وقفة مع محمد بكاي

28 أكتوبر 2020
الصورة
محمد بكاي (العربي الجديد)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع شخصية ثقافية عربية في أسئلة سريعة حول انشغالاتها الإبداعية وجديد إنتاجها وبعض ما تودّ مشاطرته مع قرّائها. "أرجو أن يكون العالم أكثر رحمة وبُعداً عن العنصرية والتطرُّف وجشع اقتصاديات الدول الكبرى"، يقول الباحث الجزائري لـ "العربي الجديد".


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟

- من الناحية المهنية، أنا بصدد التحضير لدروس طلبتي في الماستر الخاصّة بمادّتَي: "التأويليات" و"الدراسات الثقافية"، ويأتي ذلك تحديثاً للدروس التي ألقيتُها منذ سنة 2017. يضمُّ التحديث إضافةَ بعض التفاصيل والتوسُّعَ في بعض الأفكار ومناقشتَها بما يثري فحوى المادة، نظراً للقراءات المتنوّعة التي حصّلتُها طيلة هذه المدّة. من الناحية البحثية، فدوماً مع نزهة القراءة ومتعة البحث وخوض تجارب جديدة في الكتابة، إلى جانب ممارسة الرياضة. هذا ما يشغلني حقّاً عن زحام التسارع الميديائي.


■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟

- آخر عمل هو كتاب "جدل النسوية" (منشورات "ضفاف" و"الاختلاف" و"دار الأمان") الذي صَدر خريف السنة الماضية. العمل عبارة عن دراسات ومقالات مترجَمة وفصول تناقش مواضيع المرأة والأنوثة والأمومة بعيداً عن مباحث النقد النسوي الكلاسيكي؛ فالكتاب يحاول تقديم إطلالة شعرية ومجازية عن صور المرأة وتمثُّلاتها خارج التمركزات المفاهيمية التي تراكمت في الأدبيات البحثية لهذا الموضوع الجدلي.

يعرض الكتاب لتصوُّرات جاك دريدا حول الأنثوي المشبعة بنقاش تفكيكي محتدم مع هايدغر ونيتشه وليفناس، كما أعرض تصوّرات النسوية ما بعد الحداثية (مع لوس إريغاراي، وجوليا كريستيفا، وفرانسواز كولن). ما يميّز الكتاب هو تسليطه الأضواء على أهمية البعد الأمومي في تكوين المرأة، والذي ظلّ مغيَّباً في متون النسوية الكلاسيكية منذ سيمون دي بوفوار. بخصوص عملي القادم سيصدر في بيروت خريف هذه السنة، احتفيتُ فيه بالتجربة الباطنية للكاتب أو الممارسة السرية للكتابة. العملُ محاولة حفرٍ نقدي لشعرية الكتابة الأدبية والفلسفية الخلاّقة التي تتملّص من كل محاولة تقييد.


■ هل أنت راض عن إنتاجك ولماذا؟

- يستحيل ذلك طبعاً؛ فالمرء في حالة نموّ ونضج وتقويم وتقييم دائمة. أنا على بيّنة من أنني لا زلتُ في بداية البدايات، أؤمن بالجدّ والكدّ، أي بالعمل إلى حدّ الإرهاق، والثمارُ الناضجة تأتي بعد تراكمية معرفية، وهذا ما يدفعني قُدُماً لتطوير نفسي ونصوصي واكتشاف ذاتي وتفجير طاقاتي.

إصداري المقبل عملٌ يحتفي بالتجربة الباطنية للكاتب

■ لو قُيّض لك البدء من جديد، فأي مسار كنت ستختار؟

- أسمّيها لعبة الاحتمالات الماكرة! أنا شخص قنوع جدّاً بالمسار الذي سلكتُه، أعيش تجربتي الفردية في بساطتها لأكتشف إنسانيتي من خلال علاقتي بالآخرين (الصداقة، العطاء، العمل..) وعبر ممارساتي الاجتماعية والمهنية أو تذوُّق الفنّ والجمال والانكباب على قراءة الكتب وإثراء مخزوني المعرفي. ومع ذلك لو قُيّض لي اختيار مسار آخر لكانت الفيزياء أو الرياضيات؛ حيث يظل افتناني وولعي بهما أمراً يفوق الوصف.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

- أيّ تغيير أبتغيه سيكون مجرّد يوتوبيا، هذا ما أدركه حقّاً. ومع ذلك أرجو أن يكون العالم في المستقبل العاجل أكثر رحمة وأمنا وصفاءً، بعيداً عن العنصرية المقيتة والراديكاليات المتطرّفة وجشع اقتصاديات الدول الكبرى ونفاق البشر.

الصورة
جدل النسوية - محمد بكاي

■ شخصية من الماضي تود لقاءها، ولماذا هي بالذات؟ 

- ما يشدّني حقيقة هو التعرُّف على العقول وليس الشخصيات، على الأفكار وليس الأسماء؛ لأن العقول تظلُّ حيّةً إلى الأبد. يبهرني جوردانو برونو، تلهمني أفكاره عن الكون الفيزيائي وشجاعة عقله وحرية التأمُّل التي تمتّع بها، متحدّياً غطرسة الجهل والسلطة الدينية.


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟

- الصّديق محمد شوقي الزين، فهو يمثّل لي الكثير. عرفته عبر كتابه الأول "تأويلات وتفكيكات" (2002)، فُتنت بلغته وسحر أسلوبه، وعكفت على متابعة إصداراته وترجماته. كنت على تواصل شبه يومي معه، شجّعني على إتمام رسالتي للماجستير سنة 2010، وقدّم لي خلالها دعماً كبيراً. وفي خريف تلك السنة أطلقنا -أنا وهو- مجموعة "المنتدى العربي للتفكيك"، وكانت فكرة الناقد البحريني الراحل محمد أحمد البنكي الذي اهتم بفكر دريدا وخصّه بأكثر من عمل ودراسة.

ستظل سنة 2010 عالقة في ذهني، حيث دعاني محمد شوقي للمشاركة في كتاب جماعي أشرف عليه حول الفيلسوف جاك دريدا ("ماذا الآن، ماذا عن غد؟ الحدث، التفكيك، الخطاب"، دار الفارابي ومنشورات الاختلاف، 2011). كانت أوّلَ دراسة أنجزتُها عن فيلسوف الغراماتولوجيا، وكان اختياري للكتابة حول الأشباح والطيفية غريباً ومثيراً، وهو ما استحسنَه محمد شوقي نظراً لاهتمامه الكبير بالباروك والمبهم في الفلسفة المعاصرة (دو سارتو، ودولوز، ودريدا...). علاقتي بمحمد شوقي متينة وشبيهة بعلاقة الشيخ والمريد. أحترمه وأُكن له تقديراً يفوق الوصف وأتابع مشروعه الفكري بشغف كبير. 

الكتب التي أعود إليها دائماً هي أعمال الفيلسوف جاك دريدا. قد يسألني أحدهم لماذا التفكيك؟ وهو من أصعب الفلسفات المعاصرة وأكثرها تعقيداً، فدريدا يوظّف صيدلية مفاهيمية خاصّة به، مثيرة وشقية، ماكرة ومتعبة. ما جذبني إلى فلسفته أنها تُبطن سرّاً مجازياً، نصوصه استثنائية ومجنّحة، فلسفة لا تخلو من الأدبية والشعرية، وهو ما يجعل القارئ شريداً والمعنى الواحد طريداً، أي دعوة للانفتاح على لعبة لانهائية من التأويلات. كما تعرف، أتابع ما يصدر بعد رحيله وأخصّص له القراءات والمراجعات باللغة العربية، كما أتابع الندوات ومقالات الشرّاح والدارسين المهتمين بفكره. وهذا من باب الوفاء لفكر الرجل وتخليد ذكراه.

يشدّني التعرُّف على العقول لا الشخصيات، الأفكار لا الأسماء

■ ماذا تقرأ الآن؟

- كتاب "اليوغا" لـ إيمانويل كارير. كلُّنا نعرف أشخاصاً لديهم تلك الموهبة، أي موهبة الكتابة عن الحياة: في السرّاء والضرّاء، لكن كارير يُمرّر لنا عبر هذه الرواية رسائل النبل الخاصة بالكآبة، تلك الطاقة الرهيبة للألم التي يتفتّق منها الأمل والأمن والإيمان. هي رواية أو كتاب تخييلي، إن صحّ التعبير، حول الزهد والتصوُّف، تُوسّع مضايق الروح وتفتح لك منافذ السكينة. هي نهر تتدفّق مياهه للمتعطّشين روحياً ولمن كسرتهم الخيبات. ومع أن صفحات هذا الأثر الأدبي تغترف من الثقوب السوداء للكآبة، فهي ليست مجرّد نكد، بل تنقل لنا تجربة الصمود والنضال من أجل الحياة، وترسم صور الكفاح من أجل الخلاص. كتاب يشبه بساطة المتصوّفة وعمق فكرهم وصدق تجاربهم. كتاب حميمي يذكّرنا بإنسانيتنا، ويقرّبنا من باطننا حيث الجنة أو الجحيم. لا يخلو من التأمّل الثاقب والفكاهة ومراقبة فخاخ النرجسية... رواية تمتزج فيها رائحة اليأس بشدّة الصبر ووطأة الخيبات النفسية، على شكل فلسفي وتأمّلي وسيَري، هو كتاب يحبس أنفاسك ويجرفك بعيدا.


■ ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟

- أميل غالباً إلى الموسيقى الهادئة أو الأغاني الكلاسيكية الغارقة في معجم شِعري شجيّ، وكأنها روضة محفوفة بجلال معنوي أخّاذ (ليو فيري وداليدا مثلاً). أستمتع حالياً بألبوم "فولكلور" لـ تايلور سويفت، وهو تجربة موسيقية غنيّة، تمتزج فيها الألحان الهادئة -التي تشبه صفاء الفجر وزرقة البحر في شهر أغسطس- بكلمات بسيطة وحكيمة تعكس تأمّلاتها عن الوحدة والحبّ والزمن.


بطاقة

باحث وأستاذ جامعي من مواليد 1986 في تلمسان غرب الجزائر، حاصل على دكتوراه في النقد الأدبي ما بعد البنيوية من "جامعة تلمسان" سنة 2016. صدر له: "أرخبيلات ما بعد الحداثة: رهانات الذات الإنسانية، من سلطة الانغلاق إلى إقرار الانعتاق" (2016)، و"أهواء بارت ومغامرات البارتية" (2017)، و"التفكيك وفسيفساء المعنى" (2018)، و"جدل النسوية: فصول نقدية في إزاحة الدوغمائيات الأبوية" (2019). كما شارك في كتاب جماعي بعنوان "جاك دريدا: فيلسوف الهوامش" (2017).

وقفات
التحديثات الحية

المساهمون