وجيه كوثراني وتداخل الخطابات المعرفية

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:06 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يطرح الكتاب رؤية نقدية للتخصصات العلمية، مشيراً إلى تداخل المعارف وتكامل الفلسفة والتاريخ منذ اليونان القديمة، حيث استخدم الفلاسفة التجربة التاريخية لتطوير نظرياتهم.
- يتناول الكتاب العلاقة بين الفلسفة والتاريخ في الثقافة العربية الإسلامية، مسلطاً الضوء على ابن خلدون الذي جمع بين الفكر الفلسفي والتاريخي، مشيراً إلى أن غياب المؤسسات العلمية أعاق تطور مشروعه.
- يناقش الكتاب تطور فلسفة التاريخ في أوروبا، بدءاً من فولتير، ويبرز صعوبة اختزال التاريخ في منظومة حتمية، مشيراً إلى أن تعقيد الظواهر الاجتماعية يتطلب تعدد المناهج لفهم الإنسان.

في عالم تتزايد فيه التخصصات العلمية، ويصبح كل فرع معرفي معزولاً عن الآخر، يرى الباحث اللبناني وجيه كوثراني في كتابه "التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية في إشكالية التداخل بين التخصصات" (دار الرافدين، 2025)، أن هذه المعارف ليست خطابات مستقلة، بل شبكات متداخلة تحددها القوى التي تنتج المعايير وتضبط ما يمكن قوله. وهكذا يصبح التكامل ليس مجرّد توسيع للأدوات، بل عملاً نقدياً يفضح البنى السلطوية الكامنة خلف كل تفسير.

ينطلق القسم الأول من جذور الفكر الغربي في اليونان القديمة، حيث لم يكن هناك فصل واضح بين الفلسفة والتاريخ. يوضح الكتاب كيف استخدم أفلاطون التجربة التاريخية والسياسية لتأسيس نظرياته الأخلاقية و السياسية، بينما اعتمد أرسطو على الملاحظة الواقعية للأنظمة السياسية لتطوير مفاهيمه العامة. أما المؤرخون مثل هيرودوت وتوسيديد فلم يكونوا مجرد جامعي أخبار، بل قدّموا مادة أولية للفلاسفة، ما يدل على أن التاريخ كان حاضراً في صلب الفلسفة منذ البداية.

حين ينتقل الكتاب إلى العصر الإسلامي الكلاسيكي، يعرض لخصوصية العلاقة بين الفلسفة والتاريخ في الثقافة العربية الإسلامية، متحدّثاً عن "القبب المعرفية الأربع" كما صاغها طريف الخالدي. ومن بين الأسماء المركزية يبرز ابن خلدون، الذي يُخصّص له الكتاب دراسة معمّقة، ففي الوقت الذي ركز فيه بعض الفلاسفة مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد على الفكر الفلسفي دون دمجه مع التاريخ، كان ابن خلدون الاستثناء الأبرز، إذ جمع بين الفكر الفلسفي والتاريخي، داعياً إلى تحليل الخبر التاريخي وفهم باطنه وأسبابه الطبيعية، وهو ما يجعله أول فيلسوف للتاريخ في الفكر الإسلامي من وجهة نظر غربية.

ورغم أن ابن خلدون يُقدّم غالباً بوصفه استثناء في الفكر الإسلامي، لكونه ابتكر تحليلا سببياً للتاريخ لم يقدّمه غيره من الفلاسفة، إلا أن مشروعه لم يكن معزولاً تماماً؛ فقد استند إلى مناهج نقد الخبر في العلم الحديث، وإلى أدوات الفقه والأصول، وإلى التراث الفلسفي وتجربته السياسية الواسعة. ومع ذلك، لم يتحوّل عمله إلى مدرسة معرفية، بسبب غياب مؤسسات علمية تستوعب منهجه النقدي، وضعف الاستقرار السياسي، وعزلة ابن خلدون العلمية، فضلاً عن فكرة "علم العمران" كانت متقدمة على شروط عصره. ومن هنا يتضح أن الفلسفة التاريخية لا تنشأ في فراغ، بل تحتاج إلى بيئة معرفية ومؤسسية تسمح بتراكم التفكير النقدي واستمراره، وهي شروط لم تتوافر بالقدر الكافي في السياق الإسلامي الكلاسيكي.

أوروبا: العقلانية، الإصلاح، والنهضة العلمية

يشرح كوثراني كيف ساهم الانتقال المعرفي من الحضارة الإسلامية إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية في تمهيد الطريق للنهضة. هنا، تأخذ الفلسفة والتاريخ طابعاً جديداً، حيث أصبح الموضوع متعلّقا بالتركيز على الإنسان والأنسنة، وإعادة النظر إلى التراث اليوناني- الروماني. 

في هذا الصدد يُعد فولتير أول من استخدم مصطلح فلسفة التاريخ في كتابه" مقالة في أخلاق الأمم وروحها". حيث رأى أن التاريخ ينبغي أن يكتبه الفيلسوف ليستخلص منه العبر والدروس الكبرى، وأن المؤرخ الحقيقي هو من يركز على التحولات الحضارية والعلمية لا على الوقائع الجزئية. فالتاريخ عنده أداة لتنوير الإنسان والمجتمع. 

لم يكن هناك فصل واضح بين الفلسفة والتاريخ لدى اليونان

يوضح الباحث أن هذا المفهوم قد أتى في الواقع وكما تشير الدلائل من التأثر بفلاسفة الأنوار الذين نشأوا في مناخ العقلانية والتجريب العلمي في القرن السابع عشر بفضل أعمال ديكارت وبيكون ونيوتن. وقد أدى هذا المناخ إلى تصور جديد للتاريخ يقوم على السببية والتقدم والقوانين، حيث أصبح التاريخ وسيلة للنهضة والتربية العقلية يجمع فيها المفكر بين المعرفة الواسعة والروح الإنسانية التنويرية. 

غير أن العقلانية الأوروبية نفسها لم تكن بريئة. فهي وإن حرّرت الفكر من هيمنة الكنيسة، فقد أسّست في المقابل نوعاً جديداً من السلطة: سلطة العقل بوصفه معياراً أوحد للحقيقة.

فلسفة التاريخ: من فيكو إلى نيتشه

في القسمين الثاني والثالث من الكتاب تفتح فلسفة التاريخ الأوروبية نقاشاً واسعاً حول معنى التاريخ وطرائق فهمه. فمع فيكو يظهر التصوّر الدوري للحركة التاريخية، بينما يشكّل هيغل نقطة انتقال حاسمة حين يقدّم التاريخ بوصفه تجلّياً للعقل أو الروح وهي تتقدم نحو الحرية. يتحوّل الاهتمام هنا من وصف الوقائع إلى البحث عن قانون يحكمها؛ ثم يعيد ماركس صياغة هذا القانون على أسس مادية، بحيث يصبح صراع الطبقات هو القوة الدافعة لمسار التاريخ. هذا التحوّل يثير جدلاً حول ما إذا كان التاريخ يخضع بالفعل لبنية تفسيرية كبرى، أم أنّه نتاجُ لتعقيدات اجتماعية واقتصادية لا يمكن ردّها لقانون واحد؟

غير أن القرن التاسع عشر فتح مستوى آخر من النقاش، إذ تطرح تساؤلات حول مشروعية هذا التفاؤل العقلاني. يضيء شوبنهور في هذا الصدد، الإرادة العمياء ومعاناة الوجود، ويذهب نيتشه أبعد، منتقداً الثقة المطلقة بالعقل والدولة والتقدم. بذلك يحوّل النقاش من البحث عن قانون للتاريخ إلى مساءلة فكرة التقدم نفسها.

تُظهر مناقشة هذه الأسئلة أن محاولة إخضاع التاريخ لقوانين عامة، كما فعل هيغل وماركس، كانت ثمرة الرغبة في محاكاة نموذج العلم الطبيعي، غير أن طبيعة التاريخ الإنسانية المفتوحة والمتعدّدة تجعل من الصعب اختزاله في منظومة حتمية واحدة. فمع أنّ الفلسفة تسعى إلى تقديم رؤية كلية تمنح الأحداث معنى واتساقاً، إلاّ أن التاريخ نفسه يقوم على الإرادة والتأويل وتداخل الدوافع والصدف، ما يجعل القراءة تفسيراً لا حقيقة نهائية. ومن هنا تنشأ الأزمة المعرفية في فلسفة التاريخ: فالفلسفة تحتاج إلى قدر من الانتظام لتستنبط حكماً عاماً، بينما الوقائع التاريخية تقاوم هذا الانتظام وتكشف حدود العقل عندما يحاول تحويل الزمن الإنساني إلى قوانين صارمة. ولهذا اتجهت الفلسفات اللاحقة إلى رفض الحتمية، معتبرة أن دور الفلسفة ليس فرض قانون على التاريخ بل فهم معناه الممكن في ضوء تعدّد سياقاته البشرية.

يُعدّ فولتير أوّل من استخدم مصطلح فلسفة التاريخ

هذا الجدل يمهد حسب الباحث الطريق لنظريات القرن العشرين، كالوجودية والتحليل النفسي والنقد الثقافي، التي حاولت إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والمعنى والواقع.

بين التخصص والتكامل

يقدّم الكتاب نقاشاً تحليلياً مركّباً حول الثنائية التي شغلت العلوم الاجتماعية منذ القرن التاسع عشر: التخصص مقابل التكامل. ولا يطرح الكتاب المسألة بوصفها سجالاً منهجياً فحسب، بل بما هي تحوّل في فهم الانسان والظاهرة الاجتماعية.

ففي قراءته لاتجاه دوركهايم، يبرز الباحث كيف سعى هذا التيار إلى ترسيخ استقلال علم الاجتماع عبر فصل منهجي واضح عن الفلسفة والتاريخ. هذا الطموح، كما يوضّح الكتاب، لم يكن مجرّد خيار تقني بل كان تعبيراً عن رغبة العصر الصناعي في بناء علوم دقيقة تُعامل المجتمع كما تُعامل الطبيعة، وفق قواعد قابلة للقياس والاختبار. غير أن هذا التوجه الاستقلالي، بالرغم من صرامته، يثير سؤالاً حول حدود العلم حين يُعزل الإنسان عن أبعاده الرمزية والتاريخية.

في المقابل، يعرض الكتاب الاتجاه التوليفي كما تجسّده أعمال ماكس فيبر وهنري بير، ليظهر أن العودة إلى التاريخ والفلسفة والدين ليست تراجعاً عن العلمية، بل اعتراف بتعقيد الظواهر الاجتماعية. 

وتأتي قراءة الباحث للمدرسة الفرنسية للحوليات ومدرسة فرانكفورت لتعمّق الطرح. حيث يظهر أن العلوم الاجتماعية، رغم حفاظها على أدوات تخصصية دقيقة، اتجهت إلى مزيد من الشمولية لفهم الإنسان داخل بنياته الثقافية والسياسية والرمزية. وهكذا يصبح سؤال العلاقة بين التخصص والتكامل سؤالاً عن حدود المعرفة نفسها: هل يمكن تفسير الظواهر الإنسانية بمنهج واحد، أم أن طبيعتها المركبة تفرض تعدّد المناهج؟

* كاتب وشاعر من المغرب

المساهمون