منسوجاً بنول الحرفة

20 يناير 2021
الصورة
محمد خياطة/ سورية
+ الخط -

يعرف الكُتّاب أنّ ميدان القص هو ذاكرة البشر، سواء تلك الخاصة بهم كتّاباً، أو تلك التي تعود إلى جماعات يكتبون عنها ويعيشون معها، فالذاكرة تشكّلُ خزاناً لـ الحكايات التي يعيدُ الكُتّاب إحياءها.

في الذاكرة يجدُ الكاتب شيئاً ما كي يرويه؛ إنّ حكايةً ما تتجسّد في الكلمات وتخرج إلى الملأ. لكن ما يثيرُ الكاتب، لا الذاكرة بوصفها خزّاناً لأحداث ومواقف منتهية، وإنّما المصائرُ التي تبدأ من نقطة بعيدة في الماضي. حيثُ يأخذ الروائي على عاتقهِ، أن يفكك الحاضر وصولاً إلى اللحظات البعيدة، وأن يعيدَ اكتشاف ذلك الماضي. وفي إعادة التركيب تُصْنَعُ الشخصية عبر تصوير سياق نموّها.

بذلك يؤكد كاتبٌ على ما يجعل شخصيةً ما، تعاني من رُهاب الفِقدان بأن يشيرَ إلى فقدانٍ قديم عرفتهُ تلك الشخصية. وعندما يشيرُ إلى نزوع واحدة من شخصياتهِ إلى التخلّي عن الآخرين، فيعود في ماضيها ويشيرُ إلى تخلٍّ كبير كانت الشخصية قد عانت منهُ. حتى تصيرَ الشخصيات مُقْنِعَة، ينبغي أن يعودَ الكاتب إلى ذاكرتها، أن يبحثَ عمّا قادها إلى الصورة التي آلت إليها؛ إذ إنّ مجال الكاتب، لا الواقع الذي تتحرّكُ فيهِ الأحداث وحسب، وإنّما ما قاد إليهِ أيضاً، وكيف تجسّد؟ بأي تصوّراتٍ وأية أساليب. مِن طرق الفنّ كي يكون مقنعاً ومؤثرًا، أن يبني الأسباب ومن ثمّ يقود إلى النتائج.

يهتم الكاتب بالطرق التي يستطيع من خلالها إدراج حكاياتهِ في ذاكرة المتلقي

لكن مجال الذاكرة لا يرتبط بالبشر فقط، وإنّما في علاقاتهم مع الأشياء التي تحيطُ بهم، ونادراً ما تُخالف الشخصيات التي نقرأها طبيعة الأشياء التي نعرفها. حتى في أكثرِ النصوص غرابةً، سرعان ما تندرجُ الشخصيات في إطار الممكن والملموس لمنطق الأشياء. في "التحوّل" لكافكا بعد أن وجد غريغور سامسا نفسهُ قد تحوّل إلى حشرة ضخمة، تابع كافكا الحديث عن حشرة، لا عن إنسان. وصارت الرواية حكاية لتأقلم الحشرة العملاقة مع الأثاث في الغرفة الضيقة، وهذا أمرٌ ممكن التخيّل ومعقول الإدراك.

كذلك في رواية "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول (1832-1898) عندما وجدت أليس نفسها في عالم يبدو فيهِ كلّ شيءٍ غريباً، وغير مألوف؛ إذ اعتقدت ما إنْ كَبُرَ حجمها وخرجت يدها من النافذة بعدما ملأت زوايا بيت السيد الأرنب؛ بأنّها تعيش في حكاية قرأتها ضمن كتاب. إذاً حتى عندما يخرج الأدب عن كلّ مألوف بصورةٍ لا يمكن إدراكها، فإنّه لا يزعم المجيء من الواقع، بل يزعم المجيء من حكايات مُتَخيلة. لذلك عندما وجدت أليس نفسها في مكان، لا يوجد ما يشبهه في ذاكرتها الواقعية بحثت عن قصة كانت قد قرأتها في الماضي، كي تنتمي إليها. ثمّ في النهاية يجعلُ لويس كارول المنام مرجعيّة كاملة للحكاية، والتي عادت عندئذٍ لتندرج ضمن منطق الأشياء من جديد.

يهتم الكاتب بالطرق التي يستطيع من خلالها إدراج حكاياتهِ في ذاكرة المتلقي، وذلك عبر بناء الشخصيات النفسي وتصوير علاقاتها مع ما يحيطُ بها. ثمّ ما هي الفنون، سوى تلك الماكينة التي تعيدُ إلى البشر ما تأخذه منهم، لكنها تعيدهُ منسوجاً بنول الحرفة.


* كاتب من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون