ينس فنك ينسن.. يتراجع البحر كأن شيئاً لم يكن

02 مارس 2021
الصورة
ينس فنك ينسن
+ الخط -

أكثرُ من عنصر فنّي يُشكّل قوام قصائد هذه المجموعة الشعرية، "قرب المسافة"، للشاعر الدنماركي ينس فنك ينسن، التي ترجمِها جمال جمعة وصدرت قبل فترة عن دار ألواح في مدريد. وتُذكِّر هذه العناصر بما أطلق عليه الروائي الأميركي ترومان كابوتي (1924 - 1984)، في أيامه الأخيرة، قولَ "الألوان على لوحة ألوان الرسام"، والذي عَنى به أنّ ما يمتلكه الكاتب من معارف عن الكتابة، سواء كانت شعرية أو روائية أو مسرحية، وعن فنون مثل السينما والفن التشكيلي والموسيقى، يشبه لوحةَ مزج الألوان التي يستخدمها الرسّام، وعليه استخدام كلّ ما يعرفه من ألوان إن كان يطمح إلى كتابة نص يتوافر على أقصى ما تحمله هذه المعارف من طاقة وإثارات جمالية.

والواضح أن مترجِم المجموعة لمسَ طرف هذه العلاقة حين أشار، تحت عنوانِ "تمهيد غير ضروري لا بدّ منه"، إلى أن "المشهد السينمائي يستحوذ بقوّة على أعمال هذا الشاعر الدنماركي، فهو مؤلّف موسيقي ومهندس معماري وقاص ومصوّر فوتوغرافي.. وتشكل هذه العناصر الفنية، التي نادراً ما اجتمعت على يد أحد، الهيكل الأساس لقصيدته الحداثية". وبالدخول في أجواء هذا العالم الشعري، ستظهر هذه "العناصر الفنية" بجلاء، وستكون لافتةً للنظر أكثر من غيرها. ولأنّ ما بين أيدينا نص مترجم، فسيعتمد إبراز وجلاء هذه العناصر على إمكانات المترجم الثقافية واللغوية أوّلاً، وعلى قدرة أي قارئ على تلمّس نبضات النص الأصلي وراء لغة المترجم الجاهدة لإضاءتها أو تمثيلها على الأقل. الرواية، أو المشهد السينمائي، هي أكثر عناصر هذه البنى الشعرية وضوحاً، وتمثّلها أفضل تمثيل قصيدة "الحياة والموت من فوق"، التي تعيد إلى الذهن حكاية مدينة بومبي الرومانية التي طمرها بركان فيزوف في عام 79م: "من الجبل/ ينحدر الماء/ تحت الجبل/ تقع مدينة/ معروفة للجميع/ تعيش وتسكر/ من الجبل تسيل الحمم/ نيران تنفجر/ تحت الرماد/ تقع مدينة/ منسية من الجميع".

وبالطبع، لن يستوعب القارئ غيرُ الملمّ بحكاية هذه المدينة ــ المطمورة تحت رماد البركان، واكتشافها في القرن الثامن عشر بعد 1600 عام على اختفائها، بأبنيتها وشوارعها وأناسها الهاربين الذي تساقطوا في شوارعها اختناقاً وتجمّدوا تحت طوفان الحمم ــ كاملَ المشهد. كما لن تحمل إلينا عنفَ المشهد بتمامه كلماتٌ تقول ببرودٍ إنها "مدينةٌ تقع تحت الجبل"، كما نقل المترجم، بينما هي على سفحه. هذا أقصى ما تصلنا به الترجمة، وعلينا أن نضيف معرفتنا الخاصّة لتكتسب القصيدة نبضاتها التي لا شكّ في أنها توافرت في لغتها الأصلية. هنا يفتقر النصّ حتماً لموسيقى الكلمات، وللمعمار المحكَم، الموجودَين بلا شك في "لوحة ألوان" الشاعر، ولا تبقى سوى لمحاتِ حكايةٍ عن مدينة تقع على سفح جبل، مفعمة بالحياة، سكرى بالملذّات، تنهال عليها الحمم فتسكن إلى الأبد. وهنا يمكن أن نقرأ في ثنايا المشهد طرَفاً من فكرة عنصر الفناء المهيمنة على أجوائه، كما سنقرأها في القصائد الأُخرى.

حكاياتٌ حملت ما حملته من تجوال في عمق الأزمان البشرية

العنصر الآخر الذي نلمسه بوضوح، هو عنصرُ ما يعرفه الشاعر عن الشعر، أي الأفق الذي يتخطّى تراثه، لغةً وثقافةً. مثال ذلك قصيدة "رحلة"، التي تتعالق، لأكثر من سبب، بقصيدتين شهيرتين لليوناني قسطنطين كافافيس، هما "المدينة" و"إيثاكا": "لأنّني أعرف أنني سأسافر هذا اليوم/ في مدينة كنت دائماً إليها أتوق/ وكأنها الجسد الوحيد/ الذي بإمكانه استضافة روحي/ أُغادر بعيداً وأصل/ إلى البيت المضياف ذاته/ والمشهد المؤثّر نفسه/ ليس إلى السعادة ولا منها/ الألم والحنين/ يسمّيهما المرءُ هدف الرحلة".

لم يغادر الشاعر هنا إحساس كافافيس بأنّه إذ يمضي إلى أرض أُخرى، وبحر آخر، ومدينة أُخرى، لن يجد أراضيَ جديدة، وبحاراً أُخرى؛ ستتبعه المدينة نفسُها، وسيتجوّل في الشوارع ذاتها، ويهرم في الأحياء ذاتها، ويشيب في البيوت ذاتها، لأنّه لن يصل إلّا إلى هذه المدينة: "إذ خرّب حياته هنا/ في هذه الزاوية الصغيرة/ فقد خرّبها في العالم كله". أمّا اكتشافه أنّ الألم والحنين هما هدف الرحلة، وليس المكان الذي يقصده، ففيه إلماحة إلى ما تنتهي إليه رحلة يوليسيس بطل الأوديسّة الهوميرية في قصيدة "إيثاكا"، حيث "الرحلة ذاتها هي ما تعنيه إيثاكا التي ترحل إليها، فهي منحتْكَ الرحلة الجميلة والطريق، ومن المؤكد أنّك فهمت ما تعنيه "الإيثاكات" بما اكتسبتَ من حكمةٍ عظيمة وتجربة ثريّة".

الصورة
ينس فنك ينسن - القسم الثقافي

على أنّ عنصر الفناء، بما يحمله من إيحاء مُضمَر بأنّ البقاء لشيءٍ يجلّ عن الوصف، يتخلّل الصور والحكايات، بكلّ ما تحمله هذه من شجن آسٍ، ويتحوّل في قصيدة "اللحظة" إلى نوع من الشعور العدميّ، الذي يُذكِّر أيضاً، ولا نملك إلا أن نتذكّر، بما تقوله "السابيتم" (سابئة الخمرة) لجلجامش السومري، الأكدي، البابلي، الباحث عن الخلود: "أيّ شيء تسعى إليه يا جلجامش؟/ الحياة التي تنشد لن تجدها/ حينما خلقتِ الآلهةُ العالم/ قدّرتِ الموتَ على البشرية/ وأمسكت الحياة بأيديها/ وليس لك ياجلجامش إلّا أن تملأ بطنك، وتفرح ليلا ونهاراً".

يذهب الشاعر الدنماركي هذا المذهب حين يقول: "عش في الحاضر/ لك لحظتك في الزمن/ الزمن يتبعك/ ضاع الماضي/ ولن تحظى بالمستقبل/ ولكنْ لديك أزهارُ الداندليون/ هذه التي تضيء الغرفة/ ولحظاتٌ تبارك فيها ابنتك وتتقدّم/ من أجل لحظة قصيرة". وشأن الشاعر الدنماركي شأن داعية الإصلاح الياباني يوشيدا، الذي تعزّى قبل إعدامه بلحظات بالقول: "ومع ذلك تتعاقب الفصول". يقارب الشاعر هذه النظرة الأرضيّة في هذه السطور: "في هذه الحديقة عليّ أن أتلبث/ إلى أن يأتي وقتٌ تُصبح فيه/ صحراءً، فبحراً، فغابة/ وحديقةً مرّة أخرى".

المشهد السينمائي هو أكثر عناصر هذه المجموعة وضوحاً

ولا تكتمل هذه الإلماحات إلى أكثر عناصر هذه الشعرية ثراءً وشفافية من دون الاستشهاد بقصيدة من قصائد الشاعر نفسه مترجمة إلى الإنكليزية، عنوانها "على الجانب الآخر من المحيط". فهناك تتراءى له مدينة على حافّة منحدر، بيضاء لامعة، ترتفع عالياً فوق الزمن وليس فوق المكان فقط، وفوقها فندق بجوار بحر أقامت فيه أمّه قبل ثمانين عاماً مع أُسْرتها، فيراها عبر منظار مقرب: "فتاةٌ صغيرة بثوب ورديّ/ تضحك سعيدة على الشرفة/ تراني وتلوّح لي/ عارفةً أنني في طريقي/ إلى مكان ما في مستقبلها".

وأخيراً، وبعد كلّ هذه المشاهد والحكايات بما حملته من رحيل في عمق الأزمان البشرية، وبمزيج ألوان على لوحةِ رسّام، لا يفاجئنا الشاعر بهذا المشهد الذي يكاد يكون مشهداً ختامياً لمسرحية أو شريط سينمائي يماثل تلك اللحظات الأخيرة في حياة كيريلوف (أحد أبطال رواية "الممسوسون" لديستويفسكي)، الذي ينتحر ليؤكّد أنّه يمتلك إرادة الحياة والموت: "أحد ما يلقي بنفسه من مكان شاهق/ من شرخٍ جبلي أو ربّما قلعة/ سيّدٌ آخر على أحلامه/ إلى أن تقترب منه أسماك القرش/ السماء تختفي خلف مرآة الماء/ والبحر يتراجع/ كأنّ شيئاً لم يكن".


* شاعر وروائي وناقد من فلسطين

دلالات

المساهمون