وصايا إبراهيم أصلان المغدورة.. "الكيت كات" وموت المؤلف الرمزي

07 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:18 (توقيت القدس)
إبراهيم أصلان، تورينو، إيطاليا، 14 مايو/ أيار 2009 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التقى المخرج داود عبد السيد والروائي إبراهيم أصلان في فيلم "الكيت كات"، المستوحى من رواية "مالك الحزين"، حيث نال العمل جوائز عديدة واعتُبر من أفضل الأعمال في السينما والأدب العربي.

- تميز التعاون بينهما برؤية جمالية تتجاوز نقل النص إلى وسيط مرئي، مع التركيز على تناقضات الحياة اليومية والانحياز للعادي والهامشي، مما يثير أسئلة حول الحرية والاغتراب.

- استأنف داود الرحلة الفنية بإبراز شخصية الشيخ حسني، معززاً رؤيته عبر القفز الزمني، مما أكسب الفيلم اهتماماً كبيراً رغم تعارض الرؤى.

في العقد الأخير من الألفية الثانية، تلاقت تجربة المخرج داود عبد السيد في فيلم "الكيت كات"، مع تجربة الروائي إبراهيم أصلان المستوحى من روايته "مالك الحزين" (1983). ويبدو أنهما، بعد رحيل عبد السيد أواخر ديسمبر، وعلى بعد أيام قليلة من ذكرى رحيل أصلان اليوم؛ السابع من يناير/ كانون الثاني، سيظل لقاؤهما السنوي متجدداً في الذاكرة من الآن فصاعداً.

حظي اللقاء الأول بالكثير من الجوائز والتكريمات: فكما اعتُبرت "مالك الحزين" واحدة من أفضل مئة رواية عربية، احتل الفيلم مكانة بارزة ضمن أفضل مئة فيلم في السينما المصرية، ونال داوود عبد السيد جوائز تقدير على تميزه في الإخراج، مع الإشادة بقدرته على ترجمة روح الرواية إلى لغة بصرية موحية.

ويتجاوز المشترك بين الاثنين مجرد نقل نص مكتوب إلى وسيط مرئي؛ فكلاهما خرج من رحم هزيمة 1967، تلك التي شكلت وعي جيل بأكمله. كما تجمع بينهما رؤية جمالية ترى أن الفن لا يفسر العالم بقدر ما ينصت لتناقضاته، فالانحياز للعادي والهامشي، وتحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى مدخل لأسئلة كبرى عن الحرية والاغتراب، مع المزج بين الواقعية والبعد الشعري والفلسفي والأسطوري، كلها قواسم مشتركة بينهما. 

تجمع بين أصلان وداود رؤية جمالية ترى أن الفن لا يفسر العالم

مع ذلك، يظل السؤال مشروعاً: حين يبدو النص الأصلي في مرآة داود مختلفاً، وربما شائهاً من زاوية ما، فهل تكمن الإشكالية في الوسيط ذاته، في انتقال الكلمة المكتوبة إلى وسيط مرئي تحكمه شروط أخرى، أم أننا إزاء اختلاف فعلي في الرؤية، يجعل من "الكيت كات" محض ترجمة خائنة للرواية!


المترجم الأمين

لنبدأ من البؤرة، فالشخصية هي مركز كل العناصر السردية؛ من خلالها يتكثف الزمن، ويتشكل المكان، ويتحرك الحدث داخل خطاب الحكاية. وفي أعمال إبراهيم أصلان، لا يمكننا العثور على شخصيات مكتملة، بل كيانات لغوية تتشكل في مساحات ضيقة قد لا تتعدى سطراً أو سطرين، وكأنها تطلب من القارئ استكمال ملامحها. ولعل أحد أسباب استعصاء مالك الحزين على القراءة حتى لمحبي أصلان، كونها تضم أكثر من 90 شخصية، كاشفة عن غياب البطل الملحمي في الرواية الحديثة وظهور البطولة الجماعية، بعد أن أدرك الروائي، وفق رؤية مالكوم برادبري، صعوبة خلق شخصية قوية في عالم تتعرض فيه الإنسانية للتهديد، ويحتاج المرء إلى تعاون الكثيرين لأداء دوره.

هنا يظهر مأزق داود حين سحرته شعرية مالك الحزين، فلم يكن في وسع عدسته سوى اتخاذ قرار بشأن الشخصية التي تركها أصلان معلّقة في أهداب اللغة، إما أن يمنحها بؤرة، أو يتركها خارج الكادر. ومن ثم لم يعد السؤال كيف نقل داود الشخصيات إلى الفيلم، بل أي الشخصيات احتفظ بها، وما نجم عن إعادة توزيع الأدوار، أو بالأحرى تكثيفها.

وفق منطق الرواية، كان من المتوقع اختيار يوسف النجار بطلاً للفيلم، فهو الشاب المثقف الذي يبدأ النص بوصف أدق تفاصيل غرفته، بما يجعله متفرداً بين أهالي منطقته، والأهم، يكشف نفسه قرب نهاية النص باعتباره كاتب الرواية في مونولوغ طويل رغم ضمير الغائب. لكن داود أدرك أن يوسف لم يعد بوسعه تحمل عبء البطولة في لحظة إنتاج الكيت كات: فهو ينتمي إلى نموذج البطل الإشكالي السائد في أدب الثمانينيات، متردد، مأزوم، محاصر بأسئلته، يراوح مكانه أكثر مما يشتبك مع واقعه.  بطل يحمل سمات دونكيشوتية واضحة، كما يتضح من اللوحة المعلقة على جدار غرفته، التي تصور رجلاً على بغلته، برمح وعصا، تتداخل فيها الخطوط مع توقيع بيكاسو والتاريخ.

لم يتمكن داود من حمل الأمانة، فانتصر للوضوح على حساب الدقة

من هنا، قرر داود أن يستأنف الرحلة الدونكيشوتية بإعلان نهاية هذا النموذج من الأبطال الرومانتيكيين، وربما بموت المؤلف الرمزي، مستعيناً بالقفز الزمني عشر سنوات لتعزيز رؤيته. وتشير الإشارات الثقافية والاجتماعية داخل الفيلم، مثل عرض فيلم المولد (1989)، إلى أن الحكاية لم تعد تقع في اللحظة المفصلية نفسها كما في الرواية، وهي ثورة الغلابة/انتفاضة الخبز في 18–19 يناير/ كانون الثاني 1977، التي شهدت احتجاجات على رفع أسعار المواد الأساسية في مصر. أما في إمبابة، فيتزامن هذا اليوم مع موت العم مجاهد، بائع الفول، وهدم أول بيت بني من حيّ الكيت كات، في إشارة لتبدل ديموغرافيا المكان. ومع مرور عشر سنوات، تحولت هموم الفرد من الحفاظ على أرض الوطن إلى مواجهة أزماته، ما استلزم البحث عن بطل جديد قادر على تحمل وعثاء الرحلة.


عودة البطل الشطاري

انتصر داود لشخصية الشيخ حسني مدرس الموسيقى الكفيف، لتدور بقية الشخصيات في فلكه. ليس فقط لأنه أكثر الشخصيات دينامية في الرواية، بل لأنه يمثل جوهر مشروعه الفني؛ القدرة على البقاء في زمن متحول. ولأجل تحقيق هذه الغاية، كان عليه أن يزوده بكثير من الصلاحيات التي وزعها أصلان بين شخصياته بالتساوي. إذ استعار دور ورثة الحاج محمد موسى في الرواية، وصوت العم عمران ليفضح تاريخ الكيت كات التافه عبر ميكروفون تُرك مفتوحاً في عزاء العم مجاهد، وجرأة حسين عبد الشافي وهو يحمل جثة أبيه على عربة يد. ما يعني أن بطل داود حتى يؤدي دوره، احتاج إلى معاونة الكثيرين وفق رؤية أصلان، إنه محض تجميعات من شخصيات إمبابة التي بترها المخرج بمقصه الحاد.

ولعل حساسيته بمواضع البصمة الأصلية هو ما جعله يستبقي من الشخصيات المحذوفة ما يدل عليها. أما يوسف النجار، للمفارقة، حين فعل معه المثل؛ أي تكليفه بأدوار الشباب وتطعيمه بشخصيات أخرى كأن يكون عاطلاً بدلاً من حماده وفاروق في الرواية، أو خريج جامعة، أو حتى واحد من المتلهفين إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل، انفلتت ملامحه الأصلية من بين أصابعه، وبالتالي استغنى الفيلم عنه تماماً، لا لأن يوسف أخفق في أن يجذب الكاميرا، بل لأن داود أدرك أن زمنه انقضى.

لا يصبح الشيخ حسني بطلاً لأنه الأفضل، بل لأنه الأصلح للبقاء. فالفيلم لا يبحث عن بطل أخلاقي، بل عن بطل قادر على العيش في زمن متحوّل؛ وهو ما يفسر العودة إلى نموذج البطل البيكاريسكي، حيث لم تعد البطولة في الفعل العظيم، بل في القدرة على الإفلات.

عند هذه النقطة، تكتسب السينما سلطتها على تحريف النص. لكن يبقى السؤال معلقاً: من أين استمد داود سلطته في القفز بالزمن؟


حياتنا وإن طالت

في تصدير الرواية، كتب أصلان تنويهين. الأول: "لأنهم زعموا أنك تقعد بالقرب/ من مياه الجداول والغدران فإذا/ جفت أو غاضت استولى/ عليك الأسى وبقيت/ صامتاً هكذا وحزيناً". بوسعنا أن نحصل من المقطع السابق على أكثر من دليل، لأنه ببساطة، يفضي إلى تاريخ من التواتر بكلمة واحدة مثل "زعموا"، مجسّراً فضاءً غير مرئي بين رواة متعددين في أزمنة مختلفة كما هو الحال في الحكي الشفاهي المعتمد على النقل. فإذا بمالك الحزين وفقا لرواية أو روايات أخرى "مزعومة"، أو بمعنى أدق "متخيلة"، هو من يستولي عليه الحزن حين تغيض الجداول وتجف الغدران بحكم موقعه القريب من الخطر، مع ذلك لا يرحل بل يبقى ضاماً جناحيه مطأطئ الرأس على نحو يوحي بالهم والأسى. بهذا يتحول الكائن الهش إلى إشارة عما جرى في المكان بفعل الزمان، بحيث يكفي أن يقول "هكذا" الدالة على الحال، لنعرف أن ما سيروى علينا في الصفحات الآتية، وقعت أحداثه في السنوات العجاف، مادام طائرنا يجلس الآن صامتاً وحزيناً.

من هذا المنطلق يبدأ الفيلم بالشيخ حسني راوياً في زمن آخر، حيث يترنم بحكايته في جلسة أنس على العود، على نحو يستدعي رواة السير على الربابة وكأننا حيال حاضر أبدي، مادام طائرنا لم يبرح جلسته، حتى بعد عشرة أعوام من الجفاف.

أما التنويه الثاني، فيلخّص رؤية أصلان للفن: "يا ناثانيل/ أوصيك بالدقة/ لا بالوضوح". غير أن داود، على ما يبدو، لم يتمكن من حمل الأمانة، فانتصر للوضوح على حساب الدقة، معارضاً رؤية أصلان للمرة الثانية: مرة في نموذج البطولة، ومرة في ميل شخصياته إلى البوح والنهنهة وهو ما ينسف بتحفظ أصلان المحسوب. مع ذلك، حظي الفيلم كما حظيت الرواية باهتمامنا حتى هذه اللحظة، ما يؤكد أن تعارض الرؤى أو بالأحرى توازيها، لا يفسد للفن قضية.