"مونوبوز" لبتّي توتل.. انسحاب مؤقت لامرأة لا يراها أحد
استمع إلى الملخص
- تتناول المسرحية مفهوم الاختفاء الطوعي، حيث تنسحب البطلة من محيطها لإعادة الاتصال بالذات، وتتطور علاقتها مع "أبو خالد" تدريجياً، مما يعيد إليها الإحساس بذاتها.
- تجمع المسرحية بين الكوميديا والدراما، وتبرز أهمية التفاصيل البسيطة في العلاقات الإنسانية، مقدمة تجربة غنية ومؤثرة بصدق وبدون تهويل.
حبكة بسيطة في شكلها، دقيقة في ما تلتقطه. امرأة تدخل مرحلة انقطاع الطمث، مثقلة بالزوج، بالأولاد، وبالطلبات التي لا تنتهي، وبنظرة مجتمع تفترض حضورها الدائم من دون سؤال. الجميع يسأل عنها، الجميع يريدها، لكن لا أحد يسأل عمّا تريده هي، كما تصوّره مسرحية "Mono-Pause" (كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً: بتّي توتل)، التي تعود إلى خشبة مسرح دوّار الشمس في بيروت في تسعة عروض تُختتم في الرابع من الشهر المقبل.
العمل الذي قّدم في ستين عرضاً منذ ربيع 2024 لا يشير عنوانه إلى مجرّد تحوير لغوي لكلمة Menopause (مرحلة تمر بها المرأة بعد منتصف الأربعينيات)، بل تركيب دلالي مقصود: Mono - الصوت المنفرد، و Pause التوقّف، والانسحاب المؤقّت. بهذا المعنى، يصبح العنوان توصيفاً لحالة امرأة تقرّر أن تضغط زرّ الإيقاف، لا على حياتها فقط، بل على صورتها كما اعتادها الجميع: المتاحة دائماً، الحاضرة دائماً، المطلوبة دائماً.
ويشير العرض لاحقاً إلى فكرة معروفة في علم النفس: الاختفاء الطوعي، حين يبتعد أشخاص فجأة عن محيطهم من دون إنذار، بحثاً عن إعادة الاتصال بالذات، حيث تهرب بطلة العمل إلى بيت صديقتها مها في بحمدون من دون أن تُخبر أحداً، في فعل انسحاب لا يحمل عدوانية، بل حاجة واضحة إلى الصمت.
في المقابل، يظهر "أبو خالد" (جاك مخباط)، صاحب المطعم الوحيد في المنطقة، شخصيةً تقف على الضفّة المعاكسة تماماً. بينما تهرب هي من فائض العائلة، يعيش هو نقصها: زوجة رحلت، وابن غائب، ووحدة لا يلتفت إليها أحد. لا أحد يسأل عنه، ولا أحد ينتظره. اللقاء بينهما لا يُبنى على تشابه الظروف، بل على تناقضها، وعلى فراغين مختلفين يلتقيان في نقطة واحدة.
تتّسع الخشبة لتكشف فضاء البيت الجبلي في بحمدون: أريكة، باب أخضر في العمق، مصباح، وأغراض توحي بإقامة مؤقّتة. تقف هي عند الباب، وفي مواجهتها أبو خالد. لحظة استقبال تتكرّر في العرض: كلّما حاولت طرده بحجّة حاجتها إلى العزلة، يعود من جديد، لا بإلحاح فجّ، بل بحضور ثابت وبسيط.
التكوين البصري يعكس التناقض بين رغبته في التواصل ورغبتها في الاختفاء. هو يقف في العتبة، لا يقتحم المكان بالكامل ولا ينسحب. وهي تقف بين الداخل والخارج، بين قرار العزلة وحاجة غير معلنة إلى الآخر. لا يُقدَّم المشهد بوصفه بداية قصة حب تقليدية، بل احتكاكاً إنسانياً هادئاً يتسلّل عبر التفاصيل اليومية، ويكسر تدريجياً فكرة "الاختفاء الكامل" التي جاءت من أجلها.
من دون أن تنتبه، تبدأ باستعادة الإحساس بنفسها. لا شعارات، ولا خطابات مباشرة. التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التحوّل: منشفة يضعها أبو خالد على كتفيها ليخفّف عنها العرق حين تأتيها هبّات الحرّ المرتبطة بسن اليأس كما يطلقون عليه. نظرة، كلمة، انتباه غير مشروط. أفعال لا تُقال بوصفها حباً، لكنها تُشعرها بأنها ما زالت مرئيّة، جميلة، ومرغوبة.
هنا، يلتقط العرض فكرة دقيقة: المرأة لا تطلب المستحيل. ما تفتقده ليس الرومانسية الكبيرة، بل الاعتراف اليومي الصغير. أن يُرى ما تفعله، وأن يُقال لها إن ما تقوم به ليس أمراً بديهياً. كلّ ما قدّمته لزوجها وأولادها فعلته بدافع الحب، لا بدافع الواجب، لكن الحب حين يتحوّل إلى أمر مُسلَّم به يفقد معناه. المسرحية لا تُدين الأسرة، بل تكشف كيف تبتلع الحياة اليومية هذه الكلمات البسيطة التي تُبقي العلاقة حيّة. وهذا ما توضحه الممثلة في أحد مونولوغات العرض.
يشير العرض إلى فكرة معروفة في علم النفس، وهي الاختفاء الطوعي
في مشهد مؤثر، تجلس المؤدّية وحدها على قاعدة مرحاض موضوعة في قلب الخشبة، في وضعية مكشوفة ومقصودة، لا تحمل بعداً هزلياً مباشراً بقدر ما تكشف عن لحظة انهيار داخلي. الجسد منكمش، الرأس مائل إلى الأمام، واليدان تمسكان بورق المرحاض الذي ينسدل كخيط أبيض طويل حتى الأرض. الهاتف غائب عن يدها، لكنه حاضر رمزياً: اتصالها بالعالم الخارجي مقطوع، أو بالأحرى "مدفون" في الداخل، في مساحة تُفترض فيها الخصوصية والهشاشة.
المشهد يربط بين الجسد والضغط، بين البيولوجيا والنفس، وبين "المنوبوز" بوصفه تحوّلاً جسدياً ومساحةَ انسحاب نفسي.
تنجح بتّي توتل في تقديم هذه التجربة من دون تهويل أو افتعال. الكوميديا تنبع من الموقف، من التناقض، ومن الاعتراف الصريح بضرورة الانسحاب المؤقّت والصمت… كي يسمعنا الآخرون.