}

مهرجان "لبُولفار" 2018: احتفالية سنّ الرشد

نجيب مبارك 16 سبتمبر 2018
موسيقى مهرجان "لبُولفار" 2018: احتفالية سنّ الرشد
(صورة من صفحة مهرجان لبولفار 2018)

 

بعد أيّام قليلة، يُطفئ مهرجان "لبولفار" شمعته الثامنة عشرة، وبذلك يدخل سنّ الرشد الرّمزي، بعد أن راكم العديد من التجارب والمكاسب التي تحقّقت بعد مكابدات مضنية وتضحيات طويلة، حتّى صار اليوم واحداً من المهرجانات الموسيقية الفريدة في المنطقة المتوسطية والعالم العربي، لأنه يكرّس فعالياته بالكامل لفنون الشارع والموسيقى الشبابية والثقافة الحضرية بالمغرب.

من البدايات الصعبة إلى التكريس

انطلقت الدورة الأولى ل"لبولفار" (ومعناه: الشارع) عام 1999 بمبادرة من جمعية التربية الفنية والثقافية "لبولفار" L’Boulevard، تحت إشراف الثنائي النشط (محمد مرهاني، الملقّب ب"مومو"، وهشام باهو)، بمساعدة فريق من المتطوّعين. وقد اجتاز هذا المهرجان، منذ ذلك التاريخ، العديد من الفترات الصعبة واعترضت طريقه كثير من الصعاب والإكراهات و حتى التُّهم الجاهزة أحياناً، من قبيل: التحريض على الفسق، إفساد أخلاق الشباب، نشر الموسيقى الشيطانية وغيرها، وهي تُهمٌ كان يطلقها بلا هوادة الإسلاميون المحافظون، الّذين كانوا في أوج قوّتهم وامتدادهم آنذاك، بحيث لم يتركوا إهانة ولا شتيمة إلّا وألصقوها بالمهرجان، مندّدين ومطالبين بشراسة أن تُغلق هذه النافذة التي انفتحت على روح العصر بجرأة غير مسبوقة، والتي من خلالها استطاع  الشبّان المغاربة أن يروّجوا لفنونهم ومسيقاهم الجديدة والمتمرّدة، في مجتمع كان وما يزال سجينَ التناقضات والعادات والتقاليد البالية، وحيث الحرية في الفنّ والحياة لم تُحسم بعد أهميتها القصوى وحيويتها بالنسبة لكيان أيّ مجتمع في وقتنا الراهن .

لكن، رغم كلّ ما واجه "لبولفار" من صعوبات وإكراهات، فإن واقعية فريق العمل، وتشجيعات بعض ممثليّ المجتمع المدني، سرعان ما جعلت من المهرجان مرجعاً في المنطقة المغاربية والعالم العربي، خلال سنوات قليلة من انطلاقه. و تبقى العروض الموسيقية من أهمّ الأنشطة الّتي يرعاها منذ بداياته، لأنّها أفضل وسيلة للفرق الغنائية الشابة، المنحدرة من موسيقى "الأندرغراوند" المغربية، لتعريف الجمهور الشاب على أنواع موسيقية جديدة وطارئة على الساحة الفنية مع بداية الألفية الثالثة. وهي موسيقى صارت تحظى اليوم بترحيب من طرف وسائل الإعلام الوطنية والدولية ومواقع الاتصال الإجتماعي، خصوصاً وأنها تلقى رواجاً متزايداً لدى عدد كبير من الفتيان والشباب، الذين يحضرون بكثافة عاماً بعد عام في كل دورة. وينطبق هذا الأمر بشكل أكبر على أنواع موسيقية لم تكن تجد صدى كبيراً في الإعلام الوطني سابقاً، لكنها في المقابل صارت تجذب الآلاف من الشباب : مثلاً، في عام 2006، أقامت فرقة الميتال القوطي البرتغالية "مونسبيل" حفلة حضرها أزيد من عشرين ألف (20000) متفرجاً. وتشهد الساحة المغربية حضوراً متزايداً لموسيقى الراب والهيب-هوب والروك/ميتال وموسيقى الفيوجن (أي موسيقى تجمع بين نوعين أو أكثر من أنواع الموسيقى(. ونجد عدداً من الفرق المغربية المشهورة اليوم في المشهد الموسيقي (مثل : فرقة "هوبا هوبا سبيريت"، "دون بيغ" (أو "بيغ الخاسر"، عضو فرقة "مافيا سي" سابقاً)، فرقة آش-كاين، فرقة "فناير"، فرقة "زنقة فلاو "وفرق أخرى) سبق لها أن مرّت في بداياتها من هذا المهرجان، ومنها من بنت شهرتها وكرّست حضورها بمجرد إحيائها لحفل موسيقي خلال إحدى دوراته الأولى.

برنامج متنوّع ومتجانس

ينطلق المهرجان هذا العام يوم   14 أيلول ويستمرّ حتّى 23 منه. وهو يطمح أن يسير على النهج نفسه الذي اختاره منذ البداية، أي تقديم جرعات من الموسيقى العصرية لجمهور من الشباب المتلهّف والمندفع بفضول لاكتشاف الجديد. أمّا بالنسبة للمواعيد الأساسية لهذه الدورة، فسيكون الجزء الأول من الفعاليات محجوزاً لما يسمى مسابقة "ترومبلان لبولفار"، التي ستجري بين 14 و16 من هذا الشهر، في ملعب الراسينغ الجامعي RUC بالدار البيضاء. لكن أهم فقرات المهرجان هي تلك التي ظلت وفية لشعاراته الأولى، أي دعم الأنواع الموسيقية الحضرية المغربية واكتشاف المواهب الجديدة، من خلال العروض الموسيقية. وإذا كانت الصباحات ستخصّص لمواجهة المترشحين أمام الجمهور ولجنة التحكيم، فإن المساءات أيضاً ستعرف إحياء عدد من الحفلات الموسيقية بحضور فرق مغربية وعالمية. بينما الجزء الثاني من المهرجان، سيبدأ يوم 20 ويستمرّ إلى 23 من هذا الشهر، وفيه سيُسمح للشباب المبتدئين من أصحاب المواهب، الفائزين في مسابقة "الترومبلان"، يمشاركة الخشبة مع كبار الفنانين المدعوين لهذه الدورة. وهكذا، ظلَّ المهرجان وفيّاً لتقاليده: برنامج متنوّع لكنّه متجانس، ومزاوجة بين الأسماء المشهورة والأقل شهرة، مع الحفاظ على خطّ مشترك هو تقديم أفضل الأصوات حالياً، أو الأصوات التي طوّرت أسلوباً موسيقياً متفرّداً وخارجاً عن المألوف.

أمّا الجمهور، فإلى جانب مسابقة "الترومبلان"، سيكون له موعد للرقص على إيقاعات موسيقى "الشعبي-غرووف" (نوع من الموسيقى الشعبية بإيقاعات وآلات عصرية)، بقيادة الفرقة المغاربية "الأوركسترا الوطنية لباربيس"، أو الإنصات إلى أغاني الراب الاحتجاجية ل"شايفين"، أو الغوص في إيقاعات موسيقى "داب" أو الريغي الأنغلو-غوياني (جزيرة غويانا) مع الفنان "ماد بروفسور وفرقة الروبوتيكس". وهناك أيضاً مفاجآت أخرى تنتظر الجمهور، مثل إعادة اكتشاف موسيقى الراي في موجتها الجديدة مع سوفيان سعيدي وفرقة مازالدا. لكن ما هو الجديد بالنسبة لموسيقى الميتال، وهي النوع الموسيقي الأكثر جاذبية بالنسبة لجمهور الشباب؟ الجديد أن كلّ عشاق هذا النوع من الموسيقى المتفجرة سيحظون بفرصة الاستماع إلى فنانين مخضرمين يؤدون موسيقى "الديث-ميتال" التقدمية السيمفومنية، خصوصاً مع فرقة "سيبتيكفليش".

شراكات وإقامات موسيقية

ومثل كلّ عام، يمنح "لبولفار" أهمية كبرى للإقامات الموسيقية، وهي مشاريع لقاء تجمع فنانين مغاربة مع فنانين أجانب بهدف التعاون و الخلق معاً. وهي تحقّقت بعد سيرورة من الشراكات على المدى البعيد، تمّ التخطيط لها كبرامج ثقافية عابرة للحدود. وحسب المنظمين لهذه الدورة، فإنّ إبداعات "لبولفار" الموسيقية ليست إلا الجزء الظاهر من اشتغال المهرجان وشركائه. وسيحتفل المهرجان هذه السنة  بالذكرى العاشرة لشراكته مع جهة "أراغون" الإسبانية، خصوصاً مع مهرجاني) En El Camino de Santiago في طريق سانتياغو)، وPirineos sur   (بيرينيوس سور). وبهذه المناسبة، سيصدر تجميع لأفضل الأداءات في كلتا الجهتين، على المباشر. كما سيتعرف الجمهور على الإنتاج الموسيقي لستة موسيقيين مشاركين في إقامة  Casawasqa XXI ، ثلاثة مغاربة وثلاثة إسبان. وسيحتفي "لبولفار"، هذه السنة أيضاً، بشراكاته جنوب-جنوب، عبر تقديمه لإقامة Jokko التي تجمع منذ سنة  2012 موسيقيين من شمال وغرب القارة الإفريقية، بشراكة مع مهرجان Assalamalekoum بنواكشوط وFesta2H بداكار و le Festival sur le Niger  في مدينة سيكو.  كما سيقام أيضاً احتفاء بالهيب هوب النسوي عبر مشروع Jokko Fam 4، فضلاً عن اكتشاف الجمهور لإقامة Mbokka Project، وهي إقامة موسيقية متنقلة مساندة من طرف جمعية" أفريكاينة"، وهو مشروع يجمع موسيقيي المغرب  والسنغال ومالي وساحل العاج. وبما أن الإقامات الموسيقية هي أيضاً فرصة لإعادة اكتشاف وإحياء الموسيقى الشعبية، فسيقدم "لبولفار" هذه السنة مشروع Aïta Abda Express - Electric الذي يهدف إلى إحياء التراث الشعبي التقليدي بنفسٍ جديد متأثّر بموسيقى الإلكترو والروك، ومشروع Are You Experienced?  وهو تكريم موسيقي لأمل سامي الملقب ب"العمّ" (Tonton).

تكريم "العمّ" أمل سامي

تمتزج هذا العام فرحة وصول المهرجان لدورته 18 بالحنين إلى الراحل الكبير أمل سامي، رفيق درب المهرجان الذي واكبه منذ بداياته سنة 1999، والذي رحل عن عالمنا يوم 27  يناير 2018. وقد كان أمل سامي صحافياً  مناضلاً استثنائياً، أمازيغياً أصيلاً وعاشقاً لموسيقى الروك.  ويعود له الفضل في رعاية "لبولفار" الذي ترعرع و نضج على ضوء كتاباته النقدية المهووسة بالموسيقى. وإلى جانب كتابته لعمود شهير في الصحافة، كان روائياً أيضاً، أصدر رواية بالفرنسية بعنوان "أشجار أرز وحيتان الأطلس"، فازت بجائزة أدبية مغربية مرموقة للأدب الفرنكفوني، هي جائزة "الأطلس" الكبرى سنة 1991. ولأنه كان محبوباً من طرف الجميع، أطلقوا  عليه لقب«Tonton»  (ويعني "العمّ")، ذلك لأنه كان أوّل من وثّق لمشروع "لبولفار" منذ أن كان مجرّد فكرة مجنونة تراود أصحابها. ولهذا السبب، فإن الدورة الثامنة عشر للمهرجان، التي تكرس رمزياً انتقال "لبولفار" إلى سن الرشد، هي تكريم أيضاً لهذا الأب الروحي وتخليد لذكراه. وينعكس هذا الاحتفاء ب"العمّ" حتى في الملصق الرسمي للمهرجان، الذي أنجزه أيوب نورمال، حيث يبرز وجه أمل سامي و هو يطلّ من قمة جبل، في إشارة إلى عشقه لجبال الأطلس الكبير، من بوإمورا إلى زاوية أحنصال، و سيارة صغيرة كانت تقلّه من سهرات الروك والميتال في الدار البيضاء، إلى المنحدرات و القمم الثلجية في الأعالي، مروراً عبر أشجار الأرز، تلميحاً لروايته الأولى، بقبعة من الريش مثل حكيم من حكماء هنود أمريكا، مطبقاً فمه على أنبوب دخان يرتجف على ألحان قيثارة جيمي هيندريكس الكهربائية.  

"السوق" الجمعوي واللقاءات الثقافية

وإلى جانب العروض الموسيقية، سيقيم "لبولفار" ما يسمّيه "السوق" ، ويقصد به سوق جمعوي موازٍ، يكون رهن إشارة الجمعيات و ناشطي المجتمع المدني، كفضاء للتعبير الحر والتعريف بقضاياهم. وتحضر "السوق" كلّ سنة 20 جمعية ومجموعات فنية تهتمّ بقضايا التنمية الاجتماعية والثقافية. والهدف الأوّل هو تحسيس الشباب بأهمية الانخراط في العمل الجمعوي و معارك المجتمع المدني، لكن هو أيضاً فرصة لمساندة التجارة التضامنية و الإبداع و التعريف ببعض المنتجات.  وخلال هذه الدورة، تقترح جمعيتا "إليكتروفن" و" ستي بيديك" عروضا للأزياء Cosplay مستوحاة من ملصقات البولفار السابقة، كما ستقوم الجمعيتان أيضاً بتقديم إنسان آلي، مصنوع من النفايات الصناعية،  بمظهر متأثّر بموسيقى الروك والإلكترو والثقافة الإيكولوجية، لدفع الجمهور إلى الاهتمام  بإعادة تدوير النفايات، وغيرها  من المهارات. وفي الأخير، يدعو" السوق" جمهوره إلى اكتشاف مواهب موسيقية جديدة من خلال منصّة مخصّصة لتشجيع الموسيقيين الشباب، وهي أيضاً مفتوحة لحفلات الارتجال الموسيقي.

أمّا بالنسبة للقاءات الثقافية، فسيكون هناك فضاء لالتقاء الفاعلين الثقافية، أو ما يعرف ب"L’PITCH "، الذي يعود هذه السنة، بعد نجاح دورته الأولى، تحت ظلّ خيمة مخصّصة لمثل هذه الأنشطة، حيث من المرتقب أن تُنظّم لقاءات للتعارف وتبادل الأفكار والتجارب بين الفاعلين الثقافيين و بحث سبل التعاون فيما بينهم. وهو ليس موجّهاً فقط نحو الفنانين والفاعلين الثقافيين والجمعويين، بل هو فضاء مفتوح أمام كلّ من يهتمّ بالاستثمار الثقافي والتأثير أو يبحث عن فرص مهنية.

 

مقالات اخرى للكاتب

آراء
2 نوفمبر 2019
هنا/الآن
22 أكتوبر 2019

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.