من الفوتوغرافيا إلى الذكاء الاصطناعي: هل تتحقق نبوءة فالتر بنيامين؟

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16:18 (توقيت القدس)
فالتر بنيامين، 1 يناير 1930 (Getty)

قبل نحو قرن، وتحديداً في عام 1931، كتب الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين مقالته الفارقة "تاريخ صغير للتصوير الضوئي"، متأملاً في وسيط جديد بدأ يغزو المشهد الثقافي. كان فالتر بنيامين يخشى أن يمنح التصوير "أي علبة حساء أهمية كونية، لكنه لا يستطيع أن يمسك بعلاقة إنسانية واحدة من العلاقات التي توجد فيها". هذه الجملة، التي تبدو كأنها نبوءة غريبة عن عصر الذكاء الاصطناعي، باتت محور نقاشات جديدة، خصوصاً مع التدفق الهائل للصور المُولَّدة رقمياً التي تغمر الفضاءات الرقمية اليوم.

هذه النبوءة التي عبّر عنها بنيامين حول خطر الصورة، هي ما تستكشفه الكاتبة جوليا كورت في مقالها الذي نشرته في موقع hyperallergic هايبرلليرجيك في يوليو/ تموز الماضي، معيدة قراءة تحذيراته في ضوء التطورات التكنولوجية المعاصرة.


الجمالية الخطرة للصورة

في كتاباته حول الصورة، لم يكن فالتر بنيامين معادياً للتصوير الفوتوغرافي، لكنه كان يخشى من تحوله إلى أداة تجميلية تزيّن الواقع وتجرده من سياقه النقدي. كان قلقه يكمن في قدرة الكاميرا على خلق انطباع زائف عن الواقع، ما يجعل الصورة أكثر إقناعاً وخداعاً من الرسم مثلاً. فبينما يمكن للرسام أن ينأى بنفسه عن الواقع، تمنح عدسة الكاميرا المشهد هالة من الصدق، حتى لو كان هذا الصدق مزيفاً.

ويذهب بنيامين إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن المصورين يمكنهم "إغراق مداخن مصنع الصلب في الضوء الناعم نفسه لأشجار الغابة"، حيث يصف هذه العملية بأنها تجميلية، تحيِّد الجانب النقدي للصورة، وتحوّلها إلى موضوع جمالي قابل للاستهلاك، بدلاً من أن تكون أداة لفهم العلاقات الإنسانية والاجتماعية المعقدة التي توجد فيها. هذا هو الخطر الذي رأى فيه بنيامين تهديداً حقيقياً، حيث تصبح الصورة أداة لتسكين الوعي وليس لإيقاظه.

تمثّل قلق بنيامين بقدرة الكاميرا على خلق انطباع زائف عن الواقع

فالتر بنيامين المولود في برلين عام 1892 لعائلة يهودية ثرية، لم يكن فيلسوفاً أكاديمياً بالمعنى التقليدي، بل مفكراً هامشياً تنقل بين الفلسفة والنقد الأدبي ونظرية الفن. تأثر بشكل كبير بالماركسية والتصوف اليهودي، وهو ما منح كتاباته طابعاً فريداً يصعب تصنيفه. عاش معظم حياته مضطرباً مالياً، واضطر إلى الفرار من ألمانيا النازية عام 1933، ليقضي سنواته الأخيرة متنقلاً بين باريس ومدن أوروبية أخرى. في عام 1940، ومع اجتياح النازيين لفرنسا، حاول الهروب عبر جبال البرانس إلى إسبانيا، لكنه انتحر في بلدة بورت بو الحدودية بعد أن منعته السلطات الفرنسية من مواصلة الطريق.

ترك وراءه مؤلفات قليلة نسبياً، لكنها أصبحت مراجع أساسية في نظرية الثقافة والنقد، وتكتسب قراءته للتصوير الفوتوغرافي أهمية خاصة لأنه كتبها في لحظة تحول تكنولوجي كبرى، كانت فيها الصورة تنتقل من كونها أداة توثيق إلى وسيط جماهيري قابل للتلاعب.


من الفوتوغرافيا إلى الصورة المُولَّدة

كيف ينطبق تحليل فالتر بنيامين على صور الذكاء الاصطناعي التي تغمر منصات توليد الصور الرقمية؟ إذا كان الخطر في زمن بنيامين تجميل واقع قائم، فإن الخطر اليوم يتضاعف مع قدرة الذكاء الاصطناعي على خلق واقع جديد بالكامل من لا شيء. فالصورة المولَّدة بالذكاء الاصطناعي بناء كامل لعوالم وأشخاص وأحداث لم تحدث قط، ما يجعل التحذير الذي أطلقه بنيامين أكثر إلحاحاً.

فإذا كانت الصورة الفوتوغرافية قد خلقت انطباعاً مزيفاً عن الواقع بناءً على وجود مرجع في العالم المادي، فإن صورة الذكاء الاصطناعي تحقق هذا الانطباع دون أي مرجع على الإطلاق. إنها تحاكي الواقع ذاته، وتقدم لنا صوراً لأشياء عادية محملة بجماليات غير حقيقية، ومنفصلة تماماً عن أي علاقة إنسانية، وكأنها تحقق أسوأ مخاوف بنيامين، حول الصورة التي تصل إلى ذروة الجمال والإتقان التقني، ولكنها تخلو من أي معنى إنساني أو سياق نقدي.

يُستلب المُتلقي للذكاء الاصطناعي بعيداً عن أي تأمل نقدي

تتزامن هذه القراءة المعاصرة لبنيامين مع حدث مؤسسي لافت في المتحف اليهودي بنيويورك، حيث أقيم معرضان مستقلان متزامنان. الأول معرض "بول كلي: عوالم أخرى ممكنة"، وهو الأول من نوعه في متحف أميركي يُركز على الفترة المتأخرة من حياة الفنان السويسري، ويضم لوحته الأيقونية "الملاك الجديد" التي اشتراها بنيامين عام 1921 وأصبحت مصدر إلهام له. أما المعرض الثاني، فبعنوان "فالتر بنيامين وحواف التصوير الفوتوغرافي"، يركز على علاقة الفيلسوف النقدية بفن التصوير، ويضم أعمالاً لمصورين أثّر بهم مثل أوغست ساندر ومان راي. هذا التزامن بين معرض فني يركز على لوحة كلي، وآخر نظري يركز على فلسفة التصوير، يتيح للزائر رؤية بنيامين من زاويتين متكاملتين، بوصفه قارئاً للعمل الفني، ومنظراً نقدياً لوسيط الصورة أيضاً. بل إن هذا الاهتمام المؤسسي بفكر بنيامين في سياق معاصر يشير إلى إدراك متزايد لأهمية نظرياته في فهم أزمة الصورة الرقمية التي نعيشها اليوم.

ويلاحظ النقاد أن التحذير الذي أطلقه فالتر بنيامين لم يكن موجهاً ضد التكنولوجيا بحد ذاتها، بل ضد الاستخدام الخادع لها. ففي مقاله الشهير الذي أشرنا إليه في البداية، ميّز بين التصوير الذي يستفز التفكير والتصوير الذي يُهدئ الوعي ويدفعه إلى استهلاك الصور الجميلة دون تساؤل. اليوم، مع صور الذكاء الاصطناعي التي تُنتَج وتُستهلَك بسرعة مذهلة، يصبح هذا التمييز أكثر أهمية. فالصور المولدة التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، غالباً ما تكون مصممة لجذب الانتباه وإثارة الدهشة، ما يجعل المتلقي في حالة استهلاك سلبي، بعيداً عن أي تأمل نقدي في مضمونها أو مصدرها.

هذا التمييز الذي طرحه بنيامين بين الصورة الناقدة والصورة المُسكِنة، هو ما يعيد تقديمه الناقد غريم غيلوتش في كتابه "فالتر بنيامين: تراكيب نقدية" (ترجمة مريم عيسى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2019)، حيث يخصص فصلاً كاملاً لمناقشة تأملات الفيلسوف في وسائط التصوير والسينما والراديو. يرى غيلوتش أن بنيامين لم ينظر إلى هذه التقنيات الجديدة باعتبارها مهددات ثقافية فحسب، ولكن كأدوات تحمل في طياتها إمكانات ثورية لإعادة تشكيل الإدراك الجماعي، شرط أن تُستخدم نقدياً وليس تجميلياً.