هايكو من ثلاث كلمات: ما تسعى إلى قوله القصيدة

27 أكتوبر 2020
الصورة
محمد القاسمي/ المغرب
+ الخط -

صافيةٌ 
مثل قصيدةٍ
بيضاءْ

لو أخذنا هذه الكلمات كلّ واحدة على حدة، وتركنا "مثل"، هذه الكلمة المشجب جانباً، وقلنا على التوالي؛ "صافية ".."قصيدة "..." بيضاء "، لوجدنا مبدئياً أنها ممّا يُستخدم في العالم من حولنا. شائعة وحاضرة، جزء من اللغة العامة. ولكنها تغادر هذا الحضور المشاع ما أن تتركّب وتتوالى بهذه الطريقة المرئية على الورق، تنتقل إلى عالمٍ آخر، تؤدّي وظيفةً أُخرى في كونٍ مجهول، تصير جزءاً منه وهي ترسمه في الوقت ذاته. حتى كأنها تتجاهلنا كقرّاء، تماماً كما تتجاهلنا خربشات على جدار نمر بها. إنها لا ترسم دلالةً جاهزة، أو ترجع إلى إشارات تقوم بتركيبها، بل تسعى إلى دلالة غير معروفة، إلى الكشف عن عالم ٍ مجهول وغامض. إنها تستبدل المجهول بالجاهز وغير الزمني بالزمني. من هنا لا أستطيع أن أُحدّد بالضبط ما هي هذه الصافية؛ هل هي امرأة؟ هل هي مدينة؟ هل هي ليلة؟ هل هي مجرّد ذكرى؟ مئات الاحتمالات تتداعى إلى الذهن. كذلك الأمر بالنسبة للكلمتين: قصيدة وبيضاء. 

في العالم المعروف، قد تكون القصيدة جميلةً أو رديئة، طويلة أو قصيرة، ولكن القصيدة هنا "بيضاء"! هنا انتماءٌ وتوقٌ إلى مشاعر جديدة ودلالات جديدة. قد تعني البيضاء أنها لم تُكتَب بعد، أو أنها بكرٌ لم يفترعها شاعر، أو هي فكرةٌ لم تولد بعد. وجود بالقوة لا بالفعل.

هل هذه "الصافية" موجودة بالقوّة أم بالفعل؟ مسألة ملتبسة ومحيّرة. قد تتولّد دلالاتٌ أو معان في ما بعد من نسيج هذا التركيب لم يألفه العالم الذي نعيشه. المخيّلة هنا ترتاد مجهولاً هي ذاتها لا تعرفه مسبقاً، وقد لا تعرفه إلا بغموض، ولكنها تترجرج.

يفاجئ نص الهايكو شاعره أحياناً قبل أن يفاجئ القارئ

أين مكان هذه القصيدة وزمانها؟ لا زمان لها، لا تعلّقَ لها بزمن محدّد، إذ لا توجد فيها حركة، ولا تعلّقَ لها بمكان، ليس هناك شيءٌ تُنسب إليه هذه الصافية وهذه القصيدة وهذا البياض. إنها تركيبٌ كأنما قيل خارج الزمان والمكان، أو هي سعيٌ إلى قول شيء يتجاوز المكانَ الذي يمحو المكان، والزمانَ الذي يمرّ صامتاً. شيءٌ خالد وراسخ أبعد من الزوال. شيءٌ يتعلق بكينونة الأشياء. محاولة لاكتشاف كينونة أُخرى خارج المكان والزمان اللذين يعنيان العدم في نهاية الأمر.


*


كذلك هو الأمر حين تذكر أشياء، مثل حديقة أو شجرة أو غابة. أنا لا أفكّر بها كما هي في لحظةٍ معيّنة تحت هذه الشمس الأرضية، بل بوصفها أشياء من أزمان مختلفة. إنها ليست إلا تركيباً من حدائق الماضي والحاضر والمستقبل. لهذا يبدو الزمان ملتبساً أيضاً، فلا هو ماض ولا هو حاضر ولا هو مستقبل. هناك تجنبٌ لأفعال "سوف" و"سيكون" و"كان". هنا لا يمضي شيءٌ بل يحضر شيءٌ في لحظة ما. هنا حضور. هنا تجنّبٌ لحروف الوصل والربط بقدر الإمكان، اختزالٌ تقوم الكلماتُ فيه منفردة، يسند بعضها بعضاً، مختزلة تشبه ضرباتِ فرشاة رسّام كأنما في فضاء، يكتفي منها بخطٍ أو خطين، لطخة لون أو لونين، إلى أدنى حدٍ ممكن.

تكون القصيدة نزيهة حين تمنح نفسها للمغامرة في كون مجهول

هنا الوضوح ليس هدفاً، لا الحديقة ولا الشجرة ولا الغابة هي الأهداف، وهناك لا القصيدة ولا الصافية ولا البيضاء هي الأهداف، بل ما يتشكّل بين الكلمات، أي العلاقات غير المرئية التي تشدّ بعضها إلى بعض. هناك وقفة أو قطعٌ مفاجئ، إحداثُ فجوةٍ توتّر القصيدةَ، تُثير فيها المتضادّات، وُصولاً إلى هذه الحالة المحالة؛ علاقة الشيء بالشيء وليس الشيء ذاته. الأشياءُ المذكورة لا يتوقّف الذهن أمامها، إنه يرتبك ويتشوّش وينظر إلى ما وراءها أو تحتها. إنه منساقٌ إلى طريقة التلقّي لأن الشاعر حذف التفسير والمعاني الجاهزة، واختار ألّا يقول سوى ما تقوله القصيدة، ما ستأتي به. لهذا تفاجئ القصيدة شاعرها أحياناً قبل أن تفاجئ القارئ.


النص خلاصة تجربة شاسعة متعدّدة الأبعاد زمنياً، تتردّد فيه أصوات آلات موسيقية تنتمي إلى الماضي والحاضر والمستقبل. أصوات الجنس البشري ربما. ليس تسجيلاً لما تمّ، بل لما سيأتي لاحقاً بعد تفاعل وتركيب الكلمات. في التجربة لا نعرف ما سيحدث، ما هي النتيجة. النتيجة لا تقرر سلفاً، إنها تأتي من الما بعد والما وراء. من هنا جدّة الارتياد، ارتياد الغموض، غير المتحدّد، غير المرئي، غير المكشوف. كأنّ القصيدة تجاهد للإمساك بغير المرئي وجعله مرئياً، أو تصف مرئياً، أو ما هو بين بين، بين اليقين والشك، بين النور والعتمة، بين المعنى واللا معنى. 

القصيدة معاناةٌ للتغلُّب على اللحظة العابرة، لحل خداعها الصوتي والمكاني والزمني، معاناةٌ للتغلُّب على المعنى الجاهز والصيغ التعبيرية المقرَّرة. الصيغ التعبيرية هنا غير مألوفة في أي نص آخر، أو في الشائع من النصوص. إنها تود الوصول إلى ما هو خاص في التجربة، إلى ارتباكها ولا تحدّدها. والقبض على الخاص يقتضي من الشاعر تغيراً يلمّ بذاته ونهجه تجاه الأشياء. النهج هنا نهج جمالي لاغرضَ له يخرج على نطاق الإمساك بما يتراءى. القصيدة هنا ليست غايةً أو ما يقال، بل هي ما وراءها وما تسعى إلى قوله. قد تمحو نفسها بأن تُكتب بعبارات متناقضة أو لا يقينية.

في الشعر التقليدي يقول الشاعر ما يعرف ويرى، أما هنا فشاعر التجربة لا يعرف ما يراه تحديداً. قد يُصاب بالحيرة شأنه في ذلك شأن قارئ قصيدته، وقد يتساءل: هل هذا ما أراه حقاً؟ القصيدة، بكلماتها وأصواتها وصورها، تترجرج في محاولة للإحاطة بما لا يوصف، بما هو غير معطى مسبقاً. هكذا تكون القصيدة نزيهة تمنح نفسها للمغامرة في كون مجهول. تلتحق بالأبدية.

المساهمون