مفكرة المترجم: مع زينب بني سعد

مفكرة المترجم: مع زينب بني سعد

22 سبتمبر 2021
(زينب بني سعد)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم. "أُحبُّ العيش في مخيلة الآخرين، ولعل القراءة وحدها لم تكفِ لأجل ذلك، ففعلتْ الترجمة"، تقول المترجمة العراقية في لقائها مع "العربي الجديد".


■ كيف بدأت حكايتكِ مع الترجمة؟

- حكايتي مع الترجمة مُمتدة ولها أثر، بدأتْ من حُب اللغة. لنقُل إن أثرها مطبوع في ذاكرتي وروحي منذ سبعة عشر عامًا، كلما أسُأل هذا السؤال. بواكير الأمر كان من شغفي بـ اللغة الإنكليزية بالطبع، والذي ترسخ أكثر على يد معلمتي في المرحلة الابتدائية أ. نازدار، كنتُ أفهمها وتفهمني منذ أول محاولة لتعلّم A,B,C…

لقد سحرني أسلوب تلك المعلّمة التي وضعتها اللغة في طريقي، إلى حد جعلني أنتظر حصتها. ومنذ ذلك الوقت، وأنا واقعة في حب اللغة وحب المعنى وحب القراءة. بعد التخرّج الدراسي، تابعتُ الأمر باجتهاد شخصي وبدأتُ بترجمة مقالات أدبية نشرتُ بعضًا منها على منصات عربية وبعضها في حساباتي في مواقع التواصل وقسمٌ آخر أحتفظ بهِ. 


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها وماذا تترجمين الآن؟

- في رصيدي حاليًا عملان منشوران: "لون من الفضاء" لعرّاب الرعب هوارد فيليبس لاڤكرافت صادر عن "دار الخان"، و"الريح في أشجار الصفصاف" لـ كينيث غراهام صادر عن "دار الرافدين". إذ تزامنت بدايتي مع "دار الخان" في الكويت ومع "دار الرافدين" (بغداد-بيروت) في نفس الوقت. هناك ثلاثة أعمال أخرى تنتظر النور تصدر هذا الموسم خلال فترة المعارض بإذن الله. حاليًا أعمل على ترجمة عمل غير تقليدي لصالح منشورات "جدل" في الكويت. 


■ ما هي برأيكِ أبرز العقبات التي تواجه المترجم العربي؟ 

- بالإضافة للعقبات الاقتصادية التي تواجه المترجم، نحن نعاني من أزمة أمانة، ولا أعني هنا المشكلة المطروقة المتعلقة بأمانة النص، وإنما في أمانة قبولهِ. إذا عرِف المترجم مدى سمو مهمتهِ وأدرك قيمة صنعتهِ، لن تغدو باقي العقبات ذات أهميةٍ كبيرة لهُ. غير ذلك، فإن المترجم الذي يسمح بمثل هذهِ المخالفات سيكون قد وضع أول عقبةٍ لهُ في هذا المشوار الطويل الذي يأخذ من المرء جهدًا ذهنيًا ونفسيًا وحتى صحيًا، وسيكون عرضةً للكثير من العقبات ويمهِّد الطريق لاستغلالهِ. ليس بالمعجزة أن يُدرك المترجم "معنى أن يكون أمينًا عند قبول النص" وتكوين صورة شاملة عنهُ قبل كل شيء، تكمن المعجزة في أن يكون ضميرهُ يقظًا، أن يكون مترجمًا.  


■ هناكَ قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرر، هل ثمة من يحرر ترجماتكِ بعد الانتهاء منها؟

- نعم ثمة من يحرّر ترجماتي وأرى أن ذلك مطلوب في المرحلة الحالية بالنسبة لي. أُرحّب بأي رأي أو نقد أو معلومة قد يصبّ بصالح تطوير النصّ. أرى أن دور المحرر ضروري في عالم الترجمة لكنّي أُفضِّل المتابعة مع المحررين أثناء مراجعة النص لتلافي تغيير جوانب تلتزم بأسلوب الكاتب قد لا يعيها المحرر.   

لا يمكن للمترجم أن يخطئ في اختيار النص أو الناشر

■ كيف هي علاقتكِ مع الناشر ولا سيما في اختيار العناوين؟

- عادةً ما أبحث عن دور نشر رصينة وخاصةً إذا كان في جعبتي أعمال ثمينة تستحق أن تظهر للنور عن طريق ناشر محترم محب لعملهِ، لا مجرد تاجر. والحمد لله كانت بداياتي خير بدايات وآمل أن تظل كذلك. ففي موضوعة الترجمة، يتطلب من المترجم الصبر في كل خطوة يخطوها، في اختيار النص، في ترجمة النص، وفي اختيار الناشر.

أما بالنسبة للعناوين فالموضوع متفاوت، أحيانًا تُطرَح عليَّ أعمال أقبلها بعد تكوين دراسة شاملة عنها، وفي بعض الأحيان أقترح عناوين تُلاقي قبولًا جيدًا من قِبل الناشر. ولأني مهتمة بأدب اليافعين، أسعى للتعاون مع دور نشر تهتم بهذا الصنف الأدبي الساحر. أُقدِّم لهم اقتراحات عسى ولعل تلاقي استحسانهم. 


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختياركِ للأعمال التي تترجمينها؟ وإلى أي درجة تتوقفين عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟

- سواء كان لمواقف سياسية أو غيرها، يُفضَّل أن لا يكون المترجم متعصبًا أو متحيّزًا في اختيارهِ. فالمترجم ناقل روحي للنص ولربما، بفضل ترجمتهِ، ينقل الفكر أو الموقف المعاكس ليكون عونًا لأقرانهِ أو أُمتهِ في فهم وتكوين فكرة عن سياسة الكاتب الأصلي وأُمتهِ. إذ ليس بالضرورة أن أتفق مع آراء الكاتب وتوجهاتهِ، ما يهمني أن أُقدِّم النص بلغة الكاتب. قد يتوقف بعض المترجمين عند اعتبارات دينية، وربما أعتبرُ نفسي واحدة منهم في حالة وجود إساءات بلغةٍ صريحة، إلا أن الحلول موجودة دائمًا مع مراعاة عدم تجاوز النص بطريقةٍ تُلغي المعنى. 


■ كيف هي علاقتك بالكاتب الذي تتُرجمين لهُ؟

- بكل صراحة، كثيرًا ما أطرح على نفسي هذا السؤال. كثيرًا ما أُفكِر بالكاتب أثناء ترجمتي لنصّهِ، وكأني أرى جهدهُ الذي ينتظر النور على الضفة الأخرى، كما لو أنظر إلى نبتةٍ منسيّة غريبة، فأُحاول أن أُسلط عليها النور الذي تحتاجهُ، دون زيادةٍ أو نقصان. للترجمة نسق ونظام ينبغي الالتزام بهِما، لا أن نتعامل معهُ حسب المزاج من باب حرية التصرف. علاقتي بالكُتَّاب الذين أُترجِم لهم، كعلاقة المعرفة بالحياة. 


■ كثيرًا ما يكون المترجم العربي كاتبًا، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمتهِ، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم بداخلكِ؟

- أغبِطُ الكاتب المترجِم، وأكثر من ذلك، أغبط الشاعر المترجِم. غير أنني لستُ بكاتبةٍ ولا شاعرة، ولا أمتلك هذهِ المَلَكات التي تطوف في سماوات الإبداع والمعرفة والخيال. لهذا السبب لجأتُ للترجمة، لعجزي عن كتابة ما أُريد كتابتهِ. أُحبُ كوني قارئةً قد تكون جيدة، ومتابعة لكل نشاط متعلق بالكتب، ومن هنا اكتسبتُ كمًا معرفيًا متواضعًا في أساليب الكتابة ودفعني أكثر للقراءة عن القراءة والكتابة وأساليبها من باب "ما لا يُمكن قولهُ، لا ينبغي السكوت عنهُ، ويكفي أنْ يُكتبْ" على حدِّ تعبير جاك دريدا.

وقد ساعدتني القراءة في أمرٍ جوهريٍ آخر: كيف أنظُر للنص كقارئة أولًا، ثم كمترجمة. فكل قارئ يقرأ كتابًا معينًا، يُكِّون فكرةً معينةً عنه، ويكتب مقالًا ذا أبعاد مختلفة عن رؤية قارئ آخر لنفس الكتاب، وهذا ما ندعوه بالنزعة التفكيكية للنص الذي يعد جاك دريدا مؤسسًا حقيقيًا له وأعتبر نفسي مؤمنة بهِ جداً، سواء كان في النصوص الأدبية أو الفلسفية أو غيرها. يتحتم على المترجم أن يستكشف الأسلوب الغامض لكل نصِّ، أو بالأحرى، لكّل الكتابة. أضِف إلى ذلك، أني أُحبُّ العيش في مخيلة الآخرين، ولعل القراءة وحدها لم تكفِ لأجل ذلك، ففعلتْ الترجمة. 


■ كيف تنظرين لجوائز الترجمة العربية على قلّتها؟ 

- منذ أن التقيتُ بالكتب، لم اسمع أن مترجمًا تلقى جائزة عن ترجمتهِ للكتاب الفلاني، إما غفلةً مني، أو لعدم وجود شيء كهذا أساسًا. عن نفسي، أرى أن الطريق لا يزال طويلاً أمامي وأشعُر أن لا جائزة تضاهي جائزةَ أن يخرج النص بأسلوب الكاتب الأصلي، لا أسلوبي أنا. ثم أنْ ينتهي النص المترجم بين أيادٍ مُحِبّة أمينة، ابتداءً من الناشرين، ووصولًا للقُرّاء والقارئات. 


■ الترجمة عربيًا في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظرين إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟  

- لا أعرفُ عنها شيئًا. لعلها نادرة ولربما موجودة لكن تعمل في الظل ولا تُسلَط عليها الأضواء كما ينبغي. أو أنها ذات اعتبارات سياسية تغلب عليها المصالح والمحسوبية. هي ناجحة في العالم الغربي أكثر وتحتل مكانة ذات أهمية وتقدِّر دور المترجم حق تقدير. 


■ ماهي المبادئ أو القواعد التي تسيرين وفقها كمترجمة، وهل لكِ عادات معينة في الترجمة؟

- القراءة والسؤال والبحث المستمر والتأني في كل مفردة ولفظة يقوم المترجم بترجمتها وصياغتها وتشذيبها. اتباع نظام المسودات الثلاث من أهم عاداتي حتى لو كلفني ذلك وقتًا إضافيًا. ثمة جسر يربط بين النص الهدف والنص المستهدف وهو الأمانة. أن يكون الناقل أمينًا تجاه نفسه وتجاه كاتب النص وتجاه القارئ. غير هذا، لا تعدو باقي الأمور سوى كونها مطبّات يمكن تلافيها بالانتباه والحدَّ منها والاستفادة من حكمة الوقوع فيها. 


■ كتاب أو نص ندمتِ على ترجمته ولماذا؟

- لا أظنني سأندم على ترجمة نص معين حتى لو لم يناسب طموحاتي ومبادئي. كل نص أعيش معهُ فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وكل مشروعٍ ترجمتهُ علَّمني أمورًا تختلف عن المشروع السابق لهُ. لذلك فالأمر مشابه للقراءة. لا يوجد كتاب سيئ - سواء كان لغةً أو مضمونًا- كل تجربة نمرُّ بها تمنحنا رؤية مختلفة. أعتبرُ نفسي محظوظة في كل ترجمة أنجزتها. ذكرتُ سابقًا أنني ما زلتُ في بداية المشوار، ولا يزال أمامي الكثير. كل النصوص التي ترجمتها كانت قريبة مني روحيًا، عشتُ مع أبطالها طويلاً، ربطتني صداقاتٍ وطيدة بأكثر من أربعين شخصية مختلفة حتى هذهِ اللحظة، وآلمني فراقهم. 


■ ما الذي تتمنينه للترجمة إلى اللغة العربية؟

- أتمنى وأرجو، أن تحترم دور النشر حقوق المؤلف الأصلي للعمل أولًا، وأن تحترم صنعة الترجمة، وبالتالي سيؤخذ المترجم بعين الاعتبار ولن يُبخَس حقهُ ولو في أبسط حقوقهِ كأن يكون اسمهِ على غلاف العمل المُترجم. الترجمة صنعة، أقلّ ما يمكن أن يُقال عنها عظيمة، بغض النظر عن الشقاء والقلق والمتاعب الجسدية والنفسية التي تُصاحبها، الاستهانة بها - من النقطة إلى النقطة - أمرٌ مؤلم. 


بطاقة

مترجمة من من مواليد بغداد عام 1992. حاصلة على بكالوريوس البيولوجيا من "جامعة بغداد". من ترجماتها عن الإنكليزية: "لون من الفضاء" لـ هوارد فيليبس لاڤكرافت، و"الريح في أشجار الصفصاف" لـ كينيث غراهام، و"مدّ وجَزْر" لـ روبرت لويس ستيفنسن، و"أطفال المياه" لـ تشارلز كنغسلي.

وقفات
التحديثات الحية

المساهمون