}

السينما المصرية: انهيار الصناعة وليس الفنّ

هشام أصلان 11 يوليو 2017

(1)

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدايات القرن الماضي، وقيام الدولة العثمانية بما عرف تاريخيًا بـ"مذابح سيفو"، التي اشتهرت أيضًا بالمذابح الآشورية أو مذابح السريان، هرب عدد كبير من العائلات المطاردة إلى بعض البلاد العربية. كانت المذابح ذهبت بمئات الآلاف، وأصّل مؤرخون بأن سببها خوف العثمانيين من انضمام السريان إلى الروس والثوار الأرمن.

هاجر كثير من عائلات السريان إلى حلب، قبل أن تزحف خلفهم القوات النظامية للأكراد، ليختار بعضهم المجيء إلى مصر. من بين تلك العائلات كانت عائلة "بهنا"، التي استقرت في مدينة الإسكندرية.

عمل أبناء بهنا في عدة مجالات، مثل تموين السفن وصناعة التبغ والخزف والسيارات، قبل أن ينتقلوا للاستثمار في صناعة السينما التي لاح في الأفق أنها محل ازدهار مقبل. بعد وقت قصير ستصبح "بهنا" شركة كبيرة رائدة في مجال الإنتاج والتوزيع السينمائي في مصر، والمنتج المنفذ لأول فيلم رسوم متحركة، هو "مشمش أفندي"، إخراج الإخوة فرانكل، ليعرض عام 1937 في قاعة سينما كوزموغراف في القاهرة، والتي هي سينما "كوزموس" حاليًا، كما ستنتج أول فيلم ناطق في تاريخ السينما المصرية.

حكاية "بهنا فيلم" الشيقة والمهمة صحافيًا وتاريخيًا وفنيًا، يحكيها بازيل بهنا، آخر ورثة العائلة والشركة، للكاتب حسن شعراوي، رئيس التحرير التنفيذي لمجلة "الفيلم"، في عددها الأخير، لنتعرف على كيفية انطلاق صناعة السينما في مصر من مدينة الإسكندرية، فضلًا عن تصحيح بعض المعلومات التاريخية، مثل أن فيلم "أنشودة الفؤاد"، إخراج الإيطالي ماريو فوليبي، هو أول فيلم ناطق في السينما المصرية وليس فيلم "أولاد الذوات" كما هو شائع. يؤكد بازيل بهنا: "كلا الفيلمين كانا يسجلان الصوت في باريس، إلا أن والدي انتهى من تسجيل الصوت قبل فيلم أولاد الذوات بأسبوع، وذهب للقنصلية المصرية في فرنسا، وأرسل تلغرافًا يثبت فيه أسبقية أنشودة الفؤاد، ولدي التلغراف ومسجل فيه التاريخ".

تصدر شعار "منتجات بهنا فيلم" أفلامًا معروفة مثل "دنانير" و"المتهمة" و"سلفني 3 جنيه" و"إني راحلة" و"شاطئ الغرام" وكثير غيرها. المفاجأة الأهم التي قالها بازيل بهنا لحسن شعراوي، هي أن الأرشيف الفوتوغرافي للشركة متوفر لديه في حالة جيدة "ومفهرس بالأفلام وتاريخ إنتاجها، إضافة لصور الدعاية والأفيشات والعقود، فضلًا عن نصف مليون وثيقة بين الشركة وممثلين ومخرجين وفنيين، وحولنا أغلبه إلى ديجيتال وجاري تحويل الباقي خوفًا من تلفه".

القائمون الحاليون على ما تبقى من الشركة لديهم اتفاقات، أيضًا، مع الأرشيف الفرنسي للبحث عن الأفلام المفقودة، ذلك أنهم يرون في ذلك أرشيفًا موازيًا لتاريخ السينما المصرية ككل، ووثيقة نادرة تمثل ذاكرة مهمة لما أنجزه رواد السينما المصرية وقتما كانت صناعة "عليها القيمة". هنا كنز تاريخي يتم الحفاظ عليه بالمجهود الذاتي، فهل من مهتم في هذا البلد؟

 (2)

في لقاء إحدى الفضائيات بالفنان المصري محمود حميدة، قال إنه يرى العديد من الممثلين الشباب الذين تفوقوا على أسماء بحجم أحمد زكي ونور الشريف وغيرهما، موضحًا للمذيعة المندهشة بأن الأمر بسيط: "شوفي الممثلين الشباب دلوقت، وقارنيهم بينا إحنا لما كنّا في سنهم. المواهب كتير، وكون الناس مكملتش تعليمها أو ماشتغلتش على نفسها أو الظروف ماتوفرتش ده موضوع تاني".

ما طرحه حميدة، يستدعي أفكارًا حول تقديس القديم، وحول المقولة شديدة الادعائية التي كبرنا عليها تتردد صباحًا مساءً: "زمن الفن الجميل".

رغم التراجع الحاصل منذ سنوات في صناعة السينما، إلا أنه لا بد من إدراك كونه تراجعًا في "الصناعة" وليس في "الفن". التراجع يأتي بشكل كبير على رؤوس الصُنّاع، بمنطق كم الإنتاج قياسًا بالماضي، وعلاقة ذلك بالوضع الاقتصادي والسياسي البائس والممتد منذ فترة طويلة، تلك النسبة بين الصرف والإيراد، وهكذا. على ذلك، أنت أمام عصر فني أفضل كثيرًا من عصور سابقة فيما يخص وعي فردي لافت ومواهب وفيرة على مستوى الكتابة والإخراج والصورة والتمثيل والموسيقى.

تلك المعادلة حفّزها ما طرحه الكاتب المصري سامح سامي رئيس تحرير المجلة في مقاله الافتتاحي، الذي اقتبس عنوانه من اسم الكتاب الشهير لعلاء الديب "وقفة قبل المنحدر"، يدعو فيه المهتمين للوقوف جماعيًا قبل الوقوع في المنحدر. تحدث سامح عن أزمات تتعلق بعدم الاهتمام بتقديم فكرة ولا تلتفت إلى الوعي والتعبير عن قضايا الناس، مع التأكيد على أن هناك استثناءات.

لا أتصور أننا بحاجة إلى وقفة قبل المنحدر. صناعة السينما وقعت بالفعل منذ فترة، غير أن هناك مواهب كثيرة في كل مجالات الصناعة يساهم أصحابها بشكل كبير في الوقوف بعد المنحدر. ولا يخفى على أحد أن الإنتاج السينمائي وحتى الدرامي المصري، على كل ما يعانيه من كساد كمّي، محمول كيفيًا على أكتاف ذلك الوعي الجديد الذي ربما ساهم فيه انتشار وسائل التواصل والمعرفة والاطلاع. فقط نحتاج للنظر إلى الشعرة الفاصلة بين انهيار الصناعة وانهيار الفنّ.

 (3)

هذا بلد لم ينتشِ، عبر عصره الحديث، في أي من مجالات الحياة، غير الآداب والفنون. لم ينصفه ساسة أو رأسماليون أو عسكريون. أنصفه فقط كُتاب وتشكيليون ومطربون وسينمائيون. أنصفه "الأرتيست".

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.