعي المناهض لأي هزيمة الرافض لأي خنوع، أرادوه (هم) جميعهم. استعارتهم الممكنة التي لو وضعوها في أي محل من محلات ردع القوة الغاشمة، فهو/ هم/ الرمز الذي يشكّله لن يخيّب ظنهم، ولن يتعثر رميه، أو يسقط سلاحه، أو تنفد ذخيرته.
ولهذا حملت تفاصيل البحث عنه في مشاهد الفيلم الأخيرة مظهر الالتفاف الشعبي الحاشد حول الشاحنة التي اعتلتها خطيبته جميلة (نهلة رأفت)، وصديقه وشقيق خطيبته (شريف منير)، وصديقهم سيّد (محمد منير)، ومدير شؤون الموظفين (محمود محجوب)، الذي حضر بهدف البحث عن عهدة الرجل (سيارة وأشياء أخرى)، وتحولت مسيرة البحث إلى استفتاء شعبي يدلي كل مواطن فيه بدلوه في أكثر مشاهد الفيلم بلاغة وتصعيداً عاطفياً وجدانياً ومشاعر وطنية، وصولاً إلى تتويج طايل المصري، مدير شؤون الموظفين، هذه الوجدانية حول الشخصية الرمزية، بكتابته تقريراً غير تقليديّ حول حادثة اختفاء السائق عبدالرحمن/ عبدالعزيز. وبعد أن يبدأ التقرير بعدم العثور لا على السائق، ولا على أي من عهدته، يكتب قائلاً: "وأقرر على مسؤوليتي أن السائق عبدالرحمن، أو أياً كان اسمه، قد منحنا شرفاً أرجو أن نستحقه".
في إدانة، مضمرة، على ما يبدو، لما قام به النظام المصري بعد ذلك من استهتار بهذا الحجم المهول من التضحيات، ومن عبثٍ حول معنى فلسطين، وبلاغة دلالتها داخل أفئدة الشعب المصريّ، ووعيهم الجمعيّ.
أجادت إنعام محمد علي استخدام الموسيقى داخل صيرورة الفيلم، وفي توظيف آلة السمسمية المنتشرة في المدن البحرية، خصوصاً مدن البحر الأحمر، توظيفاً عابقاً بالشجن والروحانية الباهرة. وكما تجلى عبدالرحمن بوصفه أسطورة شعبية، فإن سيّد (محمد منير) تحرّك وصال وجال ورقص وغنّى بوصفه صوت الناس وخزّانهم المتفجّر، رقصاً وغناء ومواجهة للموت برشاقة الحياة وهدير إيقاعها.
في غمرة استذكار حرب أكتوبر بحسب النسخة المصرية، وتشرين حسب النسخة السورية، واحتفال المحتفلين بمرور 46 عاماً على (انتصارات هذه الحرب)، وبعد أن نشير إلى أن السينما السورية لم تقدم شيئاً يذكر (بضعة مسلسلات وفيلمين تلفزيونيين فقط لا غير)، حول (حرب الغفران) بحسب النسخة الصهيونية، قياساً مع ما قدمته السينما المصرية، فإن ما يثير الانتباه حقيقة، هو أن السينما العربية والدراما العربية، على وجه العموم (مسرح وسينما وتلفزيون)، أدارت ظهرها لموضوع الصراع مع الصهاينة، مركّزة جلّ جهدها هذه الأيام على ثيمة الإرهاب الذي هو للمصادفة البحتة إرهاب إسلامي في مختلف أشكال ومستويات وقيم تناوله عربياً، قبل أن نتهم الغرب وحده بتجيير الإرهاب جميعه لحسابنا.
بقي أن نقول أخيراً إن دُشَماً وعرةَ الدروب من الأسئلة المفصلية الكبرى، يفرضها شكل تعاطي السينما المصرية مع أفلام الحروب العربية الإسرائيلية، رغم الأهمية المتعلقة بأن معظم هذه الأفلام استندت إلى قصص واقعية/ حقيقية، وأن أبطالها أشخاص حقيقيون حفروا بطولاتهم الزاهية بدمهم وأرواحهم.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.