استمع إلى الملخص
- قسّم الباحث الكتاب إلى أربعة أقسام: المسائل النظرية والمصادر، الوضع الجيوسياسي، استراتيجيات التفكير الحربي، والممارسات الحربية والتقنيات القتالية مثل الفروسية.
- اعتمد على مدوّنات تاريخية ورسائل فروسية لتقديم صورة دقيقة عن الحروب المملوكية، مقارناً تقنياتها بحروب العصر الحديث ومبرزاً الفروق في وسائل التدمير.
لا تزال مناطق شاسعة في التاريخ الإسلامي الوسيط مجهولة بسبب طغيان الرؤى الرسمية، وغالبها تمجيديّ، للأُسر الحاكمة وللثقافة المهيمنة. ومن بين هذه المناطق المُغيَّبة المعيش اليومي للحروب والنزاعات، ولا سيما تلك التي اندلعت بعيداً عن مراكز السلطة وفي الثغور، أي على الحدود النائية لأرض الإسلام، أو تلك التي قادتها جماعات إثنية ولغوية غير عربية، ممّن انضوى تحت لواء الخلافة العباسية وما قام بعدها من طوائف وممالك ودُويلات، مثل المماليك الذين امتدّت دولتهم من سنة 1250 إلى 1517م.
وإلى هذه الفترة يعود الباحث المغربي مهدي برياح في كتاب جديد يحمل عنوان "فنّ الحرب عند المماليك (1250 - 1375): استراتيجية وتكتيكية"، والذي صدر حديثاً عن "دار بريل" (ليدن، هولندا).
تندرج هذه الدراسة ضمن عدد من الأعمال الجامعية التي خصّصها برياح لمفهوم "الجهاد" وللتطوّرات الكبيرة التي لحقت هذا المفهوم الفضفاض الذي تباينت معانيه بحسب الاستخدامات السياسية والدينية طوال العصر الوسيط. مفهومٌ ازدادت تعقيداته بسبب توظيفه في الخطابات العربية المعاصرة، ولا سيما لدى الجماعات التي تؤمن بالحرب طريقاً للتغيير. ولذلك عاد إلى جذوره ليُظهر مدى تنوّع ألوانه من دفاع ومهاجمة وفتح وزجر وغيرها.
موضوعٌ لم تتناوله سوى بضعة أبحاث وبأدوات استشراقية
وقد قسّم مهدي برياح كتابه هذا إلى أربعة أقسام: تناول في الأوّل منها مقدّمات المسألة النظرية بمستوييها الذهني والعملي مع تحديد لإشكال البحث وعرْض أهمّ ما أنجز عن المظاهر العسكرية خلال حقبة المماليك البحرية، متناولاً طبيعة المصادر والمدوّنات المستعمَلة في عرضها، وكلّ ذلك بأسلوب إشكالي نزع ثوب البداهة عن المقاربات السطحية المتداولة. وخصّص القسم الثاني للوضع الجيوسياسي للقوى الحاضرة في منطقة "الشرق الأوسط" آنذاك، في فترة 1250 و1260م، مع التركيز على الأطراف الفاعلة الثلاثة الكبرى: المغول والفرنج والأرمن التي حاربها المماليك، وكانت كلّها تتنازع السيطرة على الأرض والسلطة ضمن جدل ديني-حربي تمتزج فيه أبعاد الواقع بالغيب، والتي سعى برياح إلى استكناهها وعرض مضامينها.
وأمّا القسم الثالث، فخصّصه لاستراتيجيات التفكير الحربي ووضع التصوّرات السابقة للتحرّكات العسكرية، والتي تختلف بحسب طبيعة العدوّ؛ إذ تتباين تسمية الحرب ودوافعها ومضامينها ورمزيتها بحسب الجهة المحارَبة. فقد كانت تلك الأعمال العسكرية دفاعاً وزجراً حين وُجّهت ضدّ المغول، كما كانت مهاجمةً حين خيضت ضد الفرنج، وأخيراً هدفت إلى إضعاف العدوّ واستغلاله تمهيداً لغزوه، كما كان الشأن في ما يخص محاربة الأرمن. وهذا هو التصنيف المنهجي الذي اجترحه برياح من أجل التخفيف من الأحكام التعميمية.
وتطرّق الفصل الرابع والأخير إلى الممارسات الحربية لدى المماليك، مع التذكير بالأسس والخصائص العامّة التي اعتمدوها؛ مثل الفروسية وتقنيات القتال، فضلاً عن خطط مهاجمة القلاع للاستحواذ عليها، فقد كانت الحروب مركّزة آنذاك على الاستيلاء على مدن جلّها محصنة أو على قلاع تُمثّل جوهر السلطة، فإذا سقطت، سقطت الدولة بأسرها. وقد حلى الكتاب بمجموعة من الخرائط والصور التاريخية الحقيقية التي تعود إلى الآثار ومخلّفات حروب تلك الحقبة، رغم مضيّ سبعة قرون، مثل حجارة المَنجنيقات التي كانت تُستخدم لتحطيم الأسوار.
وهكذا، تكمن أهمّية هذا العمل في التركيز على التكتيك الحربي وتقنيات الدفاع والهجوم، مع الرجوع إلى الأدوات المادية (الأسلحة) والمفاهيم المجرّدة (الاستراتيجيات والتصوّرات) التي خيضت وفقها الحروب. وقد كانت مثل هذه الموضوعات الدقيقة مهمّشة لصالح "تاريخ رسمي" يُركّز على انتقال السلطة لدى الأُسر الحاكمة وما يصحبه من تحوّلات سياسية كبرى، وهو النهج الذي اعتمدته مدرسة "الحوليات" الفرنسية التي سادت لفترة طويلة.
ومع أنّ هذا الضربَ من الدراسات القطاعية (حقل الحروب) قد شهد تقدُّماً في المجال الأوروبي، لكنه ظلّ متأخّراً فيما يتّصل بالمجال العربي الإسلامي، إذ لم يُخصّص لهذا الموضوع سوى بضعة أبحاثٍ نهض بها مستشرقون تناولوه بأدوات استعلائية، ومن ذلك الادّعاء بأنّ المسلمين اقتبسوا استراتيجيات الحروب ممّا جاورهم من الأمم البيزنطية والساسانية، في مقاربة هدفها نزع الأصالة عن التراث العسكري الإسلامي.
وهنا تأتي هذه الدراسة لتكشف مدى المتغيّرات والفوارق الكبرى التي حكمت ما أُطلق عليه في المخيال الغربي "الحروب المقدّسة"، وهي إشارة إلى كلّ أنواع الحروب الدفاعية والزجرية والتكتيكية والخاطفة التي قادتها أُسر معيّنة، وهي سلطنة المماليك في حالتنا، ضدّ واجهات متعدّدة. فليست كلّ الحروب جهاداً ولا كلّها مقدّسة؛ بل كانت نزاعات اعتمدت على تبريرات عديدة. وفي السياق المملوكي، كان المرجع فيها القدرات الحربية الخارقة للدفاع عن دار الإسلام ضدّ الفرنج من جهة شاطئ الشام والأرمن شمالاً إلى المغول في منطقة سورية.
ولتفكيك هذه المظاهر الدقيقة، اعتمد الباحث مدوّنة أثرية تتألّف من كتب التاريخ العام التي شاعت في العصور الوسطى، حيث نقل منها العديد من الشواهد العربية وترجمها إلى الفرنسية، حتى تكون النصوص ذاتها هي التي تنطق بالمعلومات التفصيلية الخاصّة بكلّ محور. وفي ذلك أيضاً يَظهر شكلٌ آخر من القطيعة مع آليات الاستشراق التقليدية التي كانت تتحاشى نقل النصوص الأصلية، وتكتفي بتأويلات بعيدة وأطروحات مستعجلة غالباً ما تفتقر إلى الشواهد القاطعة.
اعتمد الكتاب مدوّنات مجهولة حتى في الثقافة العربية الإسلامية
كما اعتمد مهدي برياح في رسم هذا التاريخ القطاعي على مدوّنات مجهولة ومهمّشة حتى داخل الثقافة العربية الإسلامية، ولا سيما رسائل الفروسية والمتون الموجزة المخصّصة لنصائح يقدّمها القادة للجنود لتحفيز العزائم وبيان خطط النصر. واستشار أيضاً الآثار والحفريات المادية وهي ما تبقّى من القلاع والحصون والأحجار التي تشهد على سير المعارك والحروب وما نُشر خلالها من استراتيجيات. ولئن بدت هذه الآثار اليوم بدائية، فقد كانت في عصرها متقدّمة مكّنت دولة المماليك البحرية من القضاء على ثلاثة أعداء أشدّاء: الفرنج، والمغول، والأرمن، ليظهروا بمثابة الجيش الذي لا يُقهر طيلة أكثر من قرن (1250 - 1375).
تفتح هذه الدراسة الرائدة حقلاً جديداً يستعيد الفترات المنسيّة من تاريخ الإسلام، بالرجوع إلى المظاهر الجزئية التي غالباً ما أهملها المؤرّخون، مثل المعارك والحصار، وذلك بهدف إظهار تفاصيل اللباس والأكل والصنائع الحربية، وما يحيط بفنّ الحرب من أساطير وشعارات ومشاعر. كلّ هذه الجوانب قد رسمتها المدوّنات المهمَّشة التي كتبها مؤرّخون مجهولون، بل أيضاً قادة ميدانيون. ولحسن الحظ، حُفظت كتاباتهم وظلّت شاهداً موثوقاً على هذه التفاصيل.
وقد استغلّ مهدي برياح هذه النصوص المهجورة استغلالاً متميّزاً، شارحاً موارد القوّة العسكرية التي طالما ميّزت المماليك، ثم امتدّت آثار قوّتهم حتى حقبة ما قبل النهضة في كلّ من مصر وتونس وبلاد الشام. ولا يسع القارئ ختاماً إلّا أن يقارن بين تقنيات الحروب المملوكية بحروب عصرنا المدمّر، ليرى الفروق الشاسعة في وسائل التدمير والإبادة التي تجري تقريباً في المنطقة نفسها.
* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس