من أوديسة هوميروس إلى "أوديسة" كريستوفر نولان

17 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 06:33 (توقيت القدس)
كريستوفر نولان خلال العرض الأول لفيلم "الأوديسة"، في لندن، 6 يوليو 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- "الأوديسة" لهوميروس نص معقد يتضمن عوالم الآلهة والبشر، مما يجعل تجسيدها سينمائياً تحدياً كبيراً. يحاول كريستوفر نولان اقتباسها باستخدام تقنيات متطورة لتقديم تجربة بصرية تعكس التيه الوجودي للبطل.

- السينما تعدل النصوص الأدبية لتناسب الشاشة، مما يؤدي إلى فقدان بعض الجوانب الجمالية والفلسفية. تسعى السينما لتقديم تفسير بصري للأدب باستخدام أدوات مثل النص والجسد والإضاءة.

- نقل "الأوديسة" للشاشة يفقدها تعدد الاحتمالات، حيث تقدم النسخة السينمائية رؤية محددة. اقتباس نولان يعكس حدود الفن السينمائي في تجسيد عمق الملحمة الأصلية.

يرى النقاد في «أوديسة» هوميروس نصاً لا يقبل التّرويض ولا تستطيع السينما أن تكيّفه لشاشتها، مع ذلك، لم تتوقف الكاميرا عن ملاحقته. واليوم، مع إعلان كريستوفر نولان اقتباسه الجديد مسلحاً بتقنيات ثورية لم يحظ بها من سبقوه، كما لم يحظ بها أي فن آخر، يتجدد السؤال نفسه: ماذا تفقد الحكايات عندما تنقل من وسيطها الأصلي إلى وسيط آخر، أياً كانت إمكاناته التقنية؟


خيانة مشروعة

بديهي أن الأوديسة ليست مجرد رحلة حافلة بالمغامرات في الأرض والبحر وعلى قمم الأولمب؛ إنها بانوراما تتجاور فيها الآلهة والبشر، والعمالقة والساحرات، والعواصف والدوامات، وتمتد حتى العالم السفلي ليلتقي الأحياءُ الموتى، قبل أن تتبلور إلى أسئلة وجودية حول الحرب والسلام، والرحيل والعودة، والبيت والهوية، تلك الأسئلة التي تطارد الإنسان في كل زمان ومكان. 

ولا غرابة أن تنجح السينما في تجسيد هذه العوالم، فالتقنيات الحديثة قادرة على فعل الأفاعيل، كما أن تطورها السريع يضمن تربّع الصورة على عرش الإبداع، لكن السؤال الحقيقي هو مدى قدرة الصورة على حمل طاقة النص كاملة بكل أطيافه الجمالية والفلسفية. إنها عملية فيزيائية تشبه انكسار شعاع الضوء ما إن ينتقل من وسطٍ إلى آخر، كذلك الحكايات لا بد أن تنحرف عن مسارها كلما غادرت وسيطاً إلى غيره.

السينما لا تقتبس الحكاية حرفيا، بل تجري عليها عملية جراحية
 

ولا شك أن نولان استثمر بالفعل ترسانته التقنية لترويض هذا الانحراف؛ فمن أجل تمثيل التيه الوجودي وعزلة البطل أمام جبروت الطبيعة وانتقام الآلهة، لجأ إلى شساعة كادرات الـ IMAX بعرض 70 ملم ليبث الرعب في مواجهة جغرافيا البحر الكابوسية. ولتجسيد العواصف والمسوخ مثل "السايكلوب" أو "السيلا"، تخلى عن الاستسهال الرقمي لصالح المؤثرات العملية والدمى الآلية الضخمة التي بوسعها أن تفجر في صالة العرض صدمة حقيقية.

وغني عن القول أن السينما لا تقتبس الحكاية حرفياً، بل تجري عليها عملية جراحية محكومة بجرعات مقننة من البتر والترقيع والتقديم والتأخير لتفصيل القصة على مقاس الشاشة؛ تارةً عبر آلية "التكثيف بالدمج" كما فعل المخرج داوود عبد السيد في «الكيت كات»، حين عَجَن شخصيات رواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان، ولضم الأحداث وصهر الأزمنة في بوتقة واحدة كي تستطيع الصورة أن تحملها، وتارةً أخرى عبر "التوسيع والتمديد" لملء زمن العرض، كما حدث مع قصة يحيى حقّي القصيرة التي تحولت إلى فيلم «البوسطجي» على يد حسين كمال، أو قصة «الحالة الغريبة لبنجامين بتن» لسكوت فيتزجيرالد، حين أخرجها ديفيد فينشر، مبتكراً مسارات سردية جديدة. 


جبل الثلج العائم

ينبهنا هذا العبور المكلف إلى أن النص لا ينتقل بين وسيطين متكافئين، بل يعبر خطاً فاصلاً بين عالمين لكل منهما منطقه المغاير في إنتاج الدلالة. فالرواية لا تمتلك سوى أداة واحدة هي الكلمة المجردة، بينما تدير السينما ترسانة كاملة من العناصر المتفاعلة: النص، والجسد، والإضاءة، والمونتاج؛ لتخلق فناً هجيناً استفاد من كل ما سبقه من فنون، واستوعبها في جوفه الواسع.

ورغم التخمة، تقف السينما عاجزة أمام تجربة طويلة خاضتها الكلمة عبر تاريخٍ طويل، فهي محكومة بما يمكن تجسيده، بينما تملك الكلمة قدرة مطلقة على سبر الأغوار ومنح الوجود لما لا يمكن رؤيته: كتيار الوعي، والذكريات المتداخلة، والهواجس التي تتشكل داخل الإنسان قبل أن تتحول إلى فعل يمكن رصده.
ولعل الروائي جيمس جويس كان من أوائل من تفطنوا لهذه الحدود عقب تأسيسه لدار سينما «فولتا» في دبلن عام 1909؛ فقد أدرك أن السينما بارعة في التقاط الأسطح والحركات، لكنها تعجز عن الولوج إلى الأعماق. ولأجل استيفاء الرؤية، اتجه جويس في مشروعه الروائي إلى تسليط الضوء على الجزء المغمور من جبل الثلج؛ أي تلك المادة الذهنية الخفية وسيولة الذاكرة التي تعجز الصورة – برغم كل جبروتها التقني – عن التقاطها، ليبقى أقصى ما يمكن للسينما أن تقدمه هنا هو "تفسير بصري" لعوالم الأدب العصية.

أداة الرواية واحدة هي الكلمة بينما تدير السينما عدة أدوات 
 

يحاول نولان التغلب على هذه العقبة بترويض الزمن – بؤرة هوسه – مستعينًا بالتلاعب بالإطارات والمونتاج المتوازي، ليمدد زمن التيه كأنه دهر في وعي أوديسيوس، أو ينكمش في لحظات الغواية. وتأتي العدسات العملاقة لتعكس ضآلة الإنسان أمام جبروت القدر. ومع عبوره إلى العالم السفلي، تتواطأ موسيقى "نغمة شيبارد" الارتجاجية، بوهمها الصوتي المتصاعد بلا نهاية، مع تضاد الضوء والظل، لتجسيد ما يصطرع في قلب البطل.


الأوديسة المفقودة

مع ذلك، فإن أول ما تخسره «الأوديسة» عند انتقالها إلى الشاشة هو تعدد الاحتمالات؛ ذلك الفضاء الرحب من الصور التي تتشكل في ذهن كل قارئ وتُعاد صياغتها مع كل قراءة. فلا يعود هناك عوليس واحد، ولا مسخ ذو هيئة نهائية، ولا وجه واحد يمكن أن يحتكر جمال هيلينا. فقد تعمّد هوميروس ألا يرسم ملامحها مباشرة، بل ترك القارئ يتعرف إليها من خلال انطباعات الآخرين ودهشتهم وردات أفعالهم. وهكذا يصبح كل قارئ شريكًا في كتابة الملحمة.

على النقيض، تقوم الصورة السينمائية على التعيين، فهي لا تقترح شكل العالم، بل تحدده وتنص عليه. يتعزز ذلك في تكييف «الأوديسة» تحديداً، فقد تشكّلت بالأساس داخل وسيط شفوي حيث كانت تُنشد في مجالس السمر وحول حلقات النار.

من هنا، يبدو أيضاً النص المكتوب – الذي يرتكز عليه نولان وغيره اليوم – أبعد ما يكون عن مضاهاة الأوديسة الأولى؛ فهو ليس سوى تثبيت لإحدى النسخ المرتجلة، كممت فيه طاقة التفاعل، وتبدلت معه شروط التلقي كلياً: من طقس الحضور الجماعي المتناغم مع إيقاع الراوي، إلى عزلة القارئ في غرفته.

لذا، ومهما تماهت عبقرية نولان مع خيال هوميروس، فإنه لن ينقل الأوديسة الشفوية، ولن يعيد إنتاج الأوديسة المكتوبة، بل بالأحرى، يقدم للإنسان المعاصر في الألفية الثالثة "أوديسة جديدة" بتوقيع نولان، وهي مغامرة مهمة لأنها ستكشف بوضوح تخوم الفن السينمائي؛ أي ما تستطيع الصورة أن تجسده ببراعة، وما تعجز – بكل ترسانتها الضخمة – عن حمله من تضاعيف الملحمة وطبقاتها المتراكمة عبر الزمن.