موسوعة دالمان.. تتويج مزدوج في جائزة الشيخ حمد للترجمة
استمع إلى الملخص
- تحرير وترجمة الموسوعة استغرق أكثر من خمس سنوات، مما جعلها وثيقة تاريخية وجغرافية مهمة، مع التركيز على دقة أسماء القرى والوديان.
- كتاب "القدس ومحيطها الطبيعي" يقدم رؤية دقيقة للمشهد الطبيعي للقدس قبل التغيرات السياسية، معتمدًا على قياسات ميدانية، مما يعزز الأحقية المعرفية لفلسطين.
لا تقاس قيمة الجوائز الثقافية بإعلانها، بل بقدرتها على إعادة تركيب بنيان المعرفة أمام السرديات السطحية، التي تختلط فيها القيمة بالضجيج، ويتقدم فيها الرأي على البحث. في هذا المعنى تحديداً، يبدو فوز كتابي غوستاف دالمان "العمل والعادات والتقاليد في فلسطين" و"القدس ومحيطها الطبيعي"، بجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في دورتها الحادية عشرة، حدثاً له ما يعضده علمياً وأخلاقياً، تكلل أخيراً في لحظة الاحتفال والتكريم.
الكتابان الصادران عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة "تُرجمان" في مجموعهما عشرة مجلدات من كتابين، الأول في تسعة أجزاء "العمل والعادات والتقاليد في فلسطين"، والثاني "القدس ومحيطها الطبيعي". يسهم الكتابان اللذان يمكن تسميتهما معاً "موسوعة دالمان" بقوة في تأسيس نظرتنا إلى فلسطين مجتمعاً حياً قبل أن تكون قضية سياسية.
هنا تكمن الأهلية الأولى لمنجز لا ينفك المطّلع عليه يسأل سؤال المعجب: كيف امتلك المستعرب الألماني وعالم اللاهوت والآثار واللغات القديمة غوستاف دالمان (1855-1941)، هذا الجلَد والدقة المعرفية ليكتب كل هذا، منذ دخوله فلسطين 1898.
وحين تصدى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لهذه المهمة، بذل جهداً حثيثاً استمر أكثر من خمس سنوات، نجم عنه سفر وثق الفلاحة، والبيت، واللباس، والغذاء والمواسم، والولادة، والموت، والأغاني، والموسيقى، وطقوس العبادة والموت، والأعراس، بوصف كل ذلك نظاماً اجتماعياً متكاملاً، له منطقه الداخلي وتطوره التاريخي.
كما يقول لنا كتاب "القدس ومحيطها الطبيعي" الذي صدر عام 1930، هو ثمرة عمل متواصل على مدار ثلاثة عقود يفيد بأن "من غير الممكن معرفة القدس وفلسطين بالطبع من خلال الكتب والبقايا الميتة وحدها، بل من خلال دراسة الثقات المادية الحية".
ولا يبالغ صقر أبو فخر الذي تولّى تحرير كل هذه المجلدات بأنها موسوعة مرهقة لكل من انخرط في العمل عليها، وهم يعاينون أنثروبولوجيا وطبوغرافيا فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر، وكيف تعرضت للتجريف اللئيم، وكُتبت وقتذاك بلغة لاهوتية ألمانية قديمة، جعلت من نقلها إلى العربية مهمة قتالية دون مبالغة.
وعليه، يفيدنا أبو فخر حين التقته "العربي الجديد" قبيل توزيع الجوائز بأن تحرير الكتب لم يكن بالمعنى المألوف في دور النشر، بل كان جغرافياً وتاريخياً، قائماً على التثبت من أسماء القرى والوديان والينابيع والتلال، ومطابقتها مع الخرائط، وردّ المكان إلى أهله في زمن تحول فيه المكان نفسه إلى ساحة تزوير دائم.
وختم بأن "غبطتي مزدوجة لأن الموسوعة صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حيث أعمل، ولأنني عملت على تحريرها لأكثر من ثلاث سنوات من الجهد الهائل. وهي بالتالي تستحق أعلى الجوائز، ويجب أن تكون موجودة في كل بيت، وخصوصاً البيت الفلسطيني".
صورة شمسية
أما محمد أبو زيد، مترجم الموسوعة، فيضع يده على جوهر مختلف حين يشبّه كتاب دالمان بالصورة الشمسية. إنها فلسطين كما كانت، كما تحيلنا إليه هذه التسمية في أوائل تاريخ التصوير الفوتوغرافي، صورة غير معالجة إلا بالشمس، ولم تزوّرها الغطرسة الاستعمارية والأيديولوجيا العنصرية الصهيونية.
يقول لنا المترجم الذي حمل على كتفيه عبء ترجمة غالبية أجزاء الموسوعة، إن فلسطين لم تكن في كل هذه الكتب فكرة عقائدية، بل واقعاً معيشاً. الناس هم المادة الأساسية: الفلاح، المرأة، الراعي، الحصّاد، الفرّان، البشر في السوق، وتفاصيل الصوت، واللهجة، والمواسم.
لا خطاب سياسياً مباشراً، ولا خطاب تبشيرياً مستتراً، كما يمضي أبو زيد، وهذا تحديداً ما يمنح النص قوته اليوم، لأنه يفضح كل سرديات الإنكار من دون أن يدخل في سجال معها.
القدس كما لم تُرَ
أما كتاب "القدس ومحيطها الطبيعي"، الذي ترجمه عمر الغول، أستاذ اللغات القديمة في كلية الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة اليرموك الأردنية، فهو محاولة لاستعادة المشهد الطبيعي الذي سبق الخرائط السياسية والاستيطانية.
فقد عاش دالمان في القدس خمس عشرة سنة متواصلة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. لم يكتب عنها من مكتب أوروبي، بل من المشي اليومي، ومن قياسات ميدانية دقيقة يقول الغول إنه يسجل قياسات تل أو جبل، معتمداً على أدوات مساحة "وكان الضغط الجوي كذا..".
بهذه الدقة وصل إلينا كتاب "القدس في محيطها الطبيعي"، بيد أن كثيراً مما وصفه دالمان لم يعد موجوداً اليوم، فهو لا يشير إلى تغير عمراني طبيعي فقط، بل إلى انقطاع تاريخي في المشهد.
شبكات المياه، والبرك، والجداول، والغدران، والطرقات، وأطراف القرى خارج الأسوار، كلها أعيد تشكيلها أو طُمست. بعض أسماء المواضع ما زال حياً في الذاكرة الشفوية، وبعضها اختفى تماماً.
لذلك يذكر المترجم، وهو سليل بلدة سلوان المجاورة لأسوار القدس، أن الكتاب تحول إلى وثيقة إنقاذ أخيرة لزمن جغرافي ضائع، مشيراً إلى أنه كان يسأل عن مواضع، فيجد كبار السن يعرفونها، وآخرين لا.
دالمان لا يعزل القدس عن سياقها الإقليمي. هذه واحدة من الملاحظات التي تكتسي أهمية الآن بعد كل ما لحق بالخريطة السياسية العربية من تلفيق استعماري.
يضع دالمان القدس في علاقتها بالأردن وجنوب لبنان لأنه ببساطة كما يورد لنا الغول كان يكتب قبل سايكس بيكو، وهو يرى المكان وحدة طبيعية، لا كياناً مقطعاً بحدود لاحقة.
الأحقية المعرفية لا الرمزية
لا يقوم فوز هذين العملين على رمزية فلسطين وحدها، بل على المنهج الصارم للبحث العلمي. دالمان، اللاهوتي الألماني، لم يدخل فلسطين بعين توراتية إسقاطية، بل عمد إلى تثبيت أسماء المواقع من أفواه أهلها، لا من المعاجم. التقط اللهجات والأغاني والمواسم كما تُعاش لا كما تُنقل. وحين كتب عن القدس، كتبها مدينة ماء وجبل وريح وممرات، وزيتون، وطبوغرافيا تمتد إلى أكنافها، وصولاً إلى أريحا وبيت لحم، وهي بالتالي ليست أسطورة حجر، بل بشر عاش معهم دالمان، ولم يكن لديه أي شك في أنهم ورثة هذا المكان، لأنه لم يستطع ولم تكن لديه أجندة تزوير ما تراه العين.
اللافت أن المركز العربي حين تصدى لترجمة هذه الأعمال لم يتعامل معها مشروعاً آنياً، بل ورشة طويلة النفس. وفي زمن تُختزل فيه فلسطين إلى صورة إخبارية يومية، تعيد موسوعة العمل وكتاب القدس فلسطين إلى معناها الأعمق، مكاناً طبيعياً قبل أن يكون ملفاً سياسياً. وهذا وحده يكفي ليجعل فوزهما جائزة للثقافة قبل أن يكون جائزة للترجمة.