وداعاً أحمد الطويلي.. كاتبٌ يسّر الدخول إلى مدينة المعرفة

وداعاً أحمد الطويلي.. كاتبٌ يسّر الدخول إلى مدينة المعرفة

17 يناير 2022
أحمد الطويلي في أمسية تكريمية في "نادي الطاهر الحداد"، 2018 (تصوير: حكيم زريّر)
+ الخط -

أتذكّر المرّةَ الأولى التي رأيتُ فيها اسمَ الكاتب التّونسي أحمد الطويلي (1942-2022)، الذي غيَّبه الموت في الثالث عشر من الشهر الجاري. يعود ذلك المشهد إلى أكثر من ثلاثة عقود، حيث انتقش اسمه على كتاب "الإمتاع والمؤانسة"، لأبي حيّان التوحيديّ في طبعة ميسّرةٍ، مختصرة عن تلك التي أنجزها أحمد أمين وأحمد الزين سنة 1939. طالعتْ أجيال عديدة من التونسيين، طلبة وتلاميذ، تلك الليالي المؤنسة، ولم نكن نعلم وقتها ما كان وراءها من جهد جَهيد في النشر والنقل والتبسيط من أجل إتاحة عيون التراث الأدبيّ لقارئيه من النّاشئة. فهل كلّ تَبسيطٍ خيانة تُشوّه العملَ وتقضي على عمقه؟

تؤكّد المسيرة العلميّة لأحمد الطويلي العَكس تمامًا، حيث وازن بين عمق التحليل وتبسيط المعلومات. يَفَع هذا الرّجل في رحاب مدينة القيروان العريقة حيث تلقّى تكوينه الأوّل، ثم أكْمله في أروقة المَعهد الصادقيّ بتونس العاصمة حيثُ أتقن اللسان الفرنسي، وكلّل ذلكَ كلّه بسنواتٍ خَصيبة في كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بتونس، حيث اغترف من كنوز التراث العربي عمومًا والتونسيّ خصوصًا، وتمكّن من كافة فُروعه المعرفيّة والتاريخيّة، فضلاً عن تضلّعه في الصّحافة.

تركَ الرّجل قرابة 130 مُؤَلفًا ما بين تحقيق علميّ وتَبسيط ودرس تاريخيّ وإبداع تخيّلي، بما يجعل من مَسيرته العامرة ظاهرةً، من المشروع أن نتساءَل عن طبيعتها ومناهجها، وهي التي امتدّت على أكثر من خمسة عقودٍ. وإذا ما أردنا تلخيصها في مبدأ جامعٍ، فسيكون تبسيطَ المعرفة التراثيّة، التاريخية والأدبيّة، وجعلها جزءًا معيشًا في خضم الحياة اليومية.

ترك قرابة 130 مُؤلفاً ما بين تحقيق ودرس تاريخيّ وإبداع

وقد تبدو هذه المهمّة في ظاهر أمرها سهلة. ولكنّها، عند التأمّل، دقيقة. ذلك أنّ الطويلي أخذ على عاتقه مهمّة إخراج الكتب التراثيّة من بروجها العاجيّة وتقريبها للناشئة في شكل مُبَسّط، وهو مجهود يَختلف جوهريًّا عن ذاك الذي نهض به مجايُله الباحث المصري عبد السلام هارون مثلاً، لأنه كان ينجز طبعاتٍ مبسّطة لتلك الكتب التي يعسر إيجادها في المكتبات العادّية، مثل "طوق الحمامة" لابن حزم و"مقامات السيوطي" و"الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيّان، فهو يلخّصها ويشذّبها، دون المساس بِجوهرها، جاعلاً منها كتبًا مدرسيّة، في متناول آلاف التلاميذ يطالعونها كأجزاء من المقرّرات الدراسيّة. 

ومن جهة ثانية، انصبّت جهودُه على تحقيق سائر النصوص التي تتعلّق بتاريخ تونس وحضاراتها، هذا القُطر الذي تَعاقبت على التفاعل فيه، منذ الفتح الإسلامي، أكثر من سبع دُول وعهود، آخرها العائلة الحسينيّة، أي: عائلة البايات ذوي الأصول التركية الذين سادوا حتى 1957، فضلاً عن الدولة الفاطميّة ذات التوجّه الشيعي، وقبلها دول كالصنهاجيّة والأغلبية.

وقد ازدان التاريخ الثقافي لكل عَصر من هذه العصور بتآليف العديد من الشعراء والكتاب والفقهاء، إلاّ أنَّ تراثَهم الثريّ هذا لم يُحقق كله، ولم يخرج إلى دائرة الضوء، بل بقي سجين المكتبات والمخطوطات النادرة. ولذلك أكبّ عليها الطويلي نافضًا عنها غبار القرون وكاشفًا بفضلها عن الكثير من تفاصيل الحياة الفكريّة لهذا البلد. وأهم أعماله في هذا الصدد تحقيق كتب أحمد بن أبي الضيّاف (1804-1874) ورسائله وحتى ديوان شعره، والجنرال حسين ومحمد الحشايشي وغيرهم من أعلام الفترة العثمانيّة الذين قادوا حركة تحديث البلاد.

وأما ثالث هذه الحقول فيتعلق بالحياة اليوميّة بالمعنى الذي نظّر له عالم الاجتماع الفرنسي ميشال مافيوزلي، فقد ركّز في الكثير من دراساته، مثل كتاب "في التراث الشعبي التونسي: عادات وأغان وأمثال في السياسة والفلاحة والمرأة"، على كل المظاهر التي ميّزت مستويات المعيش اليومي وتأثيرها، كدراسته للمَلابس والشارات والمواقع والمعالم الأثريّة، مع اهتمام خاصّ بالأعياد والمناسبات كاحتفالات المولد النبويّ التي يشرف عليها قادة البلاد، وطقوس شهر رمضانَ وعيديْ الفطر والأضحى، مما يجعل من هذه المباحث أقرب ما تكون إلى إثنوغرافيا أو أنثروبولوجيا تاريخيّة تستعيد الأنظمة الرمزيّة التي طوّرتها مجتمعات تونس لبناء خصوصيتها. كما سلط الطويلي الضوء على البنية الاجتماعية في تونس وما شهدته من عادات وتقاليد، كان زميله عثمان الكعاك قد أشار إليها. وتمثل هذه الأعمال ما يُشبه الموسوعةَ الكبرى لتاريخ تونس وحضارتها، كلّ كتاب يعرض عنها وجهًا مختلفًا بالاعتماد على الوثائق والصّفحات المجهولة.

أخذ على عاتقه مهمة تقريب الكتب التراثيّة للناشئة

ويظلّ الميدان الذي تألق فيه الطويلي كتابةَ السّير والتراجم، فقد خصّص أكثر من خمس وعشرين ترجمةً، أي سيرة تاريخيّة، لأهمّ الشخصيات التي حفل بها التاريخ التونسي الوسيط والمعاصر، مثل ابن خلدون وعلي الحصري القيرواني والطاهر الحداد وعثمان الكعّاك وغيرهم كثير، كاشفًا، في كل سيرة، ليس فقط عن نسيج الأحداث لحيواتهم، بل وعن تشابكها ضمن البنى السياسيّة والثقافية وتأثيرهم فيها وتأثرهم بها.

وقد يبدو للناظر في سلسلة أعماله أنها تقتصر على تونس، تاريخِها ورجالها، إلا أنّ هذا الوهم سرعان ما يتبدد حين نستذكر جهودَه الواسعة في إحياء الأدب العربي القديم والحديث على حدّ سواء، حيث خصّص دراسات مستفيضة عن أبرز الوجوه التي بَرعت في النثر الفني مثل الجاحظ أو الشعر مثل المتنبي والمعرّي.

كما قد تخللت مسيرة التحقيق التاريخي هذه ورافقتها أعمالٌ أدبيّة صرفة، من الخيال سداها، أسلوبها سَردٌ روائي سلس، بثَّ فيها خلجات قلبهِ وذكرياته وملاحظاته، لا سيما أثناء ترحاله الواسع في أقطار الأرض، فقد اشتغل الراحل أستاذًا زائرًا في كل من قطر وكوريا الجنوبيّة وغيرهما، دوّن خلالها انطباعاته في صدق وألمعية، مثل كتاب "من سيول إلى سنغافورة، رحلة إلى عشرة بلدان في الشرق الأقصى"، فكانت رحلاته تلك فرصة لمقارعة الثقافات البعيدة بما لديه من رصيدٍ معرفيٍّ.

الصورة
الامتاع والمؤانسة

وقد أُخِذ على أحمد الطويلي تبسيطُه للمعارف وعدم التعمّق في درس الظواهر بمنهجٍ صارمٍ، واكتفائه فيها بالسرد والعرض. والمَأخذ وجيهٌ في حالة واحدةٍ: إذا ما اعتبرنا أنَّ الهدفَ من الأبحاث التاريخية هو التحقق من أدقّ دقائق التفاصيل التي لا تهمّ إلا أهل الاختصاص. وأما إذا كان العمل موَجّهًا إلى الجمهور العريض وهادفًا أساسًا إلى إخراج نصّ قديم من ظلمه العَدَم، وإتاحته إلى أكبر عدد من القراء، فإنّ هذا المأخذ لا يَصمد.

قرّر الرّجل، بوعيٍ واختيارٍ، ممارسة المعرفة الميسّرة والانحيازَ إلى التبسيط، تاركًا النّصوص تنطق بذاتها عما في خباياها بعد أن يستجلبَها من كنوز التراث ويوفّرها للقارئ غير المتمكن حتى يحيطَ بموضوعه سريعًا.

ولا شك أنّ ما قام به صاحب " قسمة وطرح" ليس سوى حجر أساس في إظهار رَصيد ضخم ووضعه في متناول الباحثين. ومَن أراد منهم التعمق في جانب من الجوانب، فالمجال متسعٌ. ويكفيه أن يسّر الدخول إلى مدينة المعرفة.


* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون