مكي حسين.. الذاكرة السياسية للجسد

03 يناير 2026   |  آخر تحديث: 13:18 (توقيت القدس)
مكي حسين (بورتريه: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عُثر على جثة النحات العراقي مكي حسين في ألمانيا، حيث عاش في المنفى بعد مغادرته العراق عام 1979، وارتبطت أعماله الفنية بتجارب العراقيين في ظل الأزمات والحروب.

- شارك مكي في معارض فنية منذ عام 1972، وارتبطت منحوتاته بموضوعات سياسية واجتماعية، حيث استخدم الجسد كرمز للذاكرة السياسية والعنف اليومي، مع توظيف الإطارات كعناصر تركيبية.

- تميزت منحوتات مكي باستخدام البرونز، مما أضفى عليها طابعاً حاداً ومستقراً، حيث جسدت الأجساد المتآكلة الألم كجزء من تكوينها، معبرة عن قهر الجسد والصدامات التاريخية.

عثرت الشرطة الألمانية، نهايةَ الشهر الماضي، على جثّة النحّات العراقي مكي حسين، بعد مضي أربعة أيام على وفاته في مدينة غوتنغن الألمانية. وهذا المشهد لموت فنّان عراقي في المنفى، على قسوته ومأساويته، يشبه إلى حدّ بعيد مساره الفني، الذي بدأ عام 1968 مع تخرّجه من معهد الفنون الجميلة. ولاحقاً، ارتبطت تجربته بالمثقفين العراقيين الذين غادروا العراق في زمن نظام البعث، غير أنّ العراق، بأزماته وحروبه وتشظّي مصائر ناسه، ظلّ موضوع أعمالهم.

وقبل أن يصبح مكي نموذجاً للفنان في المنفى، شارك في معارض مبكرة داخل العراق. ويمكن أن تكون أولى مشاركاته في معرض جماعي أُقيم عام 1972، جمعه مع فنانين حاولوا إيجاد تعريف للفن العراقي من داخل المؤسسات الرسمية، إذ تظهر مشاركته إلى جانب أسماء مثل ضياء العزاوي ورافع الناصري وصالح الجميعي.

مكي حسين 1 -القسم الثقافي
(من صفحة الفنّان الراحل على فيسبوك)

جزء من سيرة مكي في العمل العام يُقرأ بمحاذاة فنّه؛ فقد غادر العراق عام 1979، والتحق، في فترة من حياته، بحركة الأنصار، وهي الجناح المسلّح للحزب الشيوعي العراقي. حتى إن الجسد، في مشروعه النحتي، يظهر كمادة اشتغال على الذاكرة السياسية، بما تتضمّنه ذاكرة الإنسان العراقي من عنف يومي، وحروب، واحتلال، وتفخيخ للأجساد. ويظهر ذلك في حضور سمة الجسد المُحاصَر في منحوتاته، بدءاً من استخدام الإطار كجزء من المنحوتة، حيث يوظّف مكي الإطارات عناصرَ تركيبية داخل العمل، تحيط بتكوينات الجسد، أو تترامى وتثقل عليه. كما يظهر الجسد بهذه الصورة معلّقاً في الفراغ، أو مؤطَّراً، ويبدو التكوين الجسدي في بعض منحوتات مكي جسداً مستقراً في الأحمال. وتُقرأ هذه الأعمال بوصفها مفردات للحصار والقيود والخوف، وهي خصائص بنائية داخل الشكل نفسه.

تخضع منحوتات مكي بتكويناتها الجسدية إلى قوى أكبر منها

وإضافةً إلى هذا المعجم من المفردات، الذي قد تكون تجربة مكي الشخصية أحد مصادره، بخاصة مع التخفّي لستّ سنوات، والتنقّل بين بلدان مختلفة - من بينها سورية - لمدة تسع سنوات، ثم الاستقرار أخيراً في المنفى حيث موته؛ تحضر في مشروعه موضوعات تتصل بالتجربة الإنسانية عموماً. إذ تتكرّر نماذج لبشرٍ ينتظرون، فيما الأرض بكليّتها تنداح إليهم، أو يقفون في إزائها، حيث الأجساد المفردة في أعماله تواجه ثقلاً وجودياً، ما إن يصوّرها في علاقات غير متكافئة مع كتل كروية تشبه العالم، أو تشبه التاريخ، أو تشبه كليهما معاً.

مكي حسين 1 -القسم الثقافي
(من صفحة الفنان الراحل على فيسبوك)

تخضع منحوتات مكي، بتكويناتها الجسدية، إلى قوى أكبر منها، ويكتسب الجسد تعريفه في عمله النحتي بوصفه جزءاً من تاريخ قائم على الصدامات، وعلى قهر الجسد الذي يمثّل، في فنّ النحت، وعاءً لمادة نفسية لا تُقرأ في الكلمات، بل تُتأمَّل في دلالات التكوين. أمّا بخصوص المادة التي اشتغل عليها مكي، فقد كانت البرونز، ما منح منحوتاته انطباعات حادّة ومستقرّة في آن، عن أجساد تتآكل داخل الألم، ويغدو التآكل جزءاً من هيئة ثابتة، وكأنّ تآكل تلك الأجساد ليس سوى تعتيقٍ للألم وانصهاره في المادة.