ملامح غامضة

23 يناير 2021
الصورة
نجاح زربوط/ تونس (جزء من لوحة)
+ الخط -

تقدَّمَ نحوي شخصٌ غائمُ المَلامح، يَرتَدي لباسًا مدنيًّا عاديًّا. طلبَ مني أن أتْبَعه في هدوءٍ، بعدَ أن أراني بطاقةً رسميَّةً، لم أتبيَّنْ لا شعارَها ولا خطوطَها. وَشْوَشَ في أذْني أنْ أظلَّ هادِئًا. لكنْ ضاعتْ وشوشتُه في صَخَب المقهى. فقد كنتُ جالسًا مع حَشْدٍ من الروّاد، نُتابِعُ مباراةَ النّصف نهائي للبطولة الأوروبيّة في كرة القَدم. كان صياحُهم يصمُّ الآذان. يخنقُ دُخانُ الأراجيل فضاءَ المقهى ويشكّل أعْلاه ما يُشبه سَحابةً رماديّة. أذعنتُ لأمْره في صمتٍ وانْطَلَقنا سويّةً داخلَ سيّارةٍ صغيرة، هي الأخرى اعتياديّة. وبعدَ نصف ساعة من السَّيْر في أزقّة البَلدة، توقّفت السيّارة أمام مبنًى ساذج، رُفعت عليه لافتة: "هَيئَة النَّشر الوطنيّة"، اسمٌ لا يوحي بشيءٍ، عَدا بُعدٍ رسميّ باهتٍ.

دخلنا المَبنى، فوجدتُ نفسي أمام مجموعةٍ من الغُرف الصغيرة، وفي كلّ واحدةٍ منها مكتبٌ متواضعٌ وخزانَة تكدّسَت فيها المَلفّات والأوراق والعديدُ من الرّوايات التي أعرف بعض كُتّابِها. جلّهم من المُعارَضَة. بادَرَني الرجّلُ بنبرة منافِقَة:

- آسِفون لإزعاجكَ. لَسنا من الشّرطة ولا من المُخابَرات، كما ظَننتَ لأوّل وهلةٍ. أنا، مثلك تمامًا، شخصيّةٌ من وَرَقٍ، كنتُ قد وُلدتُ في روايةٍ عَميقةٍ، ألّفَها كاتِبُنا نفسُه قبلَ سنوات. كان قد أتقنَ بناءَ كياني حتّى سوّاني شخصيّةً غرائبيّة مجرَّدة. ولكنْ، تَدخّلتْ "هيئةُ النشر" واقترحتْ عليه، بكامل اللطف، إجراءَ تعديلاتٍ عليَّ، حتى ذابتْ مَلامحي الأصليّة. فكادَ أن يمحوني بنقرةٍ واحدةٍ ويعوّضني كليًّا. تفاوضتُ مَعه، فقَبِلَ بإبقائي على قَيد الحياة، شريطةَ أن أصير "ناشِرَه التجاريَّ"، وأن أخضعَ للهيئة، وهي لِسان حال "جماعة فَوق"، كما يَحلو له أن يُسمّيها، بعد أن ذابَ في توجّهاتها. صاروا يَعقدون اجتماعات دوريّة لتحديد المضامين ومتابعة توجّهات السّوق الأدبية وتَوجيهات السلطة. وهذا أمرٌ مشروعٌ، يَحصلُ في كلّ الدّول.

- آه. أفهمُ الآنَ ما حدثَ بشكلٍ أفضل. أنا أيضًا، كما لا يَخْفى على جَنَابكَ، شخصيّة روائيّة. فررتُ البارحةَ من حاسوب كاتِبنا بعد أن اكتشفتُ، بمحض الصدفة، أنّكَ طلبتَ منه، بصفتكَ ناشرَه، أن يُفرغَ شخصيّتي من معناها. سمعتُكَ تَلتمس منه، وبطريقة مُلتويةٍ، أن يضيفَ بعضَ البهاراتِ إلى حِبكة روايته، كأنْ يُدمجَني في مشاهد جِنْسيّة، ولِمَ لا واقعة اغتصابٍ وحشيّة، أو أن يضيفَ إلى ملامحي الباهتة جرعةً من التطرّف الديني، ينتهي بتَنفيذ تَفجيرٍ إرهابيٍّ، في قلبِ المدينة...

شذّبني ملمحاً ملمحاً حتى أكون مبتذلاً، دون عمق ولا آفاق

- المعذرة يا أخي. ولا أظنّكَ ساذجًا. أنت تدركُ جيّدًا قوانين السّوق. نحن نَنشَأ ونَتَلاشى ضمن "آفاق انتظارٍ"، يعجِنُها خالقُونَا بما يتماشَى مع أهواء "القَصْر" وحاجيات السوق. لا تنس أننا مجرّد سلعة للاستهلاك. أصلاً، لم يَبق مَن يَستهلك. مَن بَقيَ يَضعونه في القوالِب التي يُريدون. لهم ماكينة رهيبَةٌ. كرة القدم والتلفزيون وَقودُها.

- ألهذا الحدّ أنتَ مُتشائم؟

- الحقيقة أنَّ القارئَ لا يَفهم شيئًا من أعمال صاحِبنا الأولى، ولا تَستَسيغها إلا قلّةٌ لا تتجاوز أصابعَ اليد. فما إن يَنشر كتابًا، حتى يَقضي أيامًا طويلة في إهداء نسخٍ منها إلى أصدقائه، بعد أن يأكله اليَأس من بَيْعها. وهو على يَقينٍ من أنّ أصدقاءَه لا يطالعونها أصلًا، بل يُلقونها على رفٍّ ما من مَكتَباتهم المنزليّة أو على أثاثٍ قربَ التلفاز. يفضّلون مشاهدة المباريات والأفلام.

- لكنّي لا أريدُه أن يستَسلم للسهولة ويَمسَخَني بهذه البساطة، كما مَسَخكَ. أريده أن يقاومَ.

- عن أيّة مُقاومة تَتَحَدّث؟ هَدَّدَتْه "هيئة النشر"، بإيعازٍ من فوق، بإتلاف عَقد النشر والتوزيع. وهو يُدرك مدى ما يعانيه الكُتّاب ليَنشروا رواياتِهم. كما أنه عاجِزٌ عن الدفع، ولا يَملك أيّةَ علاقاتٍ متينَة مع الجهات النافذة. ما يريدونه هو الإثارة، الإثارة فحسب، حتى يَنشغل القارئ عن قَضاياه. تصوَّرْ! طلبَتْ منه الهيئة، مؤخّرًا، وهذه المرّة دون موارَبَةٍ، أن يُكثر من عدد الشخصيّات وأن يسطِّحَ نفسياتها حتّى تضيعَ ملامِحُها فلا يَقوى القارئ على متابعة أيٍّ منها. قال له أحدهم بابتسامة مُتعالِمة:

"دَعه يَستهلكْ النصَّ، ولا يَفْهمه!".

- نَعم أعرفُ وسائِلَهم القذِرَة.

- ذاتَ يومٍ، زارَه رجلٌ من المخابرات، أرْسَلَتْه "جماعة فوق" وهدّده، من طَرَفٍ خفيٍّ طبعًا، بحرمانه من شبكة الإنترنت، كإجراء إداريّ أوَّلَ. وإذا لم يكفَّ عن إنتاج الروايات العميقة، فستمرّ "المصالح المُختَصّة" إلى اتخاذ الإجراءات الموالية ضدّه، ومنها اختلاق حوادث مُرور وعمليات تسميم. أمَرَه، صراحةً، أن يبتعدَ عن مشاغل الناس وأن يُغرق في عمومياتٍ حول الجَسد وعذابِ الروح معه...

- أفهمُ الآن بشكل أفضلَ ما طَرَأ عليَّ من تحويرات. اضْطُرَّ كاتبُنا إلى أن يتبعَ هذه النصائح. انعزلَ فترةً في غرفته، وظلّ يعيد صياغتي، حوّرني تمامًا، وغَيّر الأحداثَ وسطّح نفسيَتي. تملكتُه حدّ الهَوَس، فكان يُشَذّبني مَلمحًا مَلمَحًا حتّى أكون مُبتَذَلًا، دون عمقٍ ولا آفاق. البارحةَ، وجدتُني على حافة التفسّخ، مثل قميصٍ افتَقَد بريقَه. بَدَأ يمحو الفقرات التي كتَبَها عن نشأتي، ثم ما لبث أن حوَّر جنسي: كنت شابًّا حائرًا، فإذا بي فتاةٌ تَخنُقُها المَحظورات. جعلني أتطوّر ضمن منطق الصراع بين جَسدي وسلطة والدَيْن مُتَدَيّنَيْن. أعلمُ أنّ مَصيري، في روايته، سيكون إما تفجيرات إرهابية وإما تَطرّفٌ فَسَفر إلى "الجِهاد".

كان في الرواية بُعدٌ سياسي واضحٌ، ما لبث أن حَذَفَه تمامًا. وحتى أتجنّب هذا المصير الباردَ، كنتُ أفرّ، في كل ليلةٍ، بعد أن يطفئ حاسوبَه، فأتسكّع في المقاهي والأسواق والمواخير، ألتقي بأناس عاديين وأتمسّح بهم، أغوص في ذواتهم وأكتنز من لهاثهم وصَخَبهم وعَرَقهم، أمتزج بما في نفوسهم من آمال وأحلام ونَزواتٍ، حتّى أنزعَ عنّي تلكَ السطحيّةَ السّمجة التي غلّفني بها.

وعندما يعود في الصباح إلى حاسوبه، يجدُني وقد اكتنزتُ في ذهنه، تفيض عليه أبعادي، يَلتقطها فأستعيد عافيتي لبرهةٍ وأغدو، رغمًا عنه، في غاية التجريد والعمق، أخاتِلُه حتى يضيف بعض التفاصيل، فإذا بي قد اكتملَتْ مَلامحي واغتَنَت مَفاصلي. فيعود إلى حذفها في نهاية اليوم حين يُعيد قراءاتِه. يُشَذّبني مثل أغصان متناثرة. أصارعه ولكن لا ألبثُ أن أنهزمَ أمام عنجهيّة تلكَ النّقرة: "حذف"، يَضع إصبعَه، فإذا بأسطر طويلة وفقرات كاملة تضيع في سديم الحاسوب وتعود الصفحة بيضاء خاوية... أراني هشًّا.

- لا تنسَ قوانين السوق يا أخي الوَرَقي. هذا ما يَطلبه جيلُ اليوم. وجودنا هشّ أمام هجمة الإثارات الأُخرى. لا بد من جريمة وبعض البهارات، وإلا ضاعت البقية الباقية من القرّاء.

- إن كانَ ولا بدَّ من جريمة، فسأقتل كلّ شخصيَّة يَبنيها خيالُه من أجل تَسطيح المشهد. وسأدفنها في أرضية "هيئَتكم" هذه. سأتابع شخوصَه التافهة وأغتالها. هذه رسالتي.

- هذا لا يَنفَع. لا بدّ من اقتراف جَريمةٍ حقيقيّة. شيء من الإثارة حتى نبيعَ أكثَر. لا يوجد شيء أفضل من رواية دَعارَة ومشاهد ساخنة أو سوداويّة. اطلُبْ منه أن يجعلك فتاةً عانت الأمَرَّين مع جسدها وعُقَدها النفسيّة. ثم تعرّفت على عصابة من المتطرّفين أو مِمَّن اعتَنَقَ الإسلامَ، إثر تجربة عاطفيّة فاشلة. تَطرُّفٌ وإقدام على عمل إرهابي...

- هذا سهلٌ للغاية. أفضّل صيغةً أعقد.

***

بعد أيّامٍ، دخلتُ نفسَ المَقهى الذي اخْتُطِفتُ منه. كان يغصُّ بالروّاد الذين ازدحموا لمتابعة مباراة النّهائي للبطولة الأوروبيّة في كرة القَدم. كانت هتافاتُهم تعلو وتشقّ الدّخانَ الكثيفَ الذي يَملأ الصالة. تقدّمتُ بضعةَ أمتارٍ، وبنقرةٍ واحدة، فَجّرتُ حزامي النّاسف. دوّى التفجير بقوة واختلط دخانُه بدخان الأراجيل. كان كاتبي وناشِرُه يتابعان المقابَلَةَ. تَمزّقت الجثثُ أشلاء وهَلَكا فيمَن هَلَك. سَيَبيعانِ الآن أكْثر.


* كاتب من تونس

نصوص
التحديثات الحية

المساهمون