مهرجان فريج الفن والتصميم.. رحلة التشكيل إلى الهامش القطري
استمع إلى الملخص
- يضم المهرجان معارض بارزة مثل "كأنني أتبع أثري" لسلمان المالك و"سنة الطبعة" لسالم مذكور، بالإضافة إلى معرض "أثر.. خزافون وأثر لا يزول"، مما يبرز العلاقة بين الفن والزمن.
- يقدم المهرجان تجارب فنية متنوعة، مثل أعمال أحمد نوح وحصة كلا، مما يعكس تنوع المشهد الفني في قطر ويعزز الحوار بين التراث والحداثة.
يكتسي مهرجان فريج الفن والتصميم في منطقة أم صلال محمد (20 كيلومتراً شمال الدوحة) أهميته لجهة التحول الرمزي في جغرافية الثقافة القطرية. إذ يخرج الفعل من العاصمة إلى هامشها، مؤسساً توازناً جديداً بين المشهد المركزي وما يدور على أطرافه.
بمشاركة 120 فناناً من أكثر من عشرين دولة يقيم الفريج (الحيّ) حياة مكتملة بالفعل للمكان القديم، الذي تتوزعه المدينة إلى فِرجان (أحياء) في نسخته الثانية التي تُختتم اليوم الجمعة، حيث يعجّ المكان بالمعارض، ورسامي الشارع والمصممين والورشات الفنية والحرفية، والمحلات الشعبية.
هنا في موقع درب الساعي، الفضاء الرئيسي لاحتفالات اليوم الوطني، بمساحة تصل إلى 150 ألف متر مربع، يبدو مرشحاً بقوة ليكون علامة لهذا الجزء من الحمل الثقافي العام، من خلال مهرجان فريج الفن والتصميم، ومهرجان الدوحة للتصوير الذي تزامن معه وخصص له مبنى يقابل درب الساعي.
يجمع المهرجان المعارض والورش والسوق في شبكة من البيوت الفنية، من بيت المعارض، وبيت ورش العمل، والخزف، والخط، واستوديوهات الفنانين، وبيت الندوات، إضافة إلى سوق الفن والتصميم ومنطقة الأطفال وعازفي الموسيقى. بهذا المعنى، كان الفريج تصوراً مجتمعياً للفن في نسيج حي يتشكل من تعدد الأصوات.
يتوزع البرنامج على 12 معرضاً و14 ورشة عمل
يتوزع البرنامج على اثني عشر معرضاً وأربع عشرة ورشة عمل، بينها سبع ورش دولية يقدمها فنانون تشكيليون من اليابان وإسبانيا وأستراليا، والهند، وروسيا، والكويت، تستعيد تقاليد الحرف والفنون من بيئات مختلفة، وتعيد وصل المهارة اليدوية بالخيال الفني، في محاولة لاستحضار الحس الحرفي داخل الرؤية المعاصرة.
في قلب هذا التنوع، تتقدم معارض رواد الفن القطري، حيث نطالع في "الغاليري" معرضاً جديداً للفنان سلمان المالك بعنوان "كأنني أتبع أثري" حيث برزت من خلال أربع وثلاثين لوحة علاقته مع اللون الكائن، إذ يتنفس ويشيخ ويتجدد، ويتجاوز كونه وسيطاً بصرياً. اللوحة عند المالك لا تغلق على نفسها. هي في حالة خلق دائم، بكتلها الكبيرة، التي تبدو كأنها تعلمت لغتها وحدها.
يكتب المالك في كتيب المعرض "أسأل نفسي عمّا تركته خطواتي خلفي، وعن معنى الطريق إذا انمحى الأثر". هذا التساؤل يختصر رؤيته للوحة من حيث هي رحلة في الذات أكثر منها عملاً منجزاً. فهو يتأمل أثر الخطوة، لا مسارها، ليعيد بناء العلاقة بين الحلم والمكان والهوية.
وفي معرض "سنة الطبعة"، الذي أقامه "فناء آرت" استحضر الفنان العراقي سالم مذكور الذكرى المئوية لكارثة وقعت إثر إعصار ضرب المنطقة حين كان موسم الغوص يقترب من ختامه، في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 1925.
كانت سردية بصرية مزجت المأساة بقراءتها مجدداً بالعينين المحدقتين على اتساعهما. أي كارثة كانت تطيح السفن وتقتل العباد كانت تسمى طبعة، فالسفينة طبعت أي غرقت، وقد كان غرقاً يطيح أرواح الناس والحياة الاقتصادية والاجتماعية حين كان مصدر رزقها البحر.
من بين المعارض اللافتة أيضاً "أثر.. خزافون وأثر لا يزول" الذي يجمع عدداً من أبرز الخزافين من قطر وخارجها، مقدمين أعمالاً تتراوح بين النحت الجداري والتجريب في الطين والرماد والأكسدة.
يتخذ المعرض من مادة الخزف وسيلةً لاستكشاف العلاقة بين الأثر والزمن، حيث تتجاور فيه الأساليب التقليدية بالتقنيات الحديثة.
في أعمال النحات العراقي أحمد البحراني يطل الطين بلونه الترابي جسداً للسلام والحرية، بينما يستعيد حميد القحطاني مفردات البيئة الخليجية في صوغ روحي، وتقدم هيفاء الخزاعي لغة مستلهمة من التراث القطري بمفردات بسيطة ومباشرة.
وفي الاتجاه التجريبي، يذهب الفنان القطري طلال القاسمي نحو التجريد الفلسفي للطين، محولاً المادة إلى فكرة، وتقدم تاتيانا بوغدانوفا مزيجاً من الزخرفة الروسية والحداثة الغربية، بينما يربط الفنان الكويتي علي حسن العوض بين الحرفة والمجاز الكوني للطين، ويحول القطري أحمد الحداد الخزف إلى مختبر للتجريب المعرفي والفكري.
أما العراقية ريم البحراني فتعالج مفهوم الانتماء والمنفى من خلال بيوت طينية، أو لعلها أرشيف بصري يقيس الذاكرة بالنبض، بيوت متوهجة تارة، وتارة رمادية شاحبة، في حين يعيد القطري عبد العزيز يوسف صياغة المشهد الجماعي بأسلوب تعبيري تجريدي يمزج بين السرد الثقافي والهوية.
ويقدم مسعود راشد البلوشي من عُمان تجربة تتقاطع فيها الحرفة بالتأمل، إذ ينطلق من واقعية الطين واللون ليبلغ فضاء أقرب إلى التصوف البصري.
يفضي الخزف إلى معرض "قطوف.. تأملات بصرية في الزهور القطرية"، حيث تحولت الأزهار إلى مفردات لونية على خامات مختلفة من الخزف، والنسيج، والزجاج، والرسم، صورت أو استلهمت نباتات كالعوسج والشفلح والعرفج، وهي بعض من نبات البيئة القطرية.
تتجاور أعمال سلمان المالك وسالم مدكور وحصة كلا وآخرين
وفي أحد الاستوديوهات المخصصة لعشرات الفنانين، قدم القطري أحمد نوح مشروعاً فنياً يقوم على تحويل الورق إلى أثر مادي للزمن والمعرفة. في أعماله تتكدس الصحف والصفحات وتعاد صياغتها في أشكال هندسية متشابكة، كأنها بقايا مكتبة تحوّلت إلى جسدٍ بصري، ويصبح العمل مساحة للبحث في مصير المعرفة عندما تفقد لغتها وتتحوّل إلى مادة.
أما استوديو الفنانة القطرية حصة كلا فنعاين فيه تداخل كولاج السطح مع اللون والخط. تعتمد الفنانة على تقنية اللصق والطبقات الشفافة، لتكوين مشهد بصري تتجاور فيه الزخارف القديمة مع المساحات اللونية الحديثة، في حوار بين الذاكرة والآن.