مقاومة اليأس في قلب المأساة

20 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:54 (توقيت القدس)
مقطع من لوحة "حديقة المباهج الأرضية" لهيرونيموس بوش، مدريد (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الثقافة الحية تُعتبر قوة للتغيير والمقاومة، حيث تُعزز الحوار وتُعبر عن تعددية العالم، مما يُساهم في بناء عالم أكثر عدلاً وإنسانية ويُعطي صوتاً للمُعانين.
- ثقافة الحياة تُعارض خطاب الكراهية وتُراهن على تراكم الوعي والزمن لمنع انتصار ثقافة الموت التي تسعى لاحتكار المستقبل عبر سردياتها.
- الحرب والعنف يُظهران الفشل وغياب القوة، وتُبرز الثقافة النوعية أهمية الحفاظ على الإنسانية وتقديم أفق آخر للعيش باستخدام الحلم والذاكرة والمعرفة كأسلحة رمزية.

ما الذي يمكن أن تفعله الثقافة أمام مآسي العالم المعاصر؟

ثمة ثقافتان لا جامع بينهما: ثقافة الحياة وثقافة الموت، مثلما هناك لغتان: لغة الزيف والتزوير من جهة، ولغة المعنى، من جهة أُخرى. الثقافة الحيّة ليست مجرّد كلمات ومواقف منفصلة عن الواقع. بل هي قوّة تستطيع أن تخلق إمكانيات جديدة، وتساعد على مقاومة اليأس حتى في قلب المأساة - اليأس العامّ الذي يسعى إلى فَرضه قتَلةُ الجسد والروح - ليبقى "أُفق المُمكن" وارداً ومفتوحاً. الثقافة، في هذا السياق، تعبّر عن تعدّدية العالم وتشابكاته، وعن رؤيةٍ قوامها الانفتاح على الآخر، وتعزيز القواسم المشتركة، وإرساء الحوار، وبناء العلاقات بدل الانغلاق في الهويّات الضيقة. وهي ليست موقفاً نظريّاً بقدر ما هي صرخة تحثُّ على المشاركة في بناء عالم أكثر عدلاً وإنسانية. لذلك، فالثقافة لا يمكنها التزام الصمت، بل تمنح صوتاً للّذين يعانون، وتجعل معاناتهم جزءاً من الوعي الإنساني. 

ثقافة الحياة تقف ضدّ خطاب الكراهية، أمّا ثقافة الموت فتأتي من جهة ثانية مختلفة تماماً، من المنطقة الأكثر سواداً في النفس البشريّة، ولا تملك لغةً أُخرى سوى العنف. "الحلول" العنيفة تؤدّي إلى مزيد من العنف. والذين يظنّون أنهم آلهة، وفي أيديهم قرار الحياة والموت، يأخذون العالم – بمساندة القطعان التي تؤيّدهم - إلى حتفه. الحتف، هنا، ليس الفناء الكامل بالضرورة، بل ما هو أبشع وأعنف من ذلك: الموت قبل الموت. الموت ونحن داخل الحياة نفسها، بالاستسلام، والتلبُّد، ورؤية الإبادات والمجازر كأنها أفلام كرتون، نلمحها ونتابع حياتنا اليومية، كما لو أننا بمعزل عن الخطر.

ما يجري اليوم في غزّة، يكشف هشاشة العالم ودخوله في واحدة من متاهاته المرعبة. بعد كلّ حرب ومجزرة، نسمع دائماً العبارة التالية: "أبداً، بعد اليوم"، ليتبدّى لنا أنّ هذه العبارة مجرّد كلام باطل، إذ لا يصمد معناها أمام الحسابات والأنانيات والمصالح، رغم تزايد التحديات التي تواجه البشرية جمعاء. 

غزّة اليوم هي الساحة الكبرى التي تختزل قضايا عصرنا. ما جرى ويجري فيها يطرح علامة استفهام كبيرة على مصير عالمنا الراهن. بعدها لن يكون المصير، ولزمن طويل، ما كان قبلها، لأنّ سقوط المعنى الإنساني فيها هو سقوط المعنى الإنساني في كلّ مكان. وهذا ما يدفعنا إلى طرح السؤال الآتي: كيف ستكون الثقافة بعد غزّة؟ 

وظيفة الثقافة الأساسية هي كبح غرائزنا التدميرية حسب فرويد

ثقافة الموت لا تكتفي بأن تسيطر على الحاضر، بل تحاول أن تحتكر المستقبل أيضاً عبر كتابة التاريخ وفقَ مزاجها الخاصّ، وفرض سرديّاتها على التعليم والإعلام، وتدمير كلّ إمكانية لرأيٍ آخر وخيالٍ مختلف. كأنها تقول: "حتى أحلامكم ليست لكم". كان الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين يردّد: "حتى الموتى لن يكونوا في أمان إذا انتصر العدوّ". لكنّه كان يضيف أنّ "التاريخ مفتوح دائماً على المجهول وعلى إعادة القراءة، وأنّ "كل لحظة هي باب يمكن أن يدخل منه المخلِّص".

الرهان على ثقافة الحياة صعبٌ إلى حدِّ المأساة. ثقافة الحياة ليست مهمّتها أن تمنع الموت فوراً، بل أن تمنع انتصار الموت على المعنى. فهي تراهن على الزمن الطويل وعلى تراكُم الوعي. وإذا استسلمنا لفكرة أنها عاجزة تماماً، فهذا يعني أنّنا منحنا ثقافة الموت انتصارها الأخير: انتصارها داخلنا. 

في كتاب "مستقبل وَهْم"، يفتح المفكّر ومؤسّس علم التحليل النفسي سيغموند فرويد البابَ لفهم العلاقة المعقّدة بين الثقافة والخوف من الموت، وكيف أنّ ما نسمّيه "ثقافة حياة" قد يكون في جانب منه بناءً دفاعيّاً ضدّ إدراكنا العميق لفنائنا. في هذا الكتاب الذي تعلّمتُ منه الكثير، يرى فرويد أنّ وظيفة الثقافة الأساسية هي كبح غرائزنا التدميرية (العدوانيّة والجنسانيّة). ويلاحظ بوضوح أنّ الحرب تُظهر خطأ ما قلنا إنه "تقدُّم ثقافي". فجأةً، نجد أنّ الناس، حتى المتحضّرين منهم، يمكن أن يرتكبوا الفظائع بسهولة. في الحرب يكشف الإنسان عن وجهه المتوحّش حين يتحرّر العنف المكبوت. 

المؤرّخة والفيلسوفة الألمانية-الأميركية هانا آرندت تناولت موضوع الحرب والعنف بشكل عميق، وخلصت إلى القول إنّ الحرب والعنف ليسا دليلاً على القوّة، بل على غيابها وفشلها. كما كشفت أنّ العنف يمكن أن يصبح مسألة روتينية وعملاً بيروقراطياً، أي أنّ ثقافة الموت ليست دائماً فوضوية وابنة الصدفة، بل قد تُدار بشكل منظَّم وبدقّة مخيفة.

الحرب والعنف ليسا دليلاً على القوّة، بل على غيابها وفشلها 

عندما نتحدّث عن ثقافة الحياة وثقافة الموت في زمن الحروب، تتجاوز المسألة السياسةَ والأخلاق إلى عمق الوجود نفسه. الحرب تفرض إيقاعها العنيف على العالم، كأنها تريد أن تقنعنا بأنّ الحياة لا تساوي شيئا، وأنّ البقاء للأقوى، وأنّ كل القيم شعارات فحسب. ولئن كانت الثقافة النوعية لا تستطيع مواجهة الحرب، وإيقاف الرصاص، وتغيير موازين القوى بشكل مباشر، فإنها تقول لنا: هناك أفق آخر غير هذا الدمار. هناك إمكان آخر للعيش غير هذا الذي يُفرَض علينا.
 
"نحن نقترب من أخطر نقطة في تاريخ البشريّة"، يقول المفكّر الأميركي نعوم تشومسكي. منذ عقود، والعلماء يحذّرون من الذهاب نحو كارثة محتومة، إن لم تتغيّر إدارة هذا الكوكب ويتوقّف الانقضاض الشرس على الطبيعة والبيئة، وعلى حياة الفرد نفسها، وقد أصبحت محصورة في حدود كيان استهلاكي ضيّق. هؤلاء العلماء يتحدّثون اليوم عن اختفاء محتمل للجنس البشري، مع هذه العودة الساحقة إلى العنف الخالص، وازدهار الحروب، وصعود اليمين المتطرّف في الغرب، وسقوط القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية التي أُرسيَت عقب الحرب العالميّة الثانية ويُتَخلّى عنها الآن.

حين يحكمنا من يفتقد العقل، يصبح كلّ شيء ممكنا: اللامبالاة، التبرير، ثمّ الإبادة. وليس أمامنا إلّا أن ننتصر لثقافة الحياة؛ فالحلم، والذاكرة، والمعرفة ليست كماليّات، بل أسلحة رمزية تراهن على المستقبل وتحفظ إنسانيتنا في وجه الخراب. 

* كاتب لبناني مقيم في باريس

آداب
التحديثات الحية
دلالات
المساهمون