وثائق تأسيسية في نيويورك تحتفل بمرور 250 عاماً على استقلال أميركا

21 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 16:45 (توقيت القدس)
أحد الأعمال الفنية في المعرض (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تُعرض في مكتبة نيويورك العامة نسخة نادرة من وثيقة إعلان الاستقلال الأميركي بخط يد توماس جيفرسون، تحتوي على مقاطع محذوفة تدين تجارة الرقيق، مما يعكس التناقضات والانقسامات السياسية والاجتماعية المستمرة.
- يمتد المعرض عبر ثلاثة طوابق ويعرض وثائق تاريخية وفنية، مسلطًا الضوء على تاريخ الاحتجاجات في الولايات المتحدة، مع أجزاء تفاعلية تدعو الزوار لتدوين رؤاهم حول القضايا المطروحة.
- يضم المعرض أعمالاً فنية تعكس تاريخ الولايات المتحدة وتناقضاتها، مثل أعمال بابو كولو وسارة سينس، مما يظهر أن الحرية والمساواة لا تزالان حلماً بعيد المنال للكثيرين.

واحدة من النسخ النادرة والمختلفة لوثيقة إعلان الاستقلال الأميركي، المكتوبة بخط يد توماس جيفرسون، ثالث رؤساء الولايات المتحدة، الذي صاغ معظم نص الإعلان، ستعرض لعدة أيام بسبب حساسيتها للضوء، في معرض "إعلان أميركا: 1776 وما بعد" الذي افتتح في منتصف الشهر الماضي في مكتبة نيويورك العامة ويتواصل حتى العاشرة من يناير/ كانون الثاني 2027.

تكتسب النسخة المعروضة أهميتها لأنها مكتوبة بخط يد جيفرسون، وهي تضم سطوراً حُذفت من الصيغة النهائية التي أقرها الكونغرس القارّي عام 1776، عند إعلان استقلال المستعمرات الثلاث عشرة عن التاج البريطاني. أما الجزء الذي تتضمنه فحُذف من الصياغة النهائية لكنه في هذه النسخة، يتضمن مقطعاً يدين تجارة الرقيق. وكان هذا الحذف يهدف إلى إرضاء المندوبين عن ولايتي جورجيا وكارولاينا الجنوبية. ومن خلال هذا التفصيل المهم، أراد القائمون على المعرض أن يفتحوا الباب للوقوف على التناقضات التي رافقت تأسيس الولايات المتحدة الأميركية على أكتاف السكان الأصليين والمستعبدين. ويُظهر المعرض أن الكثير من الانقسامات والتناقضات والمساومات السياسية التي رافقت تأسيس البلاد لا تزال تنعكس بطرق عدة في المشهد الأميركي السياسي والاجتماعي. 

وبحسب المعرض، فإن انزعاج جيفرسون من بعض التعديلات على النص قبل المصادقة عليه قاده إلى إعداد مجموعة من النسخ مكتوبة بخط يده، تشمل النص الأصلي والأجزاء المحذوفة، ووزعها على بعض أصدقائه. والنسخة المعروضة في مكتبة نيويورك هي واحدة من النسخ النادرة الباقية. وهذا التناقض الأخلاقي والسياسي رافق جيفرسون نفسه، الذي كتَب في الوثيقة: "جميع البشر خُلقوا متساوين"، وأدان العبودية في مسودة الإعلان، لكنه بقي يطبّق نظام الاستعباد، وامتلك أكثر من ستمئة شخص مستعبَد طوال حياته.

تُعرض نسخة من وثيقة الاستقلال تحوي المقطع المحذوف حول الرقيق

يقام المعرض بمناسبة احتفال أميركا الرسمي بمرور 250 عاماً على إعلان استقلالها عن بريطانيا، وتطفو مجدداً قضية نص وثيقة الاستقلال، الذي ما زال يثير أسئلة تتشابك مع الحاضر الأميركي وانقساماته السياسية والاجتماعية، وإن ارتدت ثوباً مختلفاً. 

جانب من الوثائق التاريخية (من المعرض)
جانب من الوثائق التاريخية (من المعرض)

يتوزع المعرض على ثلاثة طوابق (أجزاء منها) داخل مبنى المكتبة المركزية في مانهاتن، ويأخذ الزائر عبر حقبات تاريخية مختلفة على مدى مئتين وخمسين عاما أعقبت الإعلان. وتشمل المعروضات وثائق ورسائل ومخطوطات تاريخية، إلى جانب مقتنيات مختلفة متعلقة بالاحتجاج، بوصفه جزءاً من تاريخ هذا البلد، فضلاً عن اللوحات، والأعمال الفنية والموسيقية، وغيرها. ويرسم هذا التنوع، عبر العقود، ملامح متنوعة للهويات الأميركية وانعكاساتها على الحياة اليومية، والسياسية، والاجتماعية، والفنية. كما يشمل المعرض أجزاءً تفاعلية يدعو فيها الزائرين إلى تدوين رؤاهم ومشاعرهم حول تلك القضايا.

لا يخشى المعرض الدخول في التناقضات التي تلف المجتمع الأميركي والصراعات الداخلية، ويحاول أن يسلط الضوء عليها، ويترك المجال للزائر كي يرى ما يريد. وفي واحدة من القاعات التي تتناول التاريخ القريب للولايات المتحدة وتناقضاته، هناك قسم مخصص للاحتجاجات، يشمل شعارات وملصقات وصوراً وتوثيقاً لحركات اختلفت توجهاتها السياسية والاجتماعية.

يظهر المعرض أن الحرية كانت وما زالت حلماً بعيد المنال لأميركيين كثر

واحد من تلك الملصقات يُظهر رجلاً أسود يرفع يده بعد أن كسر السلاسل التي تكبله، وكُتب عليه: "السلطة للشعب"، وأُنجز في سبعينيات القرن الماضي من قبل "لجنة الدفاع عن الـ 21 من حزب الفهود السود"، وهي حركة دعم تأسست عام 1969 بعد اعتقال 21 عضواً من "حزب الفهود السود" في مدينة نيويورك، وتوجيه تهم إليهم بـ"التآمر لتنفيذ تفجيرات وأعمال عنف أخرى". وتمثل عمل اللجنة في عدد من الأمور، من بينها جمع الأموال لتغطية تكاليف الدفاع، ونشر الوعي والدعم بين الأميركيين حول تلك القضية، والتأكيد على أن الاتهامات جاءت لأسباب سياسية، إلى جانب أنشطة أخرى.

وتُعد هذه المحاكمة واحدة من أبرز المحاكمات السياسية في ذلك الوقت، حيث فشل الادعاء في مدينة نيويورك في إثبات تهم التآمر، كما تُظهر العنصرية المتجذرة، ولا سيما ضد السود، في كثير من المؤسسات الأميركية.

جانب من الأعمال الفنية (من المعرض)
جانب من الأعمال الفنية (من المعرض)

أما في القاعة الثالثة من المعرض، فتتوزع مجموعة من الأعمال الفنية المثيرة التي تناولت تاريخ الولايات المتحدة وثيمات مختلفة من الوعود التي قطعتها وثيقة الاستقلال الأميركية بشأن المساواة والحرية. وأحد تلك الأعمال البارزة للفنان البورتوريكي بابو كولو (1946) يحمل عنوان "أميركا أميركا"، وأُنتج عام 2009. يستحضر العمل العلم الأميركي وألوانه مبرزاً إياها بقوة، ليعكس التوتر الكامن فيها؛ إذ يغطي القماش وجهي شخصين يتجاذبان يداً بيضاء وأخرى سوداء يتوسطهما خيط ذهبي. ويرى النقاد أن ارتداء الشخصين للبدلات الرسمية يجسد مفهوم "الحلم الأميركي". ويشعر متأمل العمل بنوع من الاختناق الذي قد تشعر به الشخصيتان اللتان يلفهما القماش ويضغط على وجهيهما، بحيث لا يترك لهما مكاناً للتنفس. ويعيد العمل، في سياق المعرض، طرح السؤال عن ماهية أميركا، وعن أي أميركا نتحدث؟

أما عمل سارة سينس (مواليد 1980)، وهي من السكان الأصليين، فيتمثل في عمل فوتوغرافي أُنجز ضمن سلسلة من الدراسات البصرية لسلال تقليدية من صناعة السكان الأصليين (شعب الشيتيماشا في ولاية لويزيانا). وفي هذا العمل، تنتج الفنانة صوراً فوتوغرافية طُبعت على ورق البامبو وورق الأرز، ثم تقوم بقصها على هيئة شرائط عمودية، وتعيد نسجها لتستحضر صناعة تلك السلال التقليدية. وفي هذا العمل تحاول سينس إعادة نسج المعرفة الأصلية، والتذكير بتهميش السكان الأصليين وتاريخهم وفنونهم. وبذلك تسلط الضوء على جزء من ذاكرة السكان الأصليين، ومحاولة النسج في مواجهة محو الهوية ومحو شعوب قاومت، على الرغم من إبادة أعداد كبيرة من السكان الأصليين.

الصورة
عمل للفنان البورتوريكي بابو كولو (من المعرض)
عمل للفنان البورتوريكي بابو كولو (من المعرض)

لا يكتفي المعرض بتسليط الضوء على سرديات التاريخ الأميركي وتضادها منذ مئتين وخمسين عاماً لإعلان الاستقلال، بل يبتعد كذلك عن الاحتفالية العمياء بذلك التأسيس. وفي الوقت الذي تحتفل به المؤسسة الأميركية الرسمية بذلك الإعلان بوصفه رمزاً "للحلم الأميركي" للمساواة والسعادة والازدهار يبقى المعرض مسافة صحية تظهر أن تلك الحرية كانت وما زالت حلماً بعيد المنال للكثيرين في هذا البلد.