مواطنو اللامكان

مواطنو اللامكان

27 يونيو 2021
الصورة
(أندريه نفيس ساحلي)
+ الخط -

أنا من مُواطني العالَم. ولهذا السبب بالضبط، فإنني، بحسب البعض، من مُواطني اللامكان. 

بعد اضطراري لمغادرة الإمارات العربية المتحدة في الثامنة عشرة من عمري ــ حيث لم يعد في إمكاني البقاء هناك على أساس تأشيرةِ والدي الإيراني ــ وصلتُ إلى المملكة المتحدة عام 2004، وبدأت دراسة التّاريخ والعلوم السياسية في "جامعة ليستر". ولأنّني نشأت بين الملايين من "مُواطني اللامكان" العالميين، فإنّني اكتسبت معرفةً، وإن كانت قليلة، عن الكثير من البلاد. وقد كانت مجلّة "بويتري لندن" (Poetry London) من بين القليل الذي عرفته من المؤسّسات البريطانيّة المُعاصرة. اكتشفتُ المجلّة صدفةً في المكتبة الوحيدة المملوءة فعلياً بالكتب في أبو ظبي؛ كان ذلك في بداية العقد الأوّل من الألفية الجديدة، وكنت مراهقاً حينها. وقد لعبتْ قراءتي للمجلّة دوراً في اتخاذي قرار الدراسة في بريطانيا وفي انضمامي، لاحقاً، إلى مجتمع لندن الأدبي.

اليوم، بعد عقدين من ذلك الزمن، يجدر بي أن أكون سعيداً باستلامي مسؤولية المجلّة ــ لكنني لستُ بتلك السعادة. ففي حين غمرني جمْعُ القصائد لهذا العدد بأملٍ لا يُوصَف (أملٌ في تلك الثروة العالمية التي نملكها من المواهب والخيال والإنسانية)، وجدتُ نفسي، في الوقت نفسه، أتحضّر للعودة إلى بلدٍ مختلف تماماً عن ذاك الذي عرفته وعشتُ فيه سعيداً أكثر من ثُلث حياتي. بريطانيا الجديدة هذه أصغرُ وأكثر ضعفاً وغضباً من تلك التي عرفتها، والأسوأ أنها غير قادرةٍ على توجيه هذا الغضب على نحو فعّال. والنتيجة؟ ثقافةٌ منعزلة تفتقر إلى الارتباط حتى بأقربِ جيرانها؛ عصابةٌ من خرّيجي المدارس المرموقة الذين يستخدمون السلطة العامة لإثراء مصالح خاصة؛ أرقامٌ قياسية من الوفيات بفيروس كورونا؛ معارضةٌ سياسية رخوة. الذنبُ ذنبُ الرأسمالية. ذنبُ النظام الملكيّ. ذنبُ حزبِ المحافظين. ذنبُ البركسيت. ذنبُ الناس. وربما يكون إلقاء الذنب على الناس الأمرَ الأكثر صعوبةً في كلّ هذا.

والنتيجة؟ ثقافةٌ منعزلة تفتقر إلى الارتباط حتى بأقربِ جيرانها

هيّنٌ عليّ أن ألفّ ساقاً على ساق وأن أدّعي أن المجلات الأدبية لا دخل لها على الإطلاق بكلّ هذا، وخصوصاً إذا كانت معنيّةً بالشِّعر. لكنّ الحقيقة أنّ الثقافة الأدبية في المملكة المتحدة تعيش أوضاعاً مُزرية، حالها في هذا حالُ بقيّة البلد. ولِمَ لا يكون الأمر كذلك والمشهد لا يُطمئن أبداً؟ فالأقسام الأدبيّة في الصُّحُف اختفت، وبات الكُتّاب مُجبرين على إنتاج "محتوىً" يقدّمونه لأقسام الصحّة أو المنوّعات؛ والشركات التي تحتكر النشر مشغولةٌ بخنق السوق المخنوقة أساساً؛ والمواهب تُساق بلُطف إلى حظائر الوُرَش والأكاديميا؛ بينما الجوائز الأدبية صارت أرضاً خصبة للواسطات والعلاقات الشخصية، وباتت مُكرّسةً لتتويج صرعات الموضة بدلاً من الجدارة الفنية.

رغم كلّ ذلك، يتبادر إلى أسماعنا، من حين إلى آخر، عواءُ ذئابٍ مٌسنّة لا تروق لها حقيقة أنّ بعض الكُتّاب من غير البِيض - أو كلّ مَن يجري وضعُهم في خانة "الآخَر" - ينالون اعترافاً وتكريساً؛ فنسمع تلك الذئاب تصرخ بأنّ "الأمر زاد عن حدّه"، وأنّ الأدب وحرية التعبير باتا خاضعين لـ"صحوة ضميرٍ" أصابت النخبة، وبأنّ الأدب في أيامنا هذه بات أشبه بإهانةٍ لأدب الأمس. لكنْ، هل هذا حقّاً ما يجري على أرض الواقع؟ 

الأمر، كما أراه، مختلفٌ تماماً. ذلك أن المنظومة الحاكِمة تنتقي، من كلّ جماعةٍ محرومة من حقوقها، شخصاً أو اثنين من الشعراء أو الفنانين المتحدّثين باسمها، ثم تمنحُهُما عدداً قليلاً من المفاتيح التي تُتيح لهما دخول عالمها، وُتدرج اسميهما ضمن حملتِها بما يضمن استمرارية سُلطة هذه النخبة التي تبقى، في معظمها، مؤلَّفةً من ذوي البشرة البيضاء والأغنياء. يُفبرِكُ هؤلاء التنوّعَ الكاذبَ بالطريقة نفسها التي يقوم بها أحدهم بطلب وجبة متوازنة المكوّنات في مطعمٍ ما. هذه هي ثورة "صحوة الضمير" التي يتحدّثون عنها. 

على أنّ مسألة التنوّع لا تُعطي، وحدها، شرحاً كافياً للاحتضان الفارغ وللفساد المنهجي اللذين يصِمان المنظومة الأدبية. فأجواؤها المتعفّنة تصل إلى درجات لا تُصدّق من العبثية، حيث يجد المرء نفسه أمام منظّمات تفتخر بمنحها جوائز لفنانين على نضالِهِم في سبيلِ "حُريّة التعبير"، مُستخدمةً تبرّعاتٍ ومِنَحاً من شركاتٍ مثل "أمازون" يبدو أنها تتسامح مع قيام الناس بالتعبير عن آرائهم بحُرّية في أيّ مكان كان إلا داخل الشركة، وجميعنا يعرف أنها تُهدّد وتضايق كلَّ من يُعبّر عن رأيه بحريّةٍ في مستودعاتِها.

كيف وصلنا إلى هذا المستوى؟ ما يمكنني قوله هو أنّه لم يكن على الأمور أن تجري بهذه الطريقة. إذ كان يُمكن لإصلاحاتٍ صادقة ولتقسيمٍ فعليّ للسُلطة أن يُفضيا إلى مشهد أدبي متنوّع حقّاً ومُحفِّز ــ مشهد يمثّل، بلا أدنى شكّ، مكوّناً حيوياً في كلّ مجتمع سليم. لكنّ ما نراه أمامنا، بدلاً من ذلك، يبدو أشبه بـ"حرب ثقافية" على الطريقة الأميركية، حيث يعتمد طرفا الطّيف السّياسيّ والثقافيِّ ــ في كثير من أفعالهما ومواقفهما ــ على عقلياتٍ تتشكّل بالكامل داخلَ حُجراتٍ معزولةٍ، بعيدة تماماً عن التفكير في المسائل الواقعية وعن إنجاز أيّ تغييرٍ حقيقيّ. أمّا الأسماء الوازنة، التي يُنتظَر منها التحدّث في كلّ هذه القضايا، فترى العديد منها مشغولاً في مساعي "الصعود" ونيل أوسمة التكريم.

تستند الرؤية الفنيّة التي سنعمل بها في مجلّة "بويتري لندن" إلى إيمانٍ بأنّ التغيير ليس فعلاً خجولاً ومُهذّباً، وليس نتاجَ شخصٍ واحد أو مجموعةٍ من المهتمّين فحسب. التغيير فعلٌ يتطلّب المحاججة وإعلاء الصوت، يتطلّب المواجهة والحديث بلا قيود ــ وستسعى المجلّة إلى بذل أقصى ما يمكنها من جهد لتشجيع هذا النمط من التفكير واحتضانه. منذ تأسيسها عام 1988، في ذروة حُكم مارغريت تاتشر (التي تمثّل ما يُشبه التجربة المِخبرية الأولى للتقشّف الذي سيفرضه المُحافظون عام 2010) ومجلّة "بويتري لندن" تتمسّك بانتمائها إلى ثقافةٍ مختلفة عن السائد وبعملها وِفق عقليّةٍ عِصامية. بدأت المجلة مشوارها كمطبوعةٍ إعلانية، وسعَتْ لاحقاً إلى توفير بديلٍ لمجموعة الحمقى من خرّيجي "أكسفورد" و"كامبردج"، تلك المجموعة التي كانت تُهيمن سابقاً على المنظومة الأدبية، والتي ما تزال تُهيمن عليها اليوم طريقة أو بأخرى.

يُفبرِكون التنوّع كما لو كانوا يطلبون وجبةً متوازنة المكوّنات في مطعم

وفاءً لهذه الجذور والمبادئ، سنعمل في المجلّة على نشر قصائد صادمة ومُخلخلة للقناعات؛ قصائد تتحدّث عن الرضوض والحرب والظُلم، أي عن العالم الذي نعيش فيه. وسنمنح الأولويّة لِكِتابات تُعالج قضايا الهجرة والظلم الاقتصادي وحرية التعبير، ساعين إلى إطلاع جمهورِنا على شِعرٍ رفيع المستوى يتناول، في الوقت نفسه، أكثر القضايا إلحاحاً في وقتنا هذا.

أخذنا على أنفسنا أيضاً تجنّب الكثير من الأمور: لن نُساعدَ في تشكيلِ نخبةٍ جديدةٍ من الكُتّابِ الذين قد يُعيدون إنتاج أسلافهم بحيث يتمتّعون بالامتيازات ولا يخضعون إلى أيّ نقدٍ أو مُساءلة؛ ولن نسعى إلى الترويج للمشاهير، خصوصاً وأنّنا أمام مجتمعات إبداعيّة كاملة ينبغي الالتفات إليها، مجتمعات تتجاوز الأسماء المعروفة على "إنستغرام" و"تويتر". لذلك، سنستمع إلى زملائنا الآتين من الخلفيات الاجتماعية والثقافية الأكثر تهميشاً، وسنعمل على وصول هؤلاء الفنانين إلى مواقِعِ القوّة والتأثير، بفضل خطة تحريرٍ جديدة يجري العمل عليها حالياً.

لا شكّ أن الحديث عن التغيير يُولّد رغبةً لدى المرء في رؤية هذا التغيير يتحقّق أمام عينيه. ومن البديهيّ أننا لن نتمكّن من القيام بهذا التغيير بمفردنا، لكنّنا سنسعى إلى القيام بدورِنا على أكمَل وجه. كُلّنا أملٌ في أن ينضمّ إلينا آخرون، وكُلّنا ثقةٌ بأنهم سيفعلون. ذلك أن الوقت قد حان لفعل شيءٍ ما.

بطاقة
* André Naffis-Sahely شاعر ومترجم عن الفرنسية والإيطالية، ترجم لروائيّين وشعراء من المنطقة العربية وفرنسا وإيطاليا. من أحدث ترجماته كتاب "حدود الظل" لأليساندرو سبينا، و"ما وراء الأسلاك الشائكة: قصائد مختارة" لعبد اللطيف اللعبي. حاز "جائزة الكتاب الإنكليزي في الترجمة"، وصدر له عن "دار بنغوين" كتاب "أرض الميعاد: قصائد من الحياة المتجولة" (2017). وهو رئيس تحرير مجلّة Poetry London الشعرية. والنص هو المقالة الافتتاحية لعددها 99 الصادر هذا الشهر.

** ترجمة: محمود الحاج

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون