"مُحدِّق" مقدسي اسمُه واصف جوهرية: فوتوغرافيا فلسطين العثمانية-الانتدابية
استمع إلى الملخص
- الأبعاد الاجتماعية والسياسية: يبرز الكتاب دور جوهرية في توثيق الأحداث والشخصيات السياسية، مع التركيز على المؤتمرات السياسية والتغيرات الاجتماعية، مثل زيارة الإمبراطور فيلهلم الثاني وتوثيق الحرب العالمية الأولى.
- التحليل الثقافي والاجتماعي: يستعرض الكتاب الأبعاد السريالية في الصور، ويحلل دور جوهرية كشخصية تعكس أزمة الحداثة، مع التركيز على الهوية الوطنية الفلسطينية.
على وزن "أثر الفراشة" الذي لا يُرى ولا يزول، ارتأت "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" أن تُصدِّر الطبعة العربية من كتاب "Camera Palaestina" للباحِثين الفلسطينيّين: عصام نصار وإسطفان شيحا وسليم تماري، تحت عنوان "أثر الصورة: الفوتوغرافيا وتاريخ فلسطين المهمَّش"، والتي وقّع ترجمتها، أخيراً، الباحث اللبناني سعود المولى. وتُمثّل محاولة اكتشاف نقدية، تتألّف من سبعة فصول، للألبومات الفوتوغرافية السبعة التي جمعها ونسّقها المقدسي واصف جوهرية (القدس، 1897 - بيروت، 1972) وعنونَها بـ"تاريخ فلسطين المُصوّر"، وتتضمّن ما يقرب من 900 صورة تُغطّي بيئة فلسطين الثقافية والسياسية أواخر فترة الحُكم العثماني وخلال مرحلة الانتداب البريطاني.
في تقديمه للكتاب، يُشير الباحث بشارة دوماني، مُحرّر السلسلة الإنكليزية (New Directions in Palestinian Studies) التي صدر ضمنها الكتاب، عن "منشورات جامعة كاليفورنيا"، إلى سؤال مُهمّ: كيف نقرأ هذا الأرشيف من الصور والتي نادراً ما يظهر فيها، ولكنه كان يرى نفسه فيها بوضوح؟ ومن هنا يُشكّل هذا الكتاب، وفقاً لدوماني، "إضاءة لفلسطين كحقيقة اجتماعية حيّة ومعيشة قبل 1948"، بدلاً من أن تكون تسجيلاً لـ"فلسطين المفقودة".
صورٌ تُظهر الإنسان الفلسطيني حقيقةً حاضرة وتاريخية
غرابيد كريكوريان، ويسايي غرابديان، وخليل رعد، وداود صابونجي، وعيسى صوابيني، مصوّرون أرمن وعرب، برزت أسماؤهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ردّة فعل محلّية على الموجة الفوتوغرافية الأولى التي ارتبطت بالتوسّع الاستعماري في "الأرض المقدّسة". وفي النصف الأول من القرن العشرين جمع واصف جوهرية، الموسيقي والموظّف البسيط (كان يُتقن الإنكليزية والفرنسية والتركية، وحافظاً للقرآن رغم كونه مسيحياً) في الإدارة الانتدابية مادّته من المصوّرين الأوروبّيين والمحلّيين على حدٍّ سواء.
بدورهم يُنبّه الباحثون الثلاثة، في الفصل الأول من الكتاب، إلى أنّ دراستهم لا تقع في الحيّز النوستالجي، كما أن جوهرية لم يكن ثورياً، كما يرغب البعض تصويره، بل منخرطاً في الشأن السياسي للحياة الفلسطينية، من خلال الاهتمام الذي أولاه لصور المؤتمرات السياسية الفلسطينية، والإسلامية- المسيحية، والهيئة العربية العليا، وكبار الشخصيات. لكن هذا لا ينفي، أيضاً، أن ألبوماته تزداد غزارة في لحظات الانتفاضة والاحتجاج المُسلّح، وإن بقيت مُحافظة على تماهٍ سياسي واجتماعي مع النُّخب الفلسطينية الحاكمة، إنّ ألبوماته "محاولة لبناء معرفة أصلانية عن المجتمع الذي عاش فيه.
ينظر رئيس قسم التاريخ في "معهد الدوحة"، عصام نصّار، إلى ما تركه جوهرية من زاوية "الألبومات الفوتوغرافية بوصفها أرشيفاً وسردية"، فنادرة هي الصور التي لا تُشير إلى حدث أو شخصية أو مكان، فضلاً عن الهالة البصرية التي تولّدها للفترات التي تصوّرها. يبدأ السرد بصُور النُّخب، وينتقل إلى صور زيارة الإمبراطور فيلهلم الثاني، وبعدها ينقل جوانب من المواسم والاحتفالات، كما يوثّق التغيير في بنية القدس التحتية (وصول الكهرباء)، ويتابع صوب توثيق الحرب العُظمى، ومن ثم تسليم المدينة للبريطانيين. وضمن هذا السياق، يتساءل نصّار: هل فكّر جوهرية في مصير اليهود الفلسطينيّين؟ لافتاً إلى تمييزه بينهم وبين أولئك المهاجرين الصهيونيين.
كذلك يعقد نصّار مقارنة بين جوهرية و"الأستاذ سعيد"، بطل رواية إميل حبيبي "المتشائل"، يكتب الأول في السطر الأول من مذكراته "لستُ بذلك الأديب الفاضل أو الكاتب الماهر أو المؤرّخ الشهير أو الرحّال القدير الذي يُحسن نشر عمله وأدبه وإرشاده على العالمين"، في حين يكتب الثاني "قلت إنك لم تحس بي أبداً. ذلك أنّك بليد الحسّ يا محترم. فكم من مرّة التقيت اسمي في أُمّهات الصُّحف؟ ألم تقرأ عن المئات الذين حبستهم شرطة حيفا في ساحة الحناطير، يوم انفجار البطيخة؟ كلّ عربي ساب في حيفا السفلى على الأثر حبسوه، من راجل ومن راكب. وذكرت الصحف أسماء الوجهاء الذين حُبسوا سهواً، وآخرين".
ثلاث قراءات في وقائع اجتماعية بعيداً عن نوستالجية البلد المفقود
أمّا سليم تماري فيستعين بمقال "عناصر الحزن" للناقدة والمخرجة الأميركية سوزان سونتاغ (1933 - 2004)، منبّهاً إلى الأبعاد السريالية في الصورة الفوتوغرافية التي تتمثّل في "المسافة التي تفرضها الصورة وتُجسّرها: المسافة الاجتماعية والمسافة الزمنية"، وفقاً لسونتاغ. وبالتالي فإنّ أصل الحُزن هو ما يولد عن بُعد، وما هو منفصل عن الواقع. بذلك يُصبح جوهرية، من زاوية تماري، لا جامع صور وأعواد وآلات موسيقية، بل متسكّع و"مُحدّق" في عالم ذي مشاهد متغيّرة: المشهد الاحتفالي (الديني)، والمشهد الأدائي (صندوق العجب ومسرح الظلّ والسينما)، ومشهد رؤية استسلام القدس في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1917 (الشنق، وحفر الخنادق بالسخرة، والمعارك).
وتنفح مذكّرات وألبومات جوهرية، على لحظة حسيّة، تستوقف تماري الذي يعنون مساهمته في الكتاب بـ"مشهدية الفرجة ومشهد الحرب". ويتداخل هذا المزاج الحسّي باللحظة السياسية التي تفيض على العسكر بالمومسات، وعلى الطبقات الاجتماعية العُليا بالمحظيّات. يكتب جوهرية: "مضى زمنٌ في البلاد وخصوصاً في القدس كانت العادة المتّبعة لأولاد الذوات من وجهاء الأُسر المعروفة بالقدس، الحسيني والخالدي والنشاشيبي، أن يتّخذ الواحد منهم خليلة لنفسه فيفتح لها بيتاً خاصّاً ويقضي معها أوقاته". وفي مقام آخر، يصف "برسفون" الألبانية- اليونانية، عشيقة حسين أفندي، أو ليا تننباوم عشيقة جمال باشا، ونينا أرستيدي عشيقة المطران أبيفانيوس، وأُخريات.
وبالنسبة لسليم تماري، عانى واصف جوهرية ما عانته تلك الشخصية المتسكّعة (Flâneur) من أزمة الحداثة، والتي كتب عنها بودلير وفالتر بنجامين. وضمن هذا السياق يمكن أن نقرأ مساهمته بقصيدته الغنائية الساخرة "كرشات"، التي وضعها أثناء المجاعة الكبرى عام 1915، والتي استحضر فيها جميع الأطباق المحلّية الغائبة بطبيعة الحال.
"سرَق الاستشراق منظر فلسطين البصري قبل الصهيونيين بوقت طويل"، بهذه الكلمات يُقدّم أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في "جامعة وليم وماري" الأميركية، إسطفان شيحا، لمساهمته في الكتاب "في المجال الحسّي ورفض التقسيم". ويُضيف: "سواء كانت صورة للأهرام، أو لامرأة مُحجّبة، أو لمضيق البوسفور، أو لكاهن ماروني، فإنّ كلّ صورة من 'الشرق'، أُجبرت و/ أو جُنّدت في نظام الدلالة الاستشراقي والاستعماري الذي قام بترميز هذه الفهارس، حتى ضمن الخطابات وأنظمة التصوّر القومية". وبناءً على هذه المقدّمة يتساءل شيحا: "ما الانطباع الذي يتركه في إدراكنا عدم وجود أي صورة في مجموعة واصف جوهرية من تصويره هو؟ ناهيك بأنه لا يظهر سوى ثلاث مرّات في مجموعة تضمّ 900 صورة!".
ويتوقّف شيحا عند محاور عديدة مثل "الجسد الفلسطيني الحيّ للتصوير الفوتوغرافي"، مُعتبراً جوهرية "بيروقراطياً، ومُصلحاً، ومتسكّعاً، وزوجاً، وابناً، وصهراً، وموالياً مُخلصاً لعائلات النُّخبة، وموسيقياً، وجامعاً، وعثمانياً، وفلسطينياً، ومقدسياً، وعربياً مسيحياً". وهذه الصفات تترابط كلّها وفقاً لتسلسل هرمي ونسيج ثقافي مؤثّر. كما يوضّح أن ألبومات جوهرية تُظهر الجسد الفلسطيني حقيقة حاضرة وتاريخية، مع ذلك، نجد شيحا، يستلف من المنظّر الفرنسي جاك رانسيير، مفهومه حول الافتراق/ الاختلاف، في محاولة لتحليل التاريخ السياسي والاجتماعي للشخصية الفردية الفلسطينية. ومؤكّداً، أنّ هذه الألبومات إثبات للهوية الوطنية الفلسطينية العابرة للتاريخ، لكن بشرط ألّا تكون رومانسية، بل من زاوية ديناميكية.