وجوه التاريخ "في مهبّ النكبة اللبنانية" لأحمد بيضون

16 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 05:06 (توقيت القدس)
من صفحة دار النشر على فيسبوك (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يغطي كتاب أحمد بيضون "في مهبّ النكبة اللبنانية، أشواط ووقفات" تأثير النظام الطائفي في لبنان، حيث تسيطر الطوائف المهيمنة على الوزارات، مع بروز قوى مثل حزب الله بعد حرب 2006، ويستعرض حركة 17 تشرين وتأثير القوى الطائفية عليها.
- يناقش الكتاب السجالات التاريخية حول التعايش والزواج المدني وكتاب التاريخ، مع التركيز على نظرية العنف اللبناني كما في كتاب سمير فرنجية.
- يتناول الكتاب حركة "لبنان الاشتراكي" في الستينيات، وتحول البعثيين إلى الماركسية، وتأسيس منظمة العمل الشيوعي، مما يعكس تعقيدات التاريخ الثقافي والسياسي في لبنان.

يغطي كتاب أحمد بيضون "في مهبّ النكبة اللبنانية، أشواط ووقفات"، الصادر عن دار رياض الريس، في صفحاته الخمسمئة والسبع والعشرين، عقداً ونصفَ العقد كما ورد في تقديمه، في اثنتين وستين مقالة توزّعت على خمسة مجالات جرى تعريفها في التقديم، بأنها بين بنيوي يتناول النظام، وحركي يعرض لأحوال البلاد، وثالث لمسائل وقضايا عرضت فيها، والرابع لأعمال مؤلّفين، والخامس من الخبرة الشخصية التي تُزاوج بين أجزاء من سيرة شخصية وسياسية.

نحن هكذا، وبمجرد المرور على اثنين وستين عنواناً، في دوامة عقد ونصف العقد حافلة بما يقرب من معظم المسائل والوقائع والمجالات التي خاضتها، أو وصلتها من زمن أبعد. الكتاب لذلك هو كتاب مرحلة، فيه نستظهر كلّ ما عرض في زمن ليس عادياً، بل هو، في تفاصيله هذه، يقرب من أن يكون افتضاحاً كاملاً وتاريخاً أسود وانكشافاً دامغاً. أي أن الكتاب، في تواليه وأجزائه، يجمع بين التاريخ وتحليله ونقده. فلسنا أمام أي وقت، إنه الوقت الذي نستشفّه في العودة إلى العناوين، التي هي أحياناً كثيرة أحكام وخلاصات: "المحال نظاماً للحكم"، و"حلقة الأنصاف المفرغة"، و"المناهبة أو البنية السياسية لدولة نحو الإفلاس"، و"الدولة الضحلة"، و"نقد الحرب، استبقاء خطّ التماس"... إلخ. الكتاب إذ يعالج واقعاً كارثياً يسمّيه نكبة، يصارح بما فيه، بل يراه من أقصاه وأكثره استعصاءً. لكن سبيله إلى ذلك بناءٌ متين، معالجة سلسلة لا تمانع من أن تقف عند نهايات صاعقة، يخدمها في ذلك لغة وأسلوب، لا نغالي إذا وصفناهما بالإشراق والقوة الآسرة.

نكبة تستدعي سجالات سبقتها حول التاريخ والتعايش والزواج المدني

في "مائة عام من النظام الطائفي، أوج التفعيل وأوج التعطيل"، نرى كيف صار للطوائف المهيمنة حق نقد طائفي، وصار للطائفة استفراد بوزارة، ولم تعد هناك مؤسسة أو مجال في الدولة بمنجاة من النظام الطائفي. سنرى أيضاً كيف صار لطائفة الشيعة جيش خاص، وكيف راح هذا الحزب بعد حرب 2006 يستعرض قوّته المسلّحة، ويقوم بردع أي قرار أو موقف لا يوافق خطّه. ذلك وضع لا يحول دونه الميثاق الوطني، الذي له أيضاً تاريخه الزائف، ولا تنجح في مجابهته حركة 17 تشرين، التي هي حصة لبنان من الربيع العربي، فهذه الحركة التي قامت من جميع الطوائف، وضمّت نخباً ممانعة للطائفية، لم تعدم أن تتسلل إليها قوى طائفية، لعبت في الأمر على طريقتها.

هذا كله ينتهي بأن يكون المحال نظاماً للحكم، ونصير إلى انتظار يسمُه الرعب، ونتأمّل مستقبلاً داكناً "بعينين مفتوحتين"، ونخضع لاغتيال سياسي قد تكون الدولة فاعلاً فيه، وقد يكون وسيلة إلى تعديل التوازن في البلاد. هكذا نخوض في أوضاع ليس أمامها سوى الكارثة المفتوحة، ولا تمنع من ذلك "المكابرة بفرضية الانتصار". أوضاع تستحيل فيها المناصب بنية سياسية، وتبقى فيها الحرب الأهلية معلنة أو مضمرة، لائحة، وخط التماس باقياً.

تستدعي النكبة السجالات التي سبقتها، وبقيت مع ذلك من حواضرها، كذلك السجال حول الزواج المدني، وذلك السجال عن كتاب التاريخ، وما يدعى الصيغة اللبنانية، صيغة التعايش الوطني المغدور، وما سبق ذلك من نظرية تحيل للجغرافيا أمومة التاريخ، كما جاء في فكر أنطون سعادة، وما تبعه، لكن بصيغة لبنانية، من جواد بولس. لن يكون باب المؤلفات بعيداً، كتاب سونيا فرنجية "وطني دائماً على حق" الذي تناولت فيه سيرة والدها رئيس الجمهورية اللبنانية في حينه. لكن لبيضون وقفة أطول عند كتاب سمير فرنجية "الإياب من أقاصي العنف" الذي يبني على محاكاة الرغبة وكبش الفداء عند رينيه جيرار، بحثاً عن نظرية للعنف اللبناني.

لا يتذكر "لبنان الاشتراكي" اليوم إلا القليل، تلك الحركة التي قامت في ستينيات القرن الماضي، وكان بيضون من مؤسسيها. كانت تلك في أساسها، "كما يروي، من بعثيين قدامى زلزلهم انفصال الوحدة المصرية ـ السورية، مع أمور أخرى، فانقلبوا إلى الماركسية. كان هؤلاء، وأكثريتهم من الشيعة، نخباً أتقنت لغتين في الأقل، واتصلت بالثقافة الغربية، الماركسية والبنيوية وعلم النفس. كانت نخباً شاعرة بتفوقها، وبخاصة على الأحزاب الشيوعية الفقيرة نظرياً. هذا التفوق صار ركناً في مسار أفرادها وبنيانهم، لكن ذلك أفضى إلى عزلة وفقر في الممارسة، وحتى انعدامها. كما كانت نكسة عام 1967 وما تلاها من دخول المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، وضعاً زادها تهميشاً، أمر حاولت مغالبته بالوحدة مع "منظمة الاشتراكيين اللبنانيين" المنحدرة من حركة القوميين العرب.

هذه الوحدة، التي أثمرت تنظيماً هو منظمة العمل الشيوعي، كانت كما يقول بيضون انتحاراً، سرعان ما بدت آثاره في خروج كلّ من "لبنان الاشتراكي" من التنظيم الجديد، لدى أول عقبة، أو مواجهة داخلية. قد يكون "لبنان الاشتراكي" منسياً اليوم، لكن في نص أحمد بيضون ما يمكن أن يكون خطة لقراءة تاريخ الثقافة في لبنان، وهو ليس نافلاً في تاريخ البلد كله. عقد ونصف من زمن موغل في الاضطراب، حاضر بحوادثه وما يتفاعل فيه، وما يدور حوله من أفكار وردود. هكذا يملك كتاب أحمد بيضون بمقالاته الاثنتين والستين مسارا موصولاً، ودرجة من التقارب والتكامل، مع تعدد الوجوه والزوايا، مما يجعل منه كتاباً واحداً.


* شاعر وروائي من لبنان

المساهمون