هل تُبنى الديمقراطية من داخل المؤسسات وحدها، أم تحتاج إلى ذلك القلق الاجتماعي الذي يدفع الناس إلى النزول إلى الشارع ويُجبر السلطة على الإصغاء؟ تساؤل يكتسب راهنيته في ظل التحوّلات السياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، حيث تتزايد الشكوك في قدرة الديمقراطيات التقليدية على الاستجابة لتطلّعات المجتمعات.
سؤال يتجاوز حدود فرنسا وأوروبا يطرحه كتاب "نحو ديمقراطية متوحشة، سوسيولوجيا جسدية في وسط الصراعات والنزاعات" (لا ديكوفرت، باريس، 2026) لعالمَي الاجتماع الفرنسيين مانويل سيرفيرا-مارزال وبرونو فرير، كما أنه يلامس مناطق كثيرة من العالم شهدت خلال العقود الأخيرة موجات احتجاج وانتفاضات وثورات، من العالم العربي إلى أميركا اللاتينية، رغم أن الكتاب ينطلق من حالة الديمقراطيات الأوروبية المعاصرة.
ففي كل هذه التجارب ظهر التوتر نفسه بين مطلب بناء دولة مستقرة وقوية، وبين الحاجة إلى مجتمع قادر على التعبير عن نفسه وتنظيم قواه ومساءلة السلطة، ما يجعل العلاقة بين الدولة والمجتمع إحدى أكثر القضايا إلحاحاً في الفكر السياسي المعاصر.
يجمع الكتاب بين التحليل العلمي والانخراط في الواقع الاجتماعي
يرفض المؤلفان اختزال الديمقراطية في الانتخابات الدورية والمؤسسات الدستورية فقط، فهي عندهما ممارسة اجتماعية مستمرة، تحيا حين يملك الأفراد والجماعات القدرةَ على التدخل في الشأن العام وإنتاج مطالب جديدة وتحدي التوازنات القائمة. من هنا تأتي كلمة "متوحشة" في العنوان لتعني استعادة للجانب الحي، غير المروَّض، من الديمقراطية، أي الجانب الذي لا تختزله القوانين والإجراءات. فحين تتحول الديمقراطية إلى جهاز إداري مغلق، منفصل عن التوترات الاجتماعية وعن الأصوات القادمة من خارج النخب، تفقد جانباً أساسياً من معناها بوصفها فضاءً مفتوحاً للمشاركة والتغيير.
وبناء على ذلك، ينتقد الكتاب فكرة راسخة في العلوم السياسية تقول إن الاستقرار المؤسساتي هو الشرط الأول للديمقراطية. فالمؤسسات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها، لأن الديمقراطية تحتاج إلى مجتمع يتحرك بديناميكية، وإلى فضاءات للنقاش والصراع، فالصراع عند المؤلفين ليس علامة فشل، وإنما أحد شروط وجودها وتجددها. وتصبح هذه الفكرة حاسمة في مجتمعات الانتقال السياسي، حيث يُطرح سؤال الأولويات: هل تُبنى الدولة أولاً وتُؤجَّل السياسة؟ أم إن الدولة لا تصبح ديمقراطية أصلاً من دون مجتمع سياسي حي؟ إجابة الكتاب واضحة: لا يمكن فصل بناء المؤسسات عن بناء المجال العام، لأن الدولة التي تُقصي المجتمع من السياسة قد تحقق الاستقرار، لكنها تخسر الشرعية والحيوية مع مرور الوقت.
ومن الناحية النظرية، يقدّم الكتاب مفهوم "سوسيولوجيا الجسد"، وفيه إعادة تعريف لدور الباحث: فهو يفهم التجارب الاجتماعية من داخلها، ويقترب من صراعات الناس اليومية، بدلاً من الاكتفاء بمراقبتها من مسافة آمنة. وهكذا يصبح شاهداً على التحولات ومرافقاً لأسئلة الجماعات المهمشة، لا محللاً للصراعات بعد وقوعها. ويستعيد الكتاب في هذا تقاليد فكرية كبرى، من فلسفة الجسد عند ميرلو-بونتي إلى نقد السلطة عند بورديو، في محاولة للجمع بين التحليل العلمي والانخراط في الواقع الاجتماعي.
أما الأمثلة العملية فمستمدة من تجارب محددة: احتجاجات زاد نوتردام دي لاند في فرنسا عام 2018 ضد بناء مطار في المنطقة، وحركة الزاباتيين في المكسيك التي تأسّست في منتصف التسعينيات، حيث يقدّمهما المؤلفان مختبرات سياسية تبتكر طرقاً جديدة للتنظيم واتخاذ القرار والعيش المشترك بالتوازي مع رفض النظام القائم، وتختبر أشكالاً مختلفة من المشاركة الشعبية خارج الأطر السياسية التقليدية.
لكن هذه الأمثلة المحلية لن تكون وحدها حاضرة أمام القارئ الذي يعايش أزمات الديمقراطية في الدول التي عاشت الصراعات، إذ ثمة نقاش دائم في مجتمعاتها حول أولوية الاستقرار على السياسة، الأمر الذي يفرض تأجيل قوننة العمل الحزبي، وجعل السياسة محصورةً في القنوات التي ترخصها الحكومات، غير أن معطيات هذه السياسة لا تؤدي إلى حالة صحية، وفي الوقت نفسه نجد أن قوة الكتاب تكمن في أنه يعامل الديمقراطية بوصفها عملية متجددة، لا منتجاً نهائياً وصل إليه بعض المجتمعات وانتهى الأمر. لكنه يترك في الوقت نفسه سؤالين معلَّقين بدون حسم واضح: كيف يُوفَّق بين حيوية الصراع الاجتماعي وحاجة المؤسسات إلى الاستقرار؟ ومتى يتحوّل تمجيد الاحتجاج الدائم إلى عجز عن اتخاذ القرار أو بناء توافقات سياسية قابلة للاستمرار؟