مفكرة المترجم: مع جهاد الأماسي

20 نوفمبر 2020
الصورة
(جهاد الأماسي)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم. "أحاول الابتعاد عن ترجمة الكتب التي تحمل رسائل سياسية مفرطة. إذ هنالك فارق بين الأدب الواصف لواقع الناس وبين الرسائل الدعائية المبتذلة"، يقول المترجم السعودي.


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟ 

- كانت صدفة تماماً؛ إذ لم أُفكّر فيها من قبل، ولم أعتقد أن لديَّ القدرة أو المهارة لذلك. بدأت بإلحاح من صديقي في الجامعة راضي الشمري عليَّ بأن أحاول على الأقل ترجمة رواية "مادونا صاحبة معطف الفرو" لصباح الدين علي، لأنه وجدها في قائمة أفضل الروايات التركية ولكن لم يجدها مترجمة إلى العربية. كان عبد الله الغبين، مدير ومؤسّس "دار أثر"، الذي عملتُ جزئياً معه أيضاً أيامها، قد اقترح عليَّ كذلك قبلها أن أجرّب الترجمة، ولكنّي اعتذرتُ لأنَّ مستواي في التركية لا يسمح لي بذلك. الخلاصة، أقنعني راضي بأن أجرّب وبدأتُ أجرّب فعلاً، ووجدتُ نفسي أفهم النص وأكتبه من جديد بسلاسة، والأهم من ذلك أني كنت أستمتع بالترجمة. انتهيت من الترجمة ونشرناها مع "دار أثر" وحقّقَت صدىً جيّداً بين القرّاء، وهذا ما شجّعني على الإكمال. هكذا بدأَت حكايتي.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟

- رواية "غيرة" للكاتب ناهد أوريك. هي المراحل الأخيرة لتُنشر مع "دار أثر" حالياً. كان من المفترض أن تصدر في وقت أبكر، ولكنَّ ظروف كورونا أخّرت الكثير من المشاريع كما تعلم. أمّا عن الترجمات المنشورة، فهي: "مادونا صاحبة معطف الفرو" و"القويوجاقلي يوسف" لصباح الدين علي، و"حلم الفراشة"، وهي مختارات قصصية لكتّاب أتراك، طُبعت للتوزيع المجّاني في تركيا. والآن أعمل على ترجمة من اللغة الإنكليزية لكتاب نفسي عن أثر الصدمات النفسية على الأطفال وطريقة تجاوزها.
 

■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟

- أعتقد أن عدم توفُّر الدعم، سواء كان الحكومي أو الخاص، هو أكبر عائق. كما أن بخس حق المترجمين والتعامل معهم وكأنه يمكن استبدالهم بغيرهم بسهولة يؤثّران على إنتاجهم وحماسهم للعمل، كما يؤثّر على المُخرَج العام للترجمات. 

أتمنّى أن يُمهّد المترجم داخلي الطريق للكاتب بعده

■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟

- أجل. أحب دائماً أن أتأكّد من أن ترجمتي مرّت بمنخلِ أكثر من محرّر، ففي النهاية أنا إنسان قد يفوتني الكثير، وقد لا أرى ما يراه غيري.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟

- علاقتي بالناشر علاقة صداقة مريحة. مسألة اختيار العناوين بالنسبة إلينا بسيطة، أقترحها عليه أو يقترحها عليّ، نُجري بحثاً عنها ثم نقرّر ما إذا كانت تناسب توقُّعات القرّاء وتتماشى مع صورة الدار.


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟

- أحاول الابتعاد عن ترجمة الكتب التي تحمل رسائل سياسية مفرطة. صحيح أن السياسة جزءٌ من الحياة، وبالتالي جزءٌ من الأدب، ولكن هنالك فارقاً بين الأدب الواصف لواقع الناس وبين الرسائل الدعائية المبتذلة. والمثقّف الذكي برأيي من يناور في المساحات المتاحة له.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟

- تختلف من كاتب لآخر. أحياناً أشعر بالانسجام التام وكأننا كتبنا الرواية معاً، أحس بما يريد أن يقوله دون أن يقول، كما في حالة صباح الدين علي. وأحياناً أشعر بأن الترجمة مجرّد مهمّة أحتاج أن أنهيها دونما استمتاع واندماج حقيقي.


■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟

- أعتقد، أو أتمنّى أن يُمهّد المترجم داخلي الطريق للكاتب بعده. كتابتي الحالية تكاد تقتصر على الترجمة، وهي ما أرتاح له في الوقت الحالي. رغم أنّني لا أرى فارقاً كبيراً بين الكاتب والمترجم، فكلاهما يعبّر، أحدهما عن أفكاره الشخصية، والثاني عن أفكار غيره. والاثنان يلعبان بالنصوص ويشكّلانها ويصقلانها بطريقة فنّية موزونة.

المثقّف الذكي برأيي من يناور في المساحات المتاحة له

■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟

- صراحةً، ليس عندي فكرة.


■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسّساتية وما الذي ينقصها برأيك؟

- أيضاً ليس لديّ فكرة جيّدة حالياً عن مشاريع مؤسّساتية. كل ما أعرفه هو عن المشاريع الفردية.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟

- سؤال عام ولكن سأحاول الإجابة. أحاول ألّا أبدأ بترجمة كتاب يعمل على ترجمته غيري، كما أحرص على شراء الحقوق إن كانت له حقوق. كذلك أسعى لأن يكون الكتاب المقصود لا يتنافى مع مبادئي الأخلاقية وضميري. ولا أفضّل أن أترجم كتاباً لم يعجبني، لأنّ المتعة عندي جزء من العمل، وترجمة شيء فظيع هي عذاب.

بالنسبة إلى عادات الترجمة، أحاول أن يكون لي حد أدنى من الصفحات التي أترجمها كلّ يوم. لا أترجم في وقت محدّد، ولا أشرب شيئاً محدّداً أثناء ذلك، ولا أستمع لشيء. فقط أجلس على اللابتوب وأترجم عندما أجد فرجة في وقتي أكون فيها في مزاج جيد، وأكافئ نفسي بشيء أحبّه بعد الانتهاء.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟

- لم أندم على ترجمة شيء، ولكن ندمتُ على أشياء لم أترجمها.


■ ما الذي تتمناه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟

- أتمنّى أن أرى دعماً حكومياً سخيّاً للترجمة في كل المجالات، دون تقييد ذلك بالجدوى الاقتصادية. حلمي كمترجم ألّا يوقفني شيء عن ترجمة ما يعجبني، وأن ألقى الدعم في ذلك، وأملأ مكتبتي بعناوين ترجمتها، والأهم أن أستمر بإمتاع القرّاء.


بطاقة

مترجم سعودي عن اللغة التركية من مواليد المدينة المنوّرة عام 1990. تخرّجَ من "جامعة الملك فهد للبترول والمعادن". بدأ العمل في الترجمة منذ 2015، وصدرت له حتى الآن روايتان لصباح الدين علي: "مادونا صاحبة معطف الفرو" (2015)، و"القويوجاقلي يوسف" (2016)، ومجموعة قصصية بعنوان "حلم الفراشة" (2018)، وهي مختارات لعدد من الكتّاب الأتراك، وتصدر له قريباً رواية "غيرة" للكاتب ناهد أوريك.

المساهمون