وصية الروائي

وصية الروائي

12 مارس 2021
الصورة
("أكوام من الروايات الفرنسية"، لـ فينسنت فان غوخ، 1887)
+ الخط -

الغريب في شأن مصطلح الرواية التاريخية هو أن معظم الروائيين في العالم يرفضونه، بينما يُقرّه ويستخدمه معظم النقاد المهتمين بشؤون الرواية. وإذا ما قصدنا العدل في هذا الشأن، فإنّ لدى الروائيين كثيرا من القوّة المنطقيّة في موقفهم، بينما يملك النقاد كثيراً من الحضور العمليّ على الأرض.

ولعلّ أهم حجة يمكن قولها في هذا الشأن هي تلك التي أشار إليها الروائي الأميركي هوارد فاست، كاتب رواية "سبارتاكوس". إذ كتبَ غاضباً من المصطلح (كما يرد في اقتباسٍ له في مقدمة الترجمة العربية): "أين بالضبط تتوقّف الرواية عن كونها مجرّد رواية لتصبح رواية تاريخية؟"، و"هل هناك تاريخٌ معيّن أو عقد معيّن تتوقّف عنده الرواية عن أن تصبح مجرّد رواية؟". فإذا كانت الرواية نفسها تتأبّى على التعريف، فكيف يمكن أن يتجرّأ النقاد على إطلاق تسمية أو مصطلح الرواية التاريخية؟

يدافع الروائي عن فنّ الرواية. فإمّا رواية أو لا رواية، بغَضّ النظر عن نوع أو قيمة الموضوع. والسبب في رأيي هو أنّ هذا المصطلح، ومثله كذلك أيّ مصطلح يُضاف إلى الرواية كصفة لاحقة مثل الرواية السياسية وغيرها، يسحب الفنّ من الرواية، أو يتساهل بخصوصه، كي يسلّمه إلى حقلٍ معرفيّ آخر هو التاريخ. وبهذا الخيار يُحرَم النوع الأدبي من صفاته المميزة التي جعلته فنّاً مستقلّاً قائماً على حرّيّته في اختيار الموضوع.

الصِّلة بين الرواية والتاريخ أقوى من أُمنية الروائي

عدا ذلك، فإن الروائيين يستخدمون في رواياتهم تقنيّات الكتابة الروائية لا التاريخية، أو يبتكرون تقنيّات جديدة للكتابة الروائية، بغضّ النظر عن الموضوع الذي يختارون أن يكون حامل النص. ليس الموضوع وحده، ولم يكن في أي يوم، هو الذي يحدّد قيمة أو أهمّيّة الرواية، بل كيفيّة الكتابة. والسِّحر في الموضوع ليس نوعه بل طريقة معالجته روائياً، ولهذا تصبح رواية "سبارتاكوس" معاصرة لنا، وهي تكتب عن آلام البشر في كلّ زمان وعن سعيهم للتحرر من الظلم. وكلّ هذا إنّما يحدث بفضل قوّة النصّ فنّيّاً. وتبعا لذلك: هل رواية "العطر"، لباتريك زوسكيند، رواية تاريخية، لأن أحداثها تجري في القرن الثامن عشر؟

يحاول الروائيّون هنا تصحيح المسار النقدي (على الرغم من أنّ كثيرين من بين النقاد لا يحفلون بآرائهم)، إذ يمنعون التعدّي على الرواية من قِبَل الموضوعات، وهو تعدٍّ طاول جوانب كثيرة من حياة النوع الروائي. وقد يكون في مبدأ الالتزام الذي ساد في مرحلة من مراحل التاريخ الأدبي الحديث شيءٌ من هذا القبيل، أي من قبيل اعتبار أنّ الموضوع هو الذي يحدّد قيمة الرواية أو تصنيفها النهائي، بحيث قد يُفهم من ذلك أنّ القيمة التاريخية أو السياسية في الرواية تتقدّم على القيمة الفنّيّة. وربّما كان في الكلام عن الثورات وعن تدخّل الرواية في الثورة مثل هذا الطابع، إذ ترى معظم النقّاد اليوم يبحثون في الروايات عن الثورة وموضوعات الثورة أولاً، لا عن الرواية وجمال الرواية وفن الرواية.

أوصى هوارد فاست أن يُلقى مصطلح الرواية التاريخية في سلّة المهملات. غير أنّ الصِّلة بين الرواية والتاريخ كانت أقوى من أُمنية الروائي. انتصر المصطلح وهزم الكاتب.


* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون