ولكن الشيطان لا ينقذ أحداً

17 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 05:33 (توقيت القدس)
أحمد الشرقاوي/ المغرب
+ الخط -
اظهر الملخص
- الشيطان في الكتب المقدسة يُعتبر رمزًا للشر والإغواء، وقد تم تصويره في الأدب كالمغوي على الشر، مثلما في "فاوست" و"المعلم ومارغريتا"، مع تحذير من التفاوض أو التحالف معه.
- بعض السياسيين العرب يرون في التحالف مع الشيطان وسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية، مثل الفوز في الحروب أو الحفاظ على السلطة، رغم أن هذا التعاون يُعتبر استسلامًا وتبعية.
- التفاوض مع الشيطان يُعتبر اعترافًا بالهزيمة، حيث لا توجد أمثلة ناجحة لهذا التعاون في دول مثل العراق وسوريا ولبنان، مما يعكس فشلًا في التعلم من التاريخ.

اختارت الكتب الدينية المقدسة الشيطان كي يحلّ محلّ العدو والمحرّض على الكُفر أو الشذوذ أو الأخلاق المنحطة أو الجريمة، فالشيطان أو إبليس هو الذي أغرى آدم وحواء بتناول الفاكهة المحرّمة التي أفضت بهما إلى المصير الذي لا نزال نعيش في ظلّه نحن البشر، وهو البقاء في الأرض، والحرمان من الخلود.

وفي ما بعد أخذ الشيطان إلى الرواية، والمسرح، لدى غوته وتوماس مان في "فاوست"، ولدى ميخائيل بولغاكوف في "المعلم ومارغريتا"، ولم تخرج الصورة المفترضة له، عن صورته في الكتب المقدسة، أي صورة المغوي على الشرّ. ويمكن أن تتضمن الرواية، كالكتب الدينة، إشعاراً بضرورة الابتعاد عن التفاوض معه، أو التحالف أيضاً. 

اللافت لدى بعض بني الإنسان، من العرب، ممن لا يستمعون لكتاب مقدس، أو لرواية غير مقدسة، هو سعيهم لتصحيح وضع الشيطان. إذ إن جماعات وأفراداً كثيرين من بينهم، أضحوا يعتبرون أن الحلف مع الشيطان رابح. وأكثر ما نرى هذا في حقل السياسة، إذ يصرح سياسيون من هنا، ومن هناك، بأنهم مستعدون للتعاون معه من أجل الفوز في حرب ما، أو من أجل استلام السلطة أو الحفاظ عليها، أو من أجل الدفاع عن أنفسهم ضدّ عدو. وهو تعاون يفترض شكلاً من التفاوض، على غرار فاوست ومفيستوفل، وابتكار كلّ الذرائع اللازمة لتسويغ أفعالهم بينما يرفضون رفضاً قاطعاً التفاوض بعضهم مع بعض. ويمكن أن تكون سورية نموذجاً.

لا توجد مفردة "الحوار" في لغة الشيطان، بل استسلام وتبعية

ومن سمات التفاوض أنه الحل السلمي لمشاكل الحرب والعنف، غير أنه يفترض وجود طرفين متساويين، لا بين غالب ومغلوب، ففي الحالة الثانية لا ينفع التفاوض، ولا يقوم أصلاً، إلا إذا كانت هناك جهة ثالثة راعية للتفاوض، تمنع وقوع الكسر. وفي حالة الشيطان من الصعب التصديق أن الشيطان مستعدّ للتفاوض أو التعاون مع أحد، فالفكرة نفسها، أي مجرد إقدام أي طرف على التوجه نحو الشيطان يعني الإقرار بالهزيمة. ولا توجد أمثلة تنقض هذا الاستنتاج، لا في العراق ولا في سورية ولا في لبنان، وهي الدول التي انخرط سياسيّوها في مدائح الشيطان، وإجراءات التعاون معه.

والمشكلة في السياسي، وهو النوع الأكثر قابلية للتفاوض حول المشاريع، أنه يفاوض الشيطان في حقوق ليست له. وفي حقل المعارضة السياسية تزداد الهوة بين الحقوق وبين الأجنحة السياسية المختلفة، فالاعتراف بها لم يؤكد بعد، ولا تزال مسائل التمثيل الشعبي الحقيقية قيد الدرس. ومع ذلك، فإن أفراداً أو أحزاباً، أو تيارات، أو مجموعات، تمنح نفسها الحق في التفاوض مع الشيطان نيابة عن الآخرين بحجة ادّعاء التمثيل. وهم يزعمون أن التفاوض حوار، بينما لا توجد مفردة "الحوار" في لغة الشيطان، بل استسلام وتبعية ورضوخ. فلا أحد يذهب للتفاوض مع الشيطان غير المهزومين الخاسرين الذين يعتقدون أن "الشيطان" مستعد لتقديم المساعدة مجّاناً. القصة قديمة، ولا أحد يريد أن يتعلم. في رواية "السمان والخريف " لنجيب محفوظ يسأل عيسى الدباغ ابن عمه: ما العمل إذن؟ فيقول: نؤيّد الشيطان إذا تطوع لإنقاذ السفينة. فيجيب عيسى قائلاً: لكن الشيطان لا يتطوّع لإنقاذ شيء.

* روائي من سورية

حازم حرب - القسم الثقافي
موقف
التحديثات الحية