استمع إلى الملخص
- تميزت في النقد الأدبي بنهج يجمع بين التحليل البنيوي والنظرية الاجتماعية، مستندة إلى الموروث العربي والتيارات النقدية الغربية، مما أكسبها جوائز عديدة.
- اتجهت إلى السرد الأدبي، معبرة عن هواجسها الذاتية ومرجعياتها الثقافية، وتظل ملتزمة بالكتابة النقدية الجادة رغم تراجع النقد الأكاديمي.
شكّلت السيرة الذاتية للكاتبة والناقدة الأدبية اللبنانية يمنى العيد، وهي في جزأين، حالة خاصّة ضمن هذا النوع من الكتابة، لأنها تجمع بين الذات والعامّ، بين حياتها الخاصّة والواقع اللبناني في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان الحديث، قبل الحرب الأهلية وبعدها. تحضر في الكتابين مدينتان: صيدا، مسقط رأسها، وبيروت، حيث تعيش الآن، وحيث واكبت العصر الذهبي الثقافي وشاركت فيه، حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي.
بلغة أدبية لامست الشعر، عبّرت يمنى العيد عن نفسها، ولا سيّما حين تحضر الطبيعة، التي نجدها في "خُضرة البساتين وزرقة البحر"، وفي صيغة تجعل الطفلة يمنى "تعانق ساقَي أمّها كمن يعانق الشّجرة"، وتحيل البرتقال "قناديلَ أرجوانيّة".
من جانب آخر، تتحدّث عن وجودها، بصفتها امرأة، داخل مجتمع محافظ، له عاداته وتقاليده، وداخل المجتمع الطائفي نفسه، وكذلك في مرحلة كانت حافلة بأحلام الحداثة والتغيير. إلى ذلك، ترصد الكاتبة الواقع السياسي الذي ساد في تلك المرحلة، والذي دخل، إثر اندلاع الحرب مباشرةً، في دوّامة العنف والاغتيالات التي أصابت أصدقاء لها، وبعضهم مَن درّس في المدرسة التي كانت تديرها في صيدا، وتحمل اسمها الآن.
تتميّز كتابات يمنى العيد النقدية بنهجها الموضوعيّ، وبجمع بين التحليل البنيوي والنظرية الاجتماعية، ما جعلها أحد أكثر الأصوات تأثيراً في النقد العربي الحديث. أهمية هذا النقد أنه يستند إلى الموروث العربي من جهة، وإلى انفتاحه على التيارات النقدية المعاصرة في الغرب، وخصوصاً في فرنسا، من جهة ثانية. ولقد ركّزت على الفكر النقدي ودوره في الوعي الجمعيّ، وفي تحرير اللغة والإنسان. وهذا ما جعل مفهومها للأدب والنقد على صلة وثيقة بتحوّلات المجتمع وبالنزعة الإنسانية معاً. وكان لذلك كلّه صدى كبير في الأوساط الأدبية والثقافية العربية، فتوّجت مسيرتها النقديّة بالتكريم والجوائز، ومنها جائزة سلطان بن علي العويس في فرع "الدراسات والنقد الأدبي" لعام 1992-1993، وجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، فرع الآداب (السيرة الذاتية)، في دورتها الثانية عشرة التي نالتها أخيراً. كذلك عُيِّنَت "شخصية العام الثقافية"، بمناسبة معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 2019.
صاحبة المشروع النقدي التي تناولت موضوعات النقد والرواية والشعر على مدى عقود، كشفت لنا من خلال سيرتها الذاتية عن وجه آخر تشير فيه، بأسلوب أدبي، إلى هواجسها الذاتية ومرجعيّتها في الثقافة والأدب والسياسة والاجتماع. العربي الجديد حاورت يمنى العيد انطلاقاً من كتابيها "أرقُ الروح" و"زمن المتاهة". وما إن أتينا على ذكرهما حتى قالت بإشارة منها إلى تكريمها الأخير: "أشعر بالسّعادة لأنني نلت حقّي في التقدير. لطالما حضرتُ في الوسط الأدبي من خلال كتاباتي، لكن هذا الحضور بات مختلفاً، بالنسبة إليّ، وهو مصحوب بهذا الاهتمام. فهذا الأمر يُشعرني بأنّ الرسالة وصلت، وأنّ التفاعل معها يمنحها حضوراً ومعنى. بل ويحثّني على متابعة المسيرة وصيانة ما قمتُ به حتى الآن. مقابل ذلك، ازداد حذري من كلّ كلمة أنوي نشرها، ذلك أنّ مسؤوليتي حيال ما أكتب تضاعفت، حرصاً مني على النوع لا الكمّ. لديّ الآن نصاً روائياً مكتملاً، لكني سأتريّث في دفعه إلى المطبعة، وسأعيد النظر فيه لأطمئن إلى قيمته الأدبية".
نسأل يمنى العيد: هل يمكن اعتبار المشروع الروائي شبه الجاهز، جزءاً ثالثاً من السيرة؟ "هذا النصّ الجديد هو أقرب إلى الرواية، بل هو حكاية طويلة عن شيء له علاقة بما عشته وما خبرته في حياتي، وعن الأمكنة التي احتضنتني والأحداث التي شهدتها. ومع ذلك، فالكتاب لا ينضوي إلى عالم السيرة الذاتية حتّى وإن كانت شخصيّاته تنتمي إلى العائلة".
يفضل معظم الكتّاب الآن كتابة الرواية بدل النقد الأدبي
في موازاة النقد، فتحت الكاتبة لنفسها طريقاً آخر عبر السرد الأدبي، لكن بماذا تختلف يُمنى الروائية عن يُمنى التي تبحث وتغوص عميقاً في النصوص الأدبية وتدرسها وتحلّلها؟ تقول: "أجد نفسي في الكتابة النقدية وفي الأبحاث، وأعتبر أنّ ما أنجزته في النقد الأدبي مختلف عن المألوف والسّائد. فأنا ضد المُطابقة بين النصّ ومرجعياته، حيث اشتغلت على جوهر العلاقة التي تركّز على ترابط السياق الأدبي، نصوص الكاتب والمراجع التي تأثّر بها. ولقد تبلورت الصورة عندي لتفضي إلى اعتبار أنّ الواقع هو المرجع، والنّص لا يطابقه بالضرورة".
من جانب آخر، تلتفت يمنى العيد إلى واقع النقد في العالم العربي. فتعتبر أنّ "النقد، بصفته بحثاً أكاديمياً، يتراجع كثيراً، بينما تسيطر الرواية على المشهد، إذ يفضل معظم الكتّاب الآن كتابة رواية بدلاً من الخوض في عالم النقد الأدبي، وتقديم دراسات في هذا المجال، لا مجرّد قراءات سريعة لا تتسرّب إلى قلب النص وتقترب من تكوينه وأسراره. وما يُكتب في النقد الآن هو آراء مبعثرة لا تسعى إلى العمق كما فعل أبناء جيلي. الكتابة النقدية الآن كأنها تلويحة من بعيد، وليس بحثاً علمياً يستند إلى منهج ومراجع، وكذلك إلى إحالات ومفاهيم. النقد مرجعيته الواقع الاجتماعي، وما يُكتب اليوم يميل إلى أن يكون مجرّد رأي".
نلاحظ في السيرة الذاتية التي تعتمد، كما أشرنا، إلى السرد الأدبي، أنّ النقد يختبئ في كواليس هذا السرد. تقول يمنى في هذا الصدد إننا "لا نجد داخل النص التفاصيل النقدية فحسب، بل الواقع نفسه حيث يلتقي التسجيل بالتحليل".
في سيرتها الذاتية، كتبت يمنى العيد أيضاً عن مجموعة من الأحداث، ورسمت ملامح لبنان الحديث، سواء مدينتها صيدا أو بيروت، مكان إقامتها. إلى أيّ درجة استطاعت من خلال هذين الكتابين أن تقدّم صورة وافية عن نفسها أولاً، وعن لبنان الذي عرفته وبقيت فيه رغم الحرب التي طالت خمس عشرة سنة؟ تجيب يمنى العيد: "عندما كتبتُ لم يكن لديّ تصوُّر محدّد للصيغة التي سألجأ إليها، وللشكل الذي اتخذه العمل في صيغته النهائية التي وصل بها إلى القارئ. لقد شعرتُ بالحاجة إلى قصّ حكاية، فكتبتها تدريجياً، ولما انتهيتُ منها، هاتفتُ السيدة رنا إدريس، مديرة دار الآداب، وقلت لها بخجل وتردّد: كتبتُ عملاً وأريد أن أسمع رأيك فيه. لم أُدرك أهمية ما كتبته، لأنه كان يخصّني ولا يخصّ الآخر، وقد لا يحمل أهمية عنده. لكن ناشرتي تحمّست للكتاب بجزأيه".
كتبتُ بعض النصوص التي لم أنشرها بعد، وللآن مترددة بنشرها
وفي الختام، سألتها عمّا إذا كانت تفكّر في توسيع الذاكرة لتحتوي الواقع العربي المأزوم أيضاً، فأجابت: "لا أعتقد أن لديّ في الوقت الراهن القدرة التي كانت عندي سابقاً، لأكتب شيئاً من هذا القبيل. كتبتُ بعض النصوص، التي لم أنشرها بعد، ولا أزال متردّدة في نشرها". وأضافت: "يمكن القول إنني أشعر بشيء من التعب. وليس لديّ ميل عميق وقوي للكتابة بشكل عام. إذا شعرتُ بالحاجة إلى الكتابة فسأكتب شيئاً لنفسي، أما نشره فليس بالأمر الضروري. أنا حريصة الآن ألاّ أنشر نصاً أدبياً لا يعادل في مستواه ما كتبته في "أرق الروح" وبعض نصوصي الأُخرى".