ندوة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية والأبعاد المستقبلية للمشروع
استمع إلى الملخص
- تاريخ وتحديات المعجم: بدأت فكرة المعجم في ثلاثينيات القرن الماضي ولم تكتمل بسبب تحديات تقنية ووفاة أوغست فيشر، ليصبح اليوم مصدرًا بحثيًا فريدًا يضم 300 ألف مدخل معجمي و"مليار كلمة".
- أهمية المعاجم: تسهم المعاجم في الحفاظ على حيوية اللغة وفهم استعمالاتها الثقافية، ويتيح معجم الدوحة اكتشاف المعاني التاريخية للكلمات، مما يعزز التفكير والتعبير في العصر الحديث.
يمثّل الإعلان عن إنجاز معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة في نهاية ديسمبر/كانون الأول من العام الجاري، نقطة تحوّل في استيعاب عشرين قرناً من التحوّلات البنيويّة والدلاليّة في ألفاظ العربية ومصطلحاتها منذ النقوش والنصوص الأولى، وفي استدامة لغوية تُمكن العربية من استيعاب الجديد والتفاعل مع المتغير، ورسم ملامح العلاقة بين اللغة والتقنية مستقبلاً. خلاصات قدّمها المشاركون في ندوة "المعاجم التاريخية للغات ومعجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، التي أقامتها مؤسسة عبد الحميد شومان في عمّان، أول من أمس الاثنين، بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات.
من الحلم إلى الواقع
شهدت ثلاثينيات القرن الماضي حلماً ظل حبيساً إلى حين، متمثلاً في محاولة تأليف معجم تاريخي عربي جامع عمِل عليه المستشرق أوغست فيشر، بتوجيه من مجمع اللغة العربية القاهرة، لكنه لم يرَ النور آنذاك لأسباب تقنية متنوعة، وتحديات انتهت بوفاة فيشر عام 1949، وصولاً إلى اليوم. إذ ولد مصدر بحثي لا مثيل له، انطلق في الفضاء العربي يجسده معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، الذي يتجاوز كونه أرشيفاً للألفاظ وأصولها ومعانيها، والسياقات التاريخية لتطورها، ليشكل "سرداً لتطور المعرفة والفكر الإنساني كما تمثّل في اللغة العربية"، وفق رؤية علمية أشار إليها أستاذ اللسانيات عز الدين البوشيخي، المدير التنفيذي لمشروع المعجم.
ويتجاوز المشروع أهدافه اللغوية والتأريخية إلى مجالات حضارية ومعرفية أوسع، فالمعجم الذي يتكون من 300 ألف مدخل معجمي مرتب من الأقدم إلى الأحدث، ويضم مدونة نصية رقمية يبلغ عدد كلماتها "مليار كلمة" حتى الآن، يعد شاهداً على فهم العقل العربي للمعرفة والعالم، من خلال معاني الألفاظ والمصطلحات وتغيراتها عبر الزمن.
يضم المعجم مدونة نصية رقمية يبلغ عدد كلماتها "مليار كلمة" حتى الآن
هذا الدور الرائد الذي يلعبه المعجم، جاء نتاج منهجية تبنت "معايير صارمة منحت كل كلمة فيه هوية تعريفية بخصوص معناها وتغير دلالاتها وما نشأ عنها من اشتقاقات"، وهي وجهة نظر يتبناها أستاذ النحو والصرف جزاء مصاروة، الذي سلط الضوء على أن الدعم المادي والبحثي، إضافة إلى المنهجية الدقيقة، جعلت من المعجم واقعاً مؤثراً، و"مرحلة فاصلة في تاريخ العربية"، تماماً كما كانت مؤلفات سيبويه، أو معجم العين للفراهيدي، الذي وضع العديد من أهم أسس المعجمية العربية".
وكانت ورقة المفكر العربي عزمي بشارة، التي نشرتها "العربي الجديد" في الثاني من الشهر الماضي، قد أضاءت معالم المنهجية التي شكلت أهمية المعجم وريادته في مجاله، إذ تناول فيها التحديات الموضوعية التي واجهت المشروع، ومنها "البحث عن أقدم استخدامات الألفاظ من خلال النصوص التي وردت فيها، إضافة إلى ضخامة المتن اللغوي الكامن في النصوص المطبوعة والموثوقة". وغيرها من تحديات تقنية ولغوية، أسهم تجاوزها في جعل المعجم أساساً لإثراء الصناعة المعجمية العربية، وتطوير تدريس العربية، وتصحيح العديد من الأفكار المتعلقة بالألفاظ والمعاني في سياقاتها ضمن كتب التراث والأدب والشعر عبر تاريخ الثقافة العربية الطويل.
لا يمكن النظر إلى المعاجم عموماً على أنها مجرد قواميس، تمنح الباحث أو القارئ معنى واحداً ثابتاً للكلمة التي يبحث عنها، فالثقافات التي تمتلك عمقاً لغوياً وتاريخياً تضع معاجمها حفاظاً على حيوية اللغة، ومن أجل فهم استعمالات الألفاظ، وأثرها في التعبير عن القيم الثقافية والاجتماعية، وحضورها في النصوص العلمية والأدبية خلال مختلف المراحل التاريخية.
اندثار معاني الكلمات، لا يقلل من أهمية تتبعها تاريخياً وتوثيقها
إضافة إلى هذا، تمتلك المعاجم قدرة على تغيير نظرة الناطقين بها وبغيرها إلى اللغة نفسها، وأساليب التعامل معها، ويحصل هذا من خلال "اكتشاف المرة الأولى التي استخدمت فيها كلمة بمعنى محدد ربما يكشف عن نمط تفكير معين في حقبة معينة" مما يسمح حسب تجربة أستاذ الأدب الجاهلي واللغة العربية عمر الفجاوي مع معجم الدوحة، باكتشاف المعنى التاريخي للكلمة، وأسباب استعمالها، في سياق شعري أو أدبي أو تاريخي معين.
وينعكس هذا على أسلوب التفكير السائد اليوم، فالمعنى القديم للكلمة، الذي يمكن أن يكون قد مات الآن، ربما يعود إلى الحياة إذا توضح أن لاستعماله حاجة معينة، تعيد وضعه في واجهة الاستخدام اليوم من خلال التفكير والتعبير.
هذه الفكرة المحورية، أكد أهميتها أستاذ اللغة والنقد، وأحد المشاركين في بناء المعجم، خالد الجبر، الذي يرى أن موت معاني الكلمات، لا يقلل من أهمية تتبعها تاريخياً وتوثيقها وفق استعمالاتها، وفهم ما "ينجم عنها من اشتقاقات ودلالات، إذ ربما تسهم في إعادة تصميم معايير دراسة اللغة العربية وما يتعلق بها في مختلف المجالات"، وهو ما عده الجبر مفتاحاً لتطوير حضور لغتنا العربية في حياتنا اليومية، بإضافة كل ما هو صالح من مصطلحات وكلمات فصيحة مستعملة حديثاً، ضمن هذا المعجم، الذي تتكرس الجهود للاستمرار في تطويره مستقبلاً، ليظل حاضراً باعتباره قوة ثقافية تدعم الباحثين والدارسين والأدباء.
أسئلة تنير الدرب نحو الاكتمال
لم يتوقف النقاش حول معجم الدوحة التاريخي عند حدود الإنجاز والاستعمال والأهمية الكامنة في صنعه وتطويره، إذ أثارت الندوة العديد من التساؤلات لدى الجمهور، ركز بعضها على ضرورة إيجاد معجم عربي موحد، فيما ذهبت أخرى إلى علاقة المعجم بما تحرزه تقنيات الذكاء الاصطناعي من تقدم، ومدى إمكانية ارتباط المعجم بها، إضافة إلى الطرح الأيديولوجي الذي يمكن أن يحمله المعجم عبر منهجيته وأسلوبه في التوثيق، مما صنع مشهداً يساهم في تشكيل ملامح المعجم مستقبلاً.
وبيّنت ردود المشاركين على المداخلات، المنهج القائم على تأريخ أصول الكلمات وفق أقدم ما وردت فيه من نصوص، ابتداء من النقوش العربية في القرن الرابع قبل الميلاد، وصولاً إلى عام 2023، واعتماد أسلوب يذكر الألفاظ ومصادرها وشواهدها، دون أي توصية باختيار معانٍ أو مصطلحات محددة، شكل موضوعية تسمح لكل باحث في المعجم أن يقرر اتخاذ ما يريده من نتائج حسب الحاجة والهدف والاستعمال.
وإن كانت المعاجم تشكل في جميع الأحوال قوة فكرية، خصوصاً أن تعدد المعاجم العربية يسمح بالتنوع والاختلاف وخدمة اللغة العربية بصورة أوسع، وربما شكل هذا المعجم تحفيزاً لها، كما أن بوابته الإلكترونية، التي سينتهي تحديثها نهاية هذا العام، ستكون مفتوحة للجمهور العربي وغيره في كل مكان، مع خانة متقدمة قائمة على الذكاء الاصطناعي، تسمح للمستخدمين بمحاورة المعجم ومقارنة معاني الكلمات فيه، والبحث عن أقدمها وأحدثها، كما أشار المشاركون.