مفكرة المترجم: مع حازم منتصر

10 فبراير 2021
الصورة
(حازم منتصر خلال مؤتمر حول الشاعر التركي محمد عاكف آرصوي، 2017)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة بين اللغة العربية ولغات العالم المختلفة اليوم. "على العرب بذل بعض الجهد للتعريف بتراثهم وثقافتهم"، يقول المترجم المصري في حديثه إلى "العربي الجديد".


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟ وما أول كتاب ترجمته وكيف جرى تلقيه؟

- بدأت الحكاية مع الترجمة في سنيّ الدراسة، والدراسات العليا على وجه التحديد، حيث ترجمت العديد من المقالات والأبحاث لعدد من الباحثين، وبعض الكتب لـ"المركز المصري للدراسات العثمانية" الذي عملت فيه في تلك الفترة. ولكنّ أول ترجمة طبعت باسمي هي مخطوط عثماني بعنوان "موائد النفائس في قواعد المجالس"، من تأليف المؤرخ التركي غاليبولي مصطفى عالي، ويتناول الحياة الاجتماعية في الدولة العثمانية، وكان الكتاب مكتوباً بالعثمانية وله أربعة إصدارات بالتركية الحديثة، فكنت أقارن بين هذه الطبعات حتى أكتب أفضل ترجمة تليق بالنصّ. ولقد لقيَت الترجمةُ استحسان اللجنة ولكنها لم تنشر حتى اليوم.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟

- آخر الترجمات التي نشرت كانت كتاب "المحفل الشريف ورحلته إلى الحرمين الشريفين"، وهو كتاب يتناول الصرّة الهمايونية أو الرومية والمراسم الخاصة بإرسالها بداية من إسطنبول حتى تسليمها إلى الأهالي والإدارة في مكّة والمدينة. والكتاب عبارة عن عدة مقالات متخصّصة كُتبت من خلال الوثائق العثمانية، حتى إن أحدها عبارة عن دفتر من دفاتر الصرّة ضم جميع حساباتها ونفقاتها خلال مراحل الطريق البحري والبرّي، والمخصّصات المحدّدة للأشراف والمجاورين والأهالي والفقراء والغرباء وغيرهم. الحقيقة أنّني انشغلت منذ فترة بالأبحاث التي تهدف إلى التقارب بين الثقافتين العربية والتركية، كما أن الإشراف على العديد من الرسائل العلمية الخاصة بالتراجم المختلفة في التاريخ والأدب بشقّيه الشعري والنثري، شغلني عن مشاريع الترجمة الخاصة بي، ولكن هناك مشروع ترجمة كتاب "وقائع العثمانيين" عن فتح مصر.


■ ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية، وكمترجم إليها؟

- الحقيقة أنّ العقبة الأولى هي النشر، فمعظم الناشرين يعتبرون نشرهم للترجمة مِنّة وفضلاً، ولا يرى في فعل النشر إلا المقابل المادي للترجمة. تخيّل أن تترجم أثراً عثمانياً تستغرق ترجمته سنوات طويلة، ثم تأخذه دار نشر فتبيع منه آلاف النسخ ولا تأخذ أنت حقك كمترجم أو حتى تكاليف الطباعة والكتابة. فالمقابل المادي للترجمة يُعتبر العقبة الكبرى أمامها. أمّا إذا توفّرت الجهة المموّلة للترجمة، فيمكن حينها ترجمة ستة أعمال على الأقل في السنة، إذا تفرّغ لها المترجم وحدها. ومن أهمّ عقبات الترجمة من التركية عدم وجود القواميس والمعاجم المتخصّصة في المجالات المختلفة الفنية والدينية والطبّيّة والزراعية والرياضية والسياسية والأدبية. لا يوجد، حتى اليوم، قاموسٌ متخصّص واحد بين العربية والتركية يمكن الرجوع إليه في العديد من المجالات.

معظم الناشرين يعتبرون إصدارَهم للترجمة مِنّة وفضلاً

■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟

- يهتمّ بترجمة الأدب العربي المتخصّصون في أقسام اللغة العربية في كليات الآداب بتركيا، وهم يختارون ما يخدم ثقافتهم. ولهذا، فعلى العرب بذل بعض الجهد للتعريف بتراثهم وثقافتهم. ويأتي "مركز الأزهر للترجمة" ليضطلع بدور مهمّ في هذا الدرب، حيث تُرجم ونُشر فيه العديد من الكتب الدينية التي خطّها أكابر علماء وشيوخ الأزهر، للتعريف بالإسلام الوسطيّ البعيد كلّ البُعد عن التطرّف.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟

- إن طبيعة العلاقة مع الناشر تحدّدها بنود العقد المتّفق عليه، ويكون اختيار العناوين بالتشاور فيما بيننا. أحياناً أقترح على الناشر عدداً من العناوين وهو يختار من بينها ما يبدو له مناسباً لتسويق الكتاب.


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟

- نعم، يجب مراعاة البُعد السياسي عند اختيار موضوع للترجمة، ويُفضَّل الابتعاد عن أعمال الكتّاب القلقين الذين توجد حولهم علامات استفهام. كما يُفضَّل الابتعاد عن الموضوعات الساخنة التي ما زال صراعٌ ما يدور حولها.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟

- أغلب الكتب التي ترجمتها وضعها مؤلّفون رحلوا منذ عشرات، بل مئات السنين. ورغم هذا، يجد المرء نفسه مرتبطاً بالكاتب بصورة أو بأخرى، من دون أن يشعر بذلك. فقد ترجمت كتاباً لمصطفى عالي، ثم ترجمت كتاباً لمصطفى نوري باشا، ولهذا، عندما رُزقت بولدٍ، سمّيته مصطفى. وقد سبق لي أن ترجمت كتاباً للباحث زكريا قورشون، وهو صاحب مدرسة تاريخية كبيرة، وتربطني به علاقة ودّ وتقدير رغم مرور أكثر من عشر سنوات على نشر الترجمة.

الصورة
المحمل الشريف - القسم الثقافي

■ كثيراً ما يكون المترجم كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟

- في بعض الأحيان يعيش المترجم مع الكاتب سنين عديدة، ينشغل بنقل أفكاره ليلاً ونهاراً، فتجده يخصّص له وقتاً أكثر من أصحابه بل وأولاده وزوجه، وعليه تكون الصلة وثيقةً بين المترجم والكاتب، فالمترجم أمينٌ على أفكاره، ويزيدُ ارتباطه به إذا وجد لنفسه إضافةً علميّةً كبرى في الترجمة.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟

- الأمانة العلمية في الترجمة، نقل النصّ بلُغة بسيطة سهلة قدر المستطاع، ليستطيع القارئ، حتى ولو لم يكن متخصّصاً، فهم النصّ ومراد الكاتب بالضبط. وتُعدّ القراءة حول النص في العربية، ومحاولة فهم ثقافة النص قبل لغته، من أهمّ الأمور، فالترجمة في الدين تختلف عن الترجمة في العمارة أو التاريخ.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟

- الترجمة عملٌ احترافيّ يجب ألّا يختلط بالمشاعر، وإلا ستؤثر المشاعر على العمل، ما يؤدي إلى ليّ عنق النصّ حتى يتّفق مع هوى المترجم. فناقل الكفر ليس بكافر، والمترجم ينقل النصّ حتى يدرسه المتخصّصون. ولذا، لا مكان للندم في هذا الأمر.

 من أهمّ عقبات الترجمة عدم وجود قواميس ومعاجم متخصّصة

■ ما الذي تتمناه للترجمة من اللغة العربية وإليها، وما هو حلمك كمترجم؟

- أتمنّى أن تكون هناك مؤسّسة رسميّة تقوم بوضع خطّة ورؤية شاملتين للترجمة، بما يحقّق المصلحة العامة، وتُعِدّ قائمة بالأعمال والمؤلفات التي لها الأولوية في الترجمة. ذلك أنّنا نجد كتباً مترجمة إلى العربية لم تنلْ حظّاً في لغتها الأصلية. أمّا حلمي كمترجم، فهو ترجمة "كُتُب الوقائع"، وهي سلسلة المؤلفات التي خطّها كُتّاب الوقائع، أي المؤرخون الرسميون في الدولة العثمانية، والذين سجّلوا الأحداث اليومية في الدولة العثمانية عبر أكثر من ثلاثمائة عام.


■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهمّ أن يصل إلى العالم؟

- الأدب مرآةُ المجتمع. فإذا أردت رسم صورة لنفسك حول مجتمع معيّن، فكلّ ما عليك هو الاطّلاع على أدبه. وكما يعمل الفرد على تزيين صورته ونشرها عبر الوسائل المختلفة، فعلى الشعوب العمل على نشر آدابها، وهو ما يوفّر لها من القوّة الناعمة ما يحقّق قوّةً ثقافيّة تكون لها ثمارٌ اقتصادية وسياسية فيما بعد.


بطاقة

مترجم وأكاديمي مصري، رئيس قسم اللغة التركية في كلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر. وُلد عام 1975 وحصل على درجة الدكتوراه في اللغة التركية وآدابها عام 2009 من جامعتي الأزهر ومرمرة. من ترجماته إلى العربية: "المحمل الشريف ورحلته إلى الحرمين الشريفين" ليوسف جاغلار وصالح كولن (2016)، و"قطر في العهد العثماني" لزكريا قورشون (2008). كما ترجم إلى التركية أعمالاً منها "الإسلام بين الحقيقة والادعاء" لحامد طاهر.

وقفات
التحديثات الحية

المساهمون