}

أندريه تاركوفسكي: سينما الإنسان والحنين إلى الأرض

حميد عقبي 20 سبتمبر 2018
سينما أندريه تاركوفسكي: سينما الإنسان والحنين إلى الأرض
لقطة من فيلم "نوستالجيا"

نعلم جيدًا أن فيلم "ستلكر" للمخرج الروسي أندريه تاركوفسكي وجد حفاوة كبيرة بمهرجان "كان" 1980، ورغم الشهرة العالمية أدرك تاركوفسكي قسوة العذابات أكثر من أي وقت مضى مع زيادة تعرضه لمضايقات من قبل ممثلي النظام السوفييتي السابق، الذين كانوا يتهمونه بتأثره بالغرب الإمبريالي. ومع تعاظم يأسه، لم يكن له إلا خيار الغربة وترك الأرض التي يعشقها حد الجنون. وفيلم "نوستالجيا" يقربنا من هذه السيرة الذاتية إلى مستوى الحكاية، لكن تاركوفسكي ليس من هواة الحكايات، ولذا نجد أن الفنان تعمّق في ذاته المضطربة والشفافة وأحيانًا عكس السذاجة والطيبة البدائية، لكن الفيلم ككل أفلامه يلامس القلق الإنساني ويُعدّ نظرة كونية إلى محن إنسانية تتعاظم بفعل النزعة المادية، وضعف العنصر الروحاني المعرض للتلف.

البلدة الإيطالية الصغيرة في توسكانيا، التي تشتهر بحماماتها المعدنية الساخنة وذات القداسة الخاصة، تتحول إلى استوديو رحب يكون مسرحًا لتصوير فيلم "نوستالجيا" للشاعر السينمائي أندريه تاركوفسكي (1983) وهو فيلمه الأول خارج روسيا، وبطل الفيلم (أندريه)، هذا الشاعر الروسي، يأتي إلى إيطاليا لغرض البحث في السيرة الذاتية للشاعر الغنائي الروسي بافل سوزنوفسكي الذي نفى نفسه في إيطاليا في القرن الثامن عشر قبل أن ينتحر.

العزلة والنفي، الفوضى بين الفنانين وصدام الثقافات- هذه هي المسارات التي سنصادفها في "نوستالجيا" وسيغرقنا تاركوفسكي في تاركوفسكي أكثر من الخروج بملخص بيبلوغرافي عن سوزنوفسكي.

نزعة صوفية 

ليس هناك مكان للصدفة أو الارتجال في سينما تاركوفسكي الذي أخرج سبعة أفلام فقط خلال مسيرته الإبداعية، فقبل أي عمل لا يتكاسل هذا المخرج في قراءة أطنان من الكتب والوثائق وما له علاقة بموضوع الفيلم، لكن النتائج دائما تضعنا مع فيلم يغوص في ذات المخرج ونجده مولعًا ويختار أبطال أفلامه فنانين أو لهم علاقة مع الفن ويحملون أفكارًا فلسفية ووجهة نظر حول قضايا معقدة، فالإنسان متى شعر بإنسانيته قادر على أن يحقق أشياء، والفن وحده يخلق الأمل وأي نشاط فني ليس له عمق روحي لا علاقة له بالفن، والفن صلاة إبداعية خالصة وتهاليل روحية.

نحن مع سينمائي يرى أن السينما فن شعري، ولا يمكن خلق القيمة الفنية الشعرية خارج روح المخرج، فالفيلم ما هو إلا الجدل بين المرئي واللامرئي ومن هنا يخلق الفنان أيقونة خالدة، وتاركوفسكي يمزج الفن الحديث المعاصر مع الفنون البربرية ليزج بنا في بحيرة من الأحلام.

نفهم من فلسفة تاركوفسكي أن الإنسان بدون حب أقل منزلة من الحيوان، وهو الشخص الذي ليست له المقدرة للرد على سؤال لماذا نعيش؟ أو يفتقد الشجاعة على طرح مثل هذه الأسئلة، وهذا ليس له أي علاقة بالفن، وبرأيه عمل الماديون ليبتعد الفن عن الإرث الحضاري والروحي لروسيا، فكانت النتيجة أنشطة فنية مبتورة أو كانت حيرة وجمودًا، كما أن الفن الغربي شجع التعبير الحر عن الذات فكان هناك أمثال بيكاسو وبيتهوفن وغيرهما وصلوا إلى العالمية لأنهم عبروا عن الكون والإنسان.

كاميرا تاركوفسكي

عندما يمسك تاركوفسكي بالكاميرا فهو يلهو كمراهق ويؤسس لها مسارات من السكك، فهو يريدها كالقطار الحر تتحرك بانسيابية وسلاسة وحرفية دقيقة حيث يغامر بلقطات متسلسلة دون قطع وينزع إلى حركة الترفلينج بطريقة غير معهودة في العرف السينمائي، كما أنه يتلذذ بوجود عدة مرايا داخل المكان، بينما قد نرى غيره ينزعجون من وجود مرآة لما تسببه من مشاكل وعكس الضوء أو حدوث تشوهات. كاميرا تاركوفسكي تمتلك مقدرة وخبرة تقنية كبيرة، وهو يصور ما يريده ويشعر به، ويجتهد في كتابة السيناريو حيث يجد أعضاء الفريق الذي يعمل معه أنهم مع سيناريو غني ومفصل يضع في حساباته أبسط النقاط، ويحدد بدقة معالم كل لقطة.

تاركوفسكي كان يقود الممثل ويعرف كيف يتعامل مع كل واحد في فريقه، وقبل تصوير أي مشهد كان يجلس مع كل ممثل أو ممثلة على حدة، ثم يجتمع بالجميع ليشرح بدقة كل حركة يريدها.

فيلمه "المرآة" أكثر أفلامه سهولة، حيث عكس حالته المريضة في الأربعينيات من عمره، وربما يكون أقل أفلامه الميتافيزيقية، كونه تعمق في طفولته حيث عكس تأثيرات الحرب وغياب الأب محتفيًا بأمه ليعطيها القداسة، وهو ككل أفلامه التي تظهر فيها تعقيدات الحياة الزوجية التي كان يعاني منها أيضًا، ونظرة على الماضي استرجع فيها ألم طفولته. وتلك اللقطات للظلمة عند مدخل البيت وذلك الباب الفاصل بين الداخل المعتم والخارجي المضيء بضوء النهار والجدران الداكنة كان يراها في أحلامه تؤرقه وتقلقه وتزيد حنينه للأرض والبيت، وهكذا طوع الفيلم ليعيده إلى حضن ذلك البيت، فالسينما فن معه يمكن تطويع المستحيل.

الذاكرة الروسية

أفلام تاركوفسكي تتعمق في الذاكرة الروسية وتستكشف عنف السلطة وتدميرها للذات. فيلمه "أندريه روبليف" يتعمق في فترة القرون الوسطى ويحتوي على مشاهد عنف كثيرة كأن هذه الأرض من الكون مقدر لها أن تعيش هذا العنف، وهذا الفيلم كان مسرحًا لكل أنواع العنف التي من الممكن تخيلها، فنرى ذلك الصبي يتجول في غابة لينقل لنا بعض هذا الرعب ونرى من خلال وجهة نظر هذا الصبي الموت في كل مكان (فلاح يفقع عينيه ويقتلعهما بسكين، جثة أخرى لشخص ما تشوهت بوحشية، أحدهم يضرب كلبه بلا رحمة، جسد طائر مشوه). ويكاد لا يخلو مشهد من العنف، ومقابل هذا نرى مواجهة للحلم والفن ضد القبح والقسوة، وروبليف ظن أن بمقدوره أن ينقذ العالم بخلق جمال الأيقونة للكاتدرائية، لعل هذه الصور لشخصيات وحكايات دينية مقدسة ترمم الأرواح المتعبة.

القداسة للأم والأرض

في فيلمه "المرآة" وجه الأم يمثل ويقدم جمال الأرض وحنانها ومشاعر الحب، يقابله وجه الرجل الممثل لقسوة النظام السوفييتي، فالتاريخ بالنسبة إلى تاركوفسكي ليس الزمن الماضي المنتهي بل هو ذاكرة حية ترافق الحاضر والمستقبل. نجد مثلًا في هذا الفيلم لقطات أرشيفية لعائلات إسبانية يتم طردها، ثم يكون الفن دائمًا وسيلة دعم للحكاية لتركض بنا على جسورٍ درامية، لكن الحكاية ليست الهدف أو الغاية.

في كل فيلم سيتوقف بنا تاركوفسكي لتأمل لوحة فنية. حتى فيلمه "سولاريس"، وهو فيلم خيال علمي، بعيدًا عن الأرض، حيث نتعايش مع لوحة لصيادين في أرض يغطيها الثلج، وهنا يعبر تاركوفسكي عن الحنين للأرض، فهو يبالغ في تقديسها ويرى السماء فارغة، وكان يتعمد ألا يصور السماء وحينما يصورها فهي مجرد ظل للأرض.

يعكس تاركوفسكي روسيا التي يحلم بها والتي يجب أن تكون وتظل غنية بجمالها وروحها الإنسانية، لذلك نراه في فيلم "نوستالجيا" يتفاعل مع كل عنصر طبيعي ويحتفي بالمطر ويقدم لوحات مقاربة في مناخها مع أرضه الأصلية.

الأرض تعني الطين المبلل ونجده كتوقيع خاص في كل أفلامه، بينما الماء عنصر الهدم ومرآة للتجول في ذاكرة الفن والتاريخ، ونراه في فيلم "نوستالجيا" يحول الأم إلى كائن غريب في مشهد تغسل الأم شعرها الطويل الكثيف، كذلك بيت دومينكو المدمر بسبب الماء، والريح أداة رسم تضيف جماليات مدهشة بهبوبها ثم توقفها في نفس اللقطة، والنار هي الأخرى عنصر ديناميكي تشكيلي، وسنجد حرص البطل أندريه على أن تظل شمعته متقدة هو يعبر البركة البخارية في "نوستالجيا"، هذا الطقس الغريب يصوره تاركوفسكي بدقة وهنا يمرر دلالاته الشعرية وفلسفته الخاصة بأن إنقاذ هذا العالم لن يكون بالعسكر والحروب لكن الشعلة هنا تعني رغبة طفولية بريئة وحلمًا داخليًا كذلك، فالقصة تجد المعاني العميقة والمسار القصصي المنطقي لم يكن له أي قيمة، ولا يحرص المخرج على التوضيح بقدر حرصه على الغموض وإرباكنا والزجّ بنا في متاهاته الشعرية. 

عمق الكادر

يسجل تاركوفسكي ببراعة أشياء مهمة في عمق الكادر، في "نوستالجيا" نجد أن عمق الكادر منطقة مهمة وحيوية، ومنذ اللقطة الأولى نرى تكوينًا بديعًا حيث تتحرك أربع شخصيات نسائية مع كلبهن في مكان طبيعي حوى معالم الجمال، وتبدو الكاميرا كأنها على مكان مرتفع تتسمر لمتابعة حركة الشخصيات إلى العمق، والطبيعة تمسرح العناصر المكونة للقطة بدخول عناصر جديدة مثل الحصان الأبيض أو الهضبات من عدة جوانب، ونعيش لحظة رسم لوحة تشكيلية يصعب وصفها.

في الكنيسة الصغيرة، نلاحظ أن الكاميرا تحرص على مسافة متوسطة مع المرأة الشقراء التي تظل تسير بخطوات هادئة ونسمع طرقات كعبها العالي على الأرضية، وهي جاءت لتستسلم للحظة صوفية حيث لا زخارف أو نقوش. هذه الصلوات تغري الكاميرا لتقترب أكثر ثم نرى تدفق سرب من الطيور. يبحث تاركوفسكي عن لقطات هي قصائد الهايكو متنوعة وفيها دائمًا لحظة ما لا نتوقعها، هو لا يركض وراء الرموز والتشبيهات والألوان البلاغية وقد يتعمد بمونتاجه البطيء هدم بعض هذه الألوان لكن الدهشة تتفجر بسلاسة وانسياب دون صناعة وتكلف أو طرق مفضوحة.

واقع حرج ومقلق، حيث نجد الشخصيات في المشاهد الداخلية سجينة كادر مغلق وقد تشوه الظلمة جزءًا من الوجه، تاركوفسكي يعترف أو يقدم شخصية مهزومة ومسجونة في واقعها الجديد، البطل يدير بظهره للكاميرا، يحدق في اللاشيء، يستمر في تدخين سيجارته مستندًا إلى قبضة الظلمة كأنها الظلمة الداخلية لا يمكن هزيمتها بمصدر ضوئي خارجي مهما كانت قوته.

فرانشيسكا امرأة جذابة وهي المترجمة للبطل، تبدو كأنها شخصية من لوحات عصر النهضة تشع بالنشاط، تبدو متحررة كصورة متناقضة للبطل.

نلاحظ كذلك نوعًا من المراوغة عند تصوير البيت، فهو يصوره من زوايا مائلة وينحرف بالكاميرا ليتحاشى العرض الموضوعي أو المباشر، فالبيت هنا وسط الطبيعة وهو الحلم الموجع والبعيد المنال، ونجد تاركوفسكي يبث حنينه كشاعر مكلوم. البيت في سينما تاركوفسكي معرض للدمار والخراب والحرق، هنا بيت دومينكو المجنون، هذا الشخص الصامت، ويقيم أندريه بطل الفيلم في بيت متقشف لا توجد فيه زينة ولا أشياء قد تسقط فجأة ولا نوافذ كثيرة، وأدرك المخرج أن منزله هناك وأن روسيا بعيدة ومستحيلة وأن عليه أن يقتنع بالمنفى في السويد أو إيطاليا.

الغموض

في" نوستالجيا" يربكنا الغموض، لكننا نستطيع تلمس ثلاثة مناف وليس منفى واحدًا، فنحن نحسُّ بمنفى تاركوفسكي والبطل والشاعر الغنائي الذي يقتفي أثره البطل، والمنفى هنا يتجاوز المكان كجغرافيا والبيت ليس الجدران والديكور والأرض ليست الطين كمادة بتكوينها الفيزيائي والكيمائي، هنا الحنين، ببساطة الشعور بمحدودية الروح وعجزها عن الحركة فنرى الجسد يتثاقل ونرى الشخصية تجلس محدقة في اللاشيء وبطيئة وهي تركن إلى الظلمة والصمت، وينتقل بنا المخرج من مكان معتم إلى مكان رحب ومن وجه قد تختفي بعض ملامحه بفعل ظلمة مقصودة إلى وجه آخر متوهج بضوء طبيعي خرافي، والفيلم أشبه بمرآة كبيرة تعكس القلق والحلم واللذة، ترسم الروح في كل حالاتها، في حلها وترحالها بين الأمكنة.

الجنون

في فيلم "نوستالجيا" نصطدم بالجنون مع شخصية دومينكو، ببساطة تاركوفسكي يسمح لشخوصه بالتحرر وأن يعرضوا نمط الحرية التي يريدونها، ويمكن أن يثور أحدهم كما فعل دومينكو الذي خطب وصرخ في الناس يحذرهم من نهاية العالم ثم أحرق نفسه وسط ميدان. بالنسبة إلى بطل الفيلم فهذا الرجل ليس به مسّ من الجنون بل بالعكس يملك الإيمان وهو الأقرب إلى الحقيقة ويترجم قلق البطل، شخصية تمتلك القوة والقدرة على الصراخ وتعكس القوة الجبارة للإنسانية وتلفت نظرنا إلى المستقبل. دومينكو يرى ما لا نراه، وهو أقرب إلى العالم الميتافيزيقي والإحساس بألم الإنسان وبشاعة الواقع. تاركوفسكي لم يصنع شخصية لتضحكنا، لكن خلقها كعنصر شعري مفجع تحمل في ذاتها الكثير من الغموض والتعقيدات كواقع هذا العالم المرعوب بحروب لا تتوقف، وبعنف يسحق البسطاء، وبأنظمة اقتصادية تصنع الجوع والمجاعات، وبسياسات ميكيافيلية لا تأبه بما هو روحي وإنساني.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.