استمع إلى الملخص
- يستخدم الفقي البرونز ليرمز إلى ثقل الزمن وصراع الإنسان، متجاوزاً التقاليد الفنية ليفتح باب التساؤلات حول جوهر الإنسان وعلاقته بأهدافه.
- تدعو الأعمال المشاهد للتأمل والحوار الداخلي، حيث تصبح كل منحوتة سؤالاً مفتوحاً، مما يجعل المتلقي شريكاً في تجربة الفن والتفكير في ماهية الإنسان.
حين نتأمل الأجساد البرونزية التي يقدمها الفنان المصري كمال الفقي، نجدها تقف على حافة التوازن بين الوضوح والاختزال كأنها تتجسد في لحظة وجودية مشحونة بالمعنى. الملامح تكاد تختفي، فلا يترك الفنان سوى هيئة بشرية مجردة، كتلة متماسكة تذكّرنا بأن الإنسان، في النهاية، ليس مجرد ملامح أو تفاصيل دقيقة، بل هو أولاً وأخيراً ذلك الكائن الذي يسعى نحو غاية، ويشدّ ذراعيه ليمسك بالصندوق الذي يمثّل حاجته أو يرفعه عالياً كأنه يعلن امتلاكه للهدف. في كل منحوتة يبدو الجسد في حوار صامت مع الصندوق، في عناق أو صراع، في احتضان أو حمل ثقيل، لتصبح الحركة ذاتها مرآة للجدل الذي يسكن الداخل.
في معرضه القاهري "صندوق شوبنهاور" المستمر في غاليري بيكاسو حتى مساء اليوم، يستحضر الفقي شوبنهاور، الفيلسوف الذي جعل من الإرادة جوهر الوجود؛ هذه الإرادة التي لا تهدأ والتي تدفع الكائن إلى البحث الدائم عن الرغبة، هي نفسها ما يحاول الفنان أن يجسّده مادياً. خامة البرونز هنا تبدو شاهداً على صراع داخلي، مادة صلبة تحمل فوق سطحها أثقال الزمن وتحوّلاته، مثلما يحمل الإنسان رغبته وهدفه عبر مسار شاق. في هذه الاستعارة يلتقي الفلسفي بالبصري، وتتحول المنحوتة إلى ساحة حوار بين أفكار الفنان والكتلة النحتية.
من خلال هذه الأعمال، يُعيد الفقي تعريف العلاقة بين الفرد وغاياته، فهو يضع الإنسان الفرد في مواجهة مباشرة مع رغبته الخاصة. ليست المسألة هنا في المفاضلة بين الفردي والجماعي، بل في الكشف عن أن جوهر الإنسان يكمن في امتلاكه للهدف، سواء كان هذا الهدف جزءاً من حلم جمعي أو رغبة شخصية. إن لحظة الإمساك بالصندوق هي، في الوقت نفسه، لحظة انتماء إلى العالم وانفصال عنه، لحظة إعلان الذات بوصفها كائناً يملك غاية.
يبدو البرونز شاهداً على صراع داخلي، ويحمل فوق سطحه ثقل الزمن
وإذا كان الفقي قد اختار البرونز ليشكّل منه هذه المنحوتات، فلأنه يبحث عن لغة قادرة على حمل هذا المعنى الكثيف. فالبرونز، بلمعانه الذي يتقاطع مع الصدأ والبقع الخضراء، يوحي بالقِدم والخلود معاً. إنه معدن يذكّرنا بالحضارات القديمة التي صنعت تماثيلها لتمكث، لكنه هنا يتحول إلى وسيلة تعبير عن صراع معاصر. فالأجساد التي نراها على الرغم من بساطتها الظاهرية، تحمل في تكوينها شحنة من التوتر، كما لو كانت على وشك الانفجار من ثقل ما تحمله. هذا التناقض بين صلابة المادة وهشاشة المعنى الإنساني الذي تحمله، هو ما يمنح العمل بعده الجمالي والفكري في آن.
لا يقدم الفنان شروحاً لغوية معقدة، وربما لا يحتاج إلى ذلك، فالفن هنا يقوم مقام اللغة، والبرونز يتحدث ببلاغة أكثر مما قد تفعل الكلمات. في المشهد الذي نصادفه أمام المنحوتة، يلتقي المشاهد بما يشبه المرايا الداخلية، حيث يرى نفسه وهو يسعى نحو هدف ما، يجرّب أن يحتضن رغبة أو يواجه ثقل غاية. الفن، في هذه اللحظة، لا يصف الإنسان فحسب، بل يضعه في مواجهة مع ذاته.
هذه المنحوتات التي يقدمها الفقي لا تنتمي إلى اتجاه فني بعينه، بقدر ما تنفتح على تيار واسع من الأسئلة. فهي لا تسعى إلى تمجيد الجسد أو تصوير الحركة كما في النحت الكلاسيكي، ولا تذهب إلى التفكيك الحاد كما في بعض تجارب الحداثة المتأخرة. إنها تقع في منطقة وسطى، حيث يتحول الجسد إلى حامل لفكرة، ويتحول الشكل المختزل إلى رمز للوجود. بهذه الطريقة، يقدّم الفقي تجربته بوصفها جزءاً من تقليد نحت معاصر يبحث عن المعنى من خلال المادة، وعن الفكرة من خلال الصورة.
إنها تجربة تدعو المشاهد إلى التأمل أكثر من الانفعال، إلى الدخول في حوار داخلي مع العمل أكثر من الاكتفاء برؤيته من الخارج. فمن يتأمل هذه الأجساد البرونزية وهي تعانق صناديقها، سيدرك أن المسألة أبعد من مجرد شكل أو تركيب بصري. إنها دعوة للتفكير في السؤال البسيط والعميق في الوقت نفسه: ما الذي يمنح الإنسان ماهيته؟ أهو الهدف الذي يسعى إليه، أم الطريقة التي يتبناها لتحقيقه؟
من خلال هذه الأعمال، يضع كمال الفقي أعماله مثل علامات على الطريق، كأنّ كل منحوتة صندوق يحمل في داخله سؤالاً مفتوحاً. والمتلقي، في النهاية، ليس مجرد متلقٍ، بل يصبح هو الآخر شريكاً في حمل الصندوق، وفي اختبار الرغبة.