ميشيل فوكو.. الانضباط الطوعي هو الوجه الأخطر للسلطة الحديثة

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 12:03 (توقيت القدس)
يكتسب الكتاب أهمية متجددة ومقلقة في عصر التكنولوجيا الرقمية (تصميم العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستعرض ميشيل فوكو في "المراقبة والمعاقبة" مفهوم البانوبتيكون كنموذج للسلطة الانضباطية، حيث يتحول الخضوع للمراقبة إلى آلية ذاتية التشغيل تعزز الانضباط الذاتي.
- يناقش فوكو التحول من السلطة العنيفة إلى السلطة الانضباطية التي تركز على الإنتاجية، مشيرًا إلى أن المؤسسات الحديثة تتبنى منطق الانضباط الذاتي، مما يحول المجتمع إلى شبكة من المؤسسات المنضبطة.
- يسلط فوكو الضوء على تطور المراقبة في العصر الرقمي، مشيرًا إلى تحديات المقاومة في ظل التكنولوجيا الحديثة، لكنه يبرز وجود أشكال جديدة من المقاومة مثل التشفير.

يدرس كتاب "المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن"، للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي تمر مئة سنة على ميلاده مصطلح البانوبتيكون "المراقبة الكلية"، وهو نموذج سجن دائري قام بتصميمه الفيلسوف الإنكليزي جيريمي بنثام في عام 1785، والهدف منه هو تمكين السلطة من مراقبة جميع السجناء من دون أن يكونوا قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أو لا. Panopticon أكثر من مجرد تصميم معماري لسجن؛ إنه نموذج مثالي لجوهر السلطة الانضباطية، حيث البنية الدائرية، والبرج المركزي، والرؤية الكاملة للمراقَب، كلها عناصر تشكل آلية سلطوية بالغة الكفاءة. يكتب فوكو: "من يخضع لحقل الرؤية، ويعرف ذلك، يتحمل مسؤولية قيود السلطة؛ فهو يجعلها تعمل تلقائياً على نفسه". هنا تكمن العبقرية الشيطانية للبانوبتيكون، فالسلطة تصبح آلية ذاتية التشغيل، والاحتمال الدائم للمراقبة يكفي لإنتاج الانضباط.

وتكتسب تلك الأطروحة أهمية متجددة ومقلقة في عصر التكنولوجيا الرقمية، فالبانوبتيكون كان محدوداً بقدرات المراقبة البشرية؛ أما اليوم، فالمراقبة آلية ومستمرة ولانهائية تقريباً. إذ هناك كاميرات المراقبة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات التعرف إلى الوجوه، وتتبع الهواتف المحمولة، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، وكلها تقنيات تحقق المراقبة الشاملة التي كان البانوبتيكون مجرد نموذج نظري لها.


من العنف المباشر إلى الانضباط الذاتي

يطرح فوكو إشكالية فلسفية محورية مفادها كيف تحوّلت السلطة من نموذج العنف المباشر إلى نموذج الانضباط الذاتي، وهو يتبنى المنهج الجينالوجي المستمد من فكر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي يقوم على تفكيك الحاضر من خلال كشف التحولات. يسمح هذا المنهج لفوكو بتجاوز السرديات السائدة التي ترى في ظهور السجن الحديث نوعاً من التقدم الأخلاقي، بينما يكشف الكتاب الذي نُشر عام 1975، وصدرت نسخته العربية عام 1990 عن دار الإنماء القومي بترجمة علي مقلد، عن منطق سلطوي جديد أكثر تعقيداً يتخفى تحت قناع الإنسانية. وتبرز تلك الفلسفة عند تطبيقها على وقائع العصر الرقمي المعاش، حيث باتت السلطوية تمس جوهر فهمنا للحرية.

يكشف عن منطق سلطوي أكثر تعقيداً يتخفى تحت قناع الإنسانية

في النظام القديم، كانت السلطة تعمل وفق نموذج سيادي، فالملك يمتلك حق حياة رعاياه وموتهم، وكتب فوكو: "في العقوبات القديمة، كان الجسد هو الهدف الرئيسي للعقاب". لكن هذا النموذج كان يحمل تناقضاته الداخلية، فالمشهد العقابي كان يمكن أن يتحول إلى مساحة للمقاومة والتضامن الشعبي، والمُعاقَب قد يصبح بطلاً شعبياً، وقد تتمرد الجماهير على القسوة المفرطة.

في القرن التاسع عشر، ظهر نموذج سلطوي جديد، نموذج لامركزي يعمل من خلال المؤسسات الانضباطية، والأمر لا يقتصر على السجن، بل يشمل المدرسة، والمستشفى، والمصنع، وغيرها. هذا النموذج لا يستهدف الجسد بوصفه موقعاً للألم، بل موقعاً للإنتاجية، وبات الهدف الجديد ليس تدمير الجسد، بل تطويعه، وليس قمع الفرد، بل تطبيعه.

ويصوغ فوكو في كتابه واحدة من أطروحاته المركزية، وهي أن السلطة الحديثة لم تعد تعمل بالمنع والقمع فقط، بل بالإنتاج والخلق أيضاً. تنتج السلطة أنواعاً معينة من الذوات، وأشكالاً محددة من المعرفة، ومعايير للصلاح. وهذا ما يجعلها أكثر فعالية، ويجعل مقاومتها أصعب.


مبدأ تنظيمي للمجتمع الحديث قائم على الرقابة الذاتية

تظل الأطروحة الأكثر راديكالية في الكتاب أن البانوبتيكون ليس نموذجاً سجنياً فقط، بل مبدأ تنظيمي للمجتمع الحديث. يقول فوكو: "البانوبتيكون هو الرسم التخطيطي لآلية سلطة مختزلة إلى شكلها المثالي". ومن ذلك أن المدرسة الحديثة تنظم التلاميذ في صفوف مرئية للمعلم، والمستشفى يرتب الأسرة لتسهيل المراقبة الطبية، والمصنع يصمم خطوط الإنتاج لضمان مراقبة العمال. كل هذه المؤسسات تتبنى منطق الانضباط الذاتي، ما يحول المجتمع بأكمله إلى شبكة من المؤسسات المترابطة التي تنتج وتعيد إنتاج الذوات المنضبطة. ويقدم فوكو مفهوم "الجسد المطيع" باعتباره منتجاً نهائياً للسلطة الانضباطية، والذي يقلب الفهم التقليدي للسلطة، فهي لا تقف ضد الحياة والإنتاجية، بل تستثمر فيهما، والرأسمالية الصناعية لم تكن لتنجح من دون هذه التقنيات الانضباطية التي حولت الأجساد إلى قوى عاملة.

تبدو تحذيرات فوكو أكثر إلحاحاً في عصر الرقمنة الشاملة

لكن تظل واحدة من أكثر إسهامات الكتاب راديكالية هي أطروحة "السلطة- المعرفة". إذ يرفض التمييز التقليدي بين المعرفة الموضوعية والمحايدة من جهة، والسلطة المنحازة والقمعية من جهة أخرى. هذا التمييز بالنسبة لفوكو هو وهم أيديولوجي. يكتب: "السلطة تنتج المعرفة؛ السلطة والمعرفة يتضمن كل منهما الآخر مباشرة؛ لا توجد علاقة سلطة من دون تشكل متصل لحقل معرفة، ولا توجد معرفة لا تفترض وتشكل في الوقت نفسه علاقات سلطة".

ويطبّق فوكو هذه الأطروحة على العلوم الإنسانية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، مثل علم النفس، والطب النفسي، وعلم الإجرام، وعلم الاجتماع، والتي يعتبرها أدوات إنتاج لأنواع جديدة من الذوات والتصنيفات، وهي بالتالي ممارسات سلطوية تنتج فئات اجتماعية، وتُسوّغ التدخلات المؤسساتية. والتحوّل الأساسي الذي تحدثه هذه العلوم هو تحويل الإنسان إلى موضوع قابل للدراسة والقياس والتصنيف، ليصبح كل فرد مجرد "حالة".

يسمي فوكو هذا الوضع "التفريد التوثيقي"، ويعتبره أحد أشكال الإخضاع، فالفرد يُعرَف ويُحدَّد من قبل المؤسسة، وهويته ليست شيئاً يمتلكه، بل شيء يُمنح له من قبل آليات السلطة.


حيث توجد سلطة، توجد مقاومة

أحد الانتقادات الرئيسية التي وُجهت للكتاب كانت أن تحليله للسلطة كونها شبكة لامركزية يترك مساحة ضئيلة للمقاومة، فإذا كانت السلطة في كل مكان وتشكل الذوات نفسها، فكيف يمكن مقاومتها؟ ومن أين تأتي القدرة على التمرد؟

وكان فوكو واعياً بهذه المشكلة، ويصر على أنه "حيث توجد سلطة، توجد مقاومة". لكن طبيعة هذه المقاومة تظل غامضة نسبياً في "المراقبة والمعاقبة"، ما دفعه في أعمال لاحقة إلى تطوير مفاهيم مثل "تقنيات الذات" و"ممارسات الحرية".

يظل الأكثر إثارة للقلق هو ما يمكن تسميته "البانوبتيكون الطوعي"، ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يراقب الناس أنفسهم طوعاً، ويوثقون حياتهم ويشاركون بياناتهم طوعاً. المراقبة إذاً لم تعد أداة قمع، بل أصبحت شرطاً للوجود الاجتماعي، والشركات التقنية الكبرى، مثل غوغل أو فيسبوك، تمتلك اليوم قوة رقابية تفوق أي دولة، وهي لا تعمل عبر القمع المباشر، بل عبر آليات دقيقة للتأثير والتوجيه، تماماً كما وصف فوكو "السلطة الانضباطية".

لم تعد المراقبة مجرد عين تراقب من برج مركزي؛ إنها البنية التي تنظم وجودنا الاجتماعي، وفهم هذه البنية هو الخطوة الأولى نحو إمكانية تفكيكها ومقاومتها. وقد قدمت جائحة كورونا مثالاً واضحاً، فتطبيقات المراقبة الصحية، والحجر الصحي الإلزامي، وجوازات اللقاح، كلها تقنيات استثنائية كشفت عن إمكانيات هائلة للمراقبة والتحكم باسم "الصحة العامة"، بينما هي في الحقيقة تعبير عن منطق "الحكم الحيوي"، حيث الحياة نفسها تصبح موضوعاً للسلطة السياسية، والهدف ليس فقط حماية الأفراد، بل إدارة السكان بما هم كتلة حيوية قابلة للتحكم.

وتبدو تحذيرات فوكو أكثر إلحاحاً في عصر الرقمنة الشاملة، فالبانوبتيكون لم يعد مجرد استعارة، بل وصف دقيق لواقعنا اليومي، إذ يمكن تسجيل كل تحرك، وكل تفاعل، وكل فكرة تقريباً، كما يمكن تحليلها، واستخدامها ضدنا، أو على الأقل لتوجيهنا. نحن جميعاً سجناء بانوبتيكون عملاق لا يحتاج إلى أسوار. نحمل سجننا معنا في هواتفنا، ونبنيه بأيدينا في كل مرة نقبل فيها "شروط الاستخدام"، ونشارك في إنتاجه في كل مرة نراقب فيها أنفسنا ونقيّم ذواتنا وفق معايير المؤسسات.

السؤال الأهم في الكتاب هو: هل ما زال ممكناً أن نكون غير مقروئين، وغير مُفهرسين، وغير قابلين للتصنيف؟ يظهر الواقع أن هناك أشكالاً جديدة من المقاومة، من بينها استخدام التشفير، وأدوات حماية الخصوصية، ودعم البرمجيات مفتوحة المصدر، والمطالبة بتشريعات حماية البيانات. ربما تكمن في هذه الأدوات آخر فرصنا لمقاومة التسلط الرقمي.

المساهمون