مفكرة المترجم: مع صفاء جبران

مفكرة المترجم: مع صفاء جبران

03 مارس 2021
الصورة
(صفاء جبران)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة بين اللغة العربية ولغات العالم المختلفة اليوم. "أتقمّص شخصية الرواة وأعيش معهم لأقنعهم بسرد القصّة بلُغةٍ أخرى"، تقول المترجمة اللبنانية في حديثها إلى "العربي الجديد".


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟ 

- حكايتي مع الترجمة طويلة ومليئة بالتفاصيل، ولكنّ المثير للاهتمام أنّ أوّل عمل قُمت بترجمته لم يكن رواية بل مخطوطة من العصر الوسيط عنوانها "كتاب ذخيرة الإسكندر"، وكان ذلك في أول التسعينيات. ولكنْ، لنقُلْ إن الترجمة اختارتني، ورافقتني طوال مسيرتي الأكاديمية، ومع الوقت أخذنا نعتاد على بعضنا وصرنا نسير على الوتيرة نفسها، حتى صرتُ أخيراً أعرّف بنفسي كأستاذة جامعية ومترجمة.


■ ما هو أول كتاب ترجمتِه إلى البرتغالية وكيف جرى تلقيه؟ 

- أول عمل روائي ترجمته هو "ميرامار" لـ نجيب محفوظ، نُشر عام 2003 وكان عبارة عن أوّل حلقة من سلسلة ترجمات روائية، منها: "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، و"باب الشمس" و"يالو" لإلياس خوري، و"هاتف المغيب" لجمال الغيطاني، و"رأيت رام الله" لمريد البرغوثي، و"سيّدات القمر" لجوخة الحارثي، وغيرها. وقد تلقاها القارئ البرازيلي باهتمام كبير وكُتبت حول بعضها قراءات نقدية في الصحف والمجلّات، ومنها ما حصل على جائزة أو رُشّح لها.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها وما هو الإصدار القادم وماذا تترجمين الآن؟

- آخر رواية نُشرت من ترجمتي هي "بريد الليل" لـ هدى بركات. أمّا الإصدار القادم فسيكون "ذاكرة للنسيان" لمحمود درويش. وأعمل الآن على ترجمة رواية أخرى لهدى بركات هي "حارث المياه"، وبعدها سأبدأ بترجمة "أولاد الغيتو" لإلياس خوري.

لا بدّ من احترام الترجمة كمهنة ودعمها من قبل الناشرين

■ ما العقبات التي تواجهك كمترجمة من اللغة العربية إلى البرتغالية؟ 

- العقبات كثيرة ومتنوّعة، أوّلها - وربّما أهّمها - إغواءُ النصّ لكي يسمح لك بالدخول إليه، ثم هناك الاختلاف الكبير بين اللّغتين من حيث التركيب. لكنني، في كلّ حال، لا أسميها عقبات، بل تحدّيات. فكلّ كتاب يشكّل تحدّياً مختلفاً عن السابق من حيث مستوى اللغة، واختيار الألفاظ، وموسيقى الجملة والعبارة، وأخْذ قرار حول ما سأبقيه في النص بلفظه العربي ولكن بأحرف لاتينية، وما يلزم تفسيره في هوامش، وخصوصاً ما هو متعلّق بالسياق الثقافي، أو الديني، أو التاريخي، ثم الخيارات التي سأعتمدها كي لا أسيء إلى النصّ العربي أو أشوّه جماليته في حلّته البرتغالية.


■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظرين إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟ 

- هذا صحيح، وأكثر منذ ذلك يبقى الاهتمام بالإنتاج العربي محصوراً بين جدران الجامعات وفي الأعمال الأكاديمية، أما عن سبيل تجاوز هذه الحالة، فليس هناك "وصفة" سهلة، ولكن قد يكون بواسطة جهد كبير من قِبل الأكاديميين لإقناع الناشرين بالمخاطرة بإصدار كتابٍ قرّاؤُه قليلون. يسرّني هنا أن أذكر أنني شخصياً وُفّقت في نشر ترجمة لمخطوطة "طبقات الأمم" لصاعد الأندلسي، وهو عمل مهمّ من التراث المعرفي العربي، وأيضاً حكايات انتقيتها من "كتاب البخلاء" للجاحظ، ولي زملاء في الجامعة قاموا بترجمة نصوص مهمة، من بينها نصوص فلسفية تمّ نشرها، مثل كُتب إبن سينا والكندي.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟

- في الحقيقة، كلّ الروايات التي قمت بترجمتها إلى البرتغالية لم أقم باختيارها بنفسي، بل كانت مرشّحة من قبل الناشرين، باستثناء "ذاكرة للنسيان" لمحمود درويش. أمّا عن علاقتي مع الناشرين، فهي دائماً جيّدة، وهذا أحد شروط نجاح الكتاب. في الوقت الحالي، هناك في البرازيل دار نشر جديدة وصغيرة، اسمها "طبلة"، متخصّصة بنشر ترجمات لأعمال أدبيّة عربيّة، تستشيرني ببعض العناوين، وأقترح عليها أخرى. لنقُلْ إن المشهد في تغيّر نحو الأفضل من هذه الناحية.

بريد الليل بالبرتغالية ـ القسم الثقافي

■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجمين له؟

- علاقتي مع الكتّاب المعاصرين الذين ترجمت نصوصهم طيبة، وقد التقيت ببعضهم خلال زياراتهم إلى البرازيل، مثل إلياس خوري ومريد البرغوثي. أتبادل الرسائل مع بعض منهم، ولكنّني أحاول عدم اللجوء إليهم للسؤال عن مسألة معينة إلّا عند الحاجة الماسّة لذلك.   


■ كيف تنظرين إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟

- لا يمكنني أن أبدي الرأي بهذا الموضوع، فليس لدي معلومات كثيرة عن الجوائز الموجودة في العالم العربي والمتعلّقة بالترجمة، بالرغم من حصولي على جائزة "الشيخ حمد للترجمة" عام 2019، وهي جائزة مهمّة لنشر الإنتاج العربي والفكري بلغات غير الإنكليزية والفرنسية. أظنّ أنّ الجوائز تلعب دوراً مهمّاً من ناحية التحفيز أو التشجيع، وتؤدّي إلى تعزيز اللغة العربية وآدابها وإنتاجاته المعرفية والفكرية، وهذا أهمّ ما في الأمر.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسيرين وفقها كمترجمة، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟

- كما قلتُ سابقاً، كل كتاب يفرض عليّ مشيئته، بمعنى أنّه يفرض كيف يريد أن أتعامل معه. ولكنْ، إجمالاً، أقوم بتناول الرواية كقارئة ثم كمترجمة، أي بعين تبحث عمّا سيمثّل صعوبةً أو عائقاً. وبعد انتهائي من القراءتين أبقى مسكونة بالرواية وبهواجس الترجمة إلى أن أباشرها بالعمل. وهنا تبدأ معركة أخرى تتمثّل بتقمّص "شخصية" الراوي أو الرواة والعيش معهم وإقناعهم بسرد القصّة بلغةٍ أخرى.

احترام المترجم يبدأ بلفتةٍ بسيطة: وضع اسمه على الغلاف

■ وما هو حلمك كمترجمة؟

- على الصعيد الشخصي، أحلم بتعريف القرّاء العرب بالأدب البرازيلي الراقي، فالترجمة منه إلى العربية ما زالت قليلة، كما أحلم بمواصلة مهمّتي بتوفير أكبر عدد ممكن من العناوين الأدبية العربية للقراء البرازيليين. تحقيق هذا الحلم لا يعود لجهودي الشخصية، بل أيضاً إلى احترام الترجمة كمهنةٍ ودعمها من قِبل الناشرين والمؤسّسات، وتقدير جهود المترجم والاعتراف بمشاركته  للكاتب في الإبداع. هذا يبدأ بلفتة قد تبدو بسيطة ولكنّها مهمة جداً، وهي إدراج اسم المترجم على غلاف الكتاب المترجَم، وقد يبدو قولي بديهيّاً ولكن، للأسف، ما زال هناك من الناشرين مَن لا يبدي هذا الاحترام للمترجِم.


بطاقة

وُلدت صفاء جبران في مرجعيون، جنوبي لبنان، عام 1962، وهي أستاذة في "جامعة ساو باولو"، في البرازيل. ترجمت من البرتغالية إلى العربية: "شقيقان" (2002) لميلتون حاطوم، و"الحياة الخفية لإيوريديس غوزما" (2019) لمارتا باتاليا، و"من المهجر إلى الوطن" (مختارات من الأدب البرازيلي، 2019). ومن ترجماتها العربية إلى البرتغالية: "ميرامار" لنجيب محفوظ، و"بريد الليل" لهدى بركات (الغلاف)، و"يالو" لإلياس خوري.

وقفات
التحديثات الحية

المساهمون