مشاهدو ديمقراطيةِ الضعف

10 يناير 2021
الصورة
لوحة لـ جرجس لطفي
+ الخط -

يستقطب النزاع الانتخابي الرئاسي في الولايات المتحدة اهتماماً عالمياً تُشارك فيه شاشات التلفزيون العربي والإعلام العربي فضلاً عن جمهور سياسي. يمكننا أن نردّ هذا الاهتمام الى كون النزاع يضع على المحك الديمقراطية الأميركية، ويقف متفاجئاً بل ومستفَزاً حيال ما يتجاذبها وما يجدّ عليها. تبدو الديمقراطية هكذا أمام امتحان صعب، بل وتبدو ضعيفة لا تستطيع أن تسيطر على انقسامات تقوم في الأساس عليها، وتصدر عنها. هذا بالتأكيد شأن العالم الديمقراطي وليس العرب أو النظام العربي - إذا جازت هذه التسمية - جزءاً منه.

لا يمكننا أن نردّ الاهتمام العربي إلى حرص على الديمقراطية أو مساءلة لها. ما يمنعنا عن ذلك هو، بالدرجة الأولى، حال الديمقراطية في المجتمعات والمؤسسات والدول العربية. لا نعرف في تاريخنا الراهن ما يمكن أن نعتبره ثورة ديمقراطية. لا نجد في أوساطنا السياسية ما يمكن اعتباره حركاتٍ ديمقراطيةً. الأحزاب والحركات الديمقراطية والوطنية والدينية، التي قامت في المحيط العربي، لم تكن الديمقراطية بين استراتيجياتها، وكانت، في اللحظات  الحاسمة وحين تواجه مسألة النظام، تنقلب فوراً إلى ديكتاتوريات وتطغى عليها، في هذه المراحل، فروعُها العسكرية أو المسلّحة. 

لا نجد في عهود ما بعد الاستقلال ما يمكن اعتباره نضالات ديمقراطية، ولا نجد قوى خاصة للديمقراطية، وعلى الأغلب لم تكن هذه راسخةً في تصوّراتنا السياسية، أو ضالعةً فيها. كان هناك بالطبع ديمقراطيون، خاصّةً ما بعد الاستقلال وربما بأثر كولونياليّ، وبالتأكيد كانت هناك في المدن والأرياف هبّاتٌ ديمقراطية، تنحسر غالباً ولا تُراكم كثيراً. كانت هناك نخبٌ ديمقراطية ضئيلة ومتغرّبة داخل بلادها ومجتمعاتها، لكن الديمقراطية لم تكن، في أي وقت، أساسَ أو أمام تحرّكٍ جامع يشمل جمهوراً فاعلاً، أيّاً كان مصدر هذا الجمهور وقضاياه.

ليس الاهتمام بالولايات المتحدة نفسِها بالأمر الإيجابي تماماً

لا نفهم فوراً هذا الانشغال العربيّ بالنزاع الانتخابي الأميركي، لكن ما يخطر هو أن ذلك لاحقٌ بالاهتمام بالولايات المتحدة نفسها، وهو كما نعلم ليس إيجابياً تماماً، فالولايات المتحدة رأسُ غربٍ مواجهٍ سياسياً ودينياً، ولا ننسى بالطبع دعمها، الذي لا يزال يتوسّع، لإسرائيل، التي لا تزال، على الأقل في الذاكرة، عدواً. ليس الاهتمام العربي بالنزاع الأميركي عن حرص، وقد يكون بالعكس عن جفاء وخصومة. ليس بالطبع قلقاً على الديمقراطية، التي ليست بعْدُ من أولوياتنا. إذاً، قد يكون أفقاً عالمياً نريده لأنفسنا، ويتلاءم مع حداثة ومعاصرة نريدهما أيضاً لأنفسنا.

لكن ما يتقدّم على ذلك كلّه هو ما يسترعينا من الضعف في الديمقراطية الأميركية، وهذا ضعفٌ نريده أن يكون شاملاً للولايات المتحدة الأميركية وللغرب كلّه، الذي لا يزال، ولو بالذاكرة والتقليد، خصماً ومستعمراً. لكنّ ضعف الغرب قد يعني فساداً لما يمثّله، وللقيَم التي تتصل به وتُنسب إليه. من هذه القيم: الديمقراطية. كأنّنا بذلك نقول إن ما يجري الآن في الولايات المتحدة يكشف فساد الغايات والقيم التي طالما هوّلت بها علينا، والتي طالما عيّرتنا بنقصها والافتقار اليها. إننا هكذا نقول إن الديمقراطية لا تناسب القوّة ولا تناسب الصدارة. إنها شارة ضعف وشارة هشاشة وإلّا فكيف نجد دولة، هي الأعظم في العالم، تقع أسيرة انقساماتها، وأسيرة ضعف عضوي في نظامها، الذي تمثّل الديمقراطية عنوانَه وآلاتِه وإطارَه.

لا نتذكّر هنا نقد الفاشيّات للديمقراطية، وجميعها تنسبه إلى الضعف والهشاشة، وجميعها ترى أن ليس بالمستطاع معه بناء دولة. لا نتذكّر هذا النقد الفاشي، لكنّنا نعود إلى مجتمعاتنا الأهليّة التي لا تملك المرونة التي تدير بها انقساماتها، والتي تقوم الديمقراطية أساساً عليها. لكنّنا نتوصّل إلى أنّ ما يستفزّنا في النزاع الأميركي هو الديمقراطية نفسها، وأن ما يقلقنا في هذه الديمقراطية هو ما تنكشف عنه من ضعف، وأن استفظاعنا هو أن رئيس الدولة على درجةٍ من الضعف تُلجئه إلى القضاء، وأنه يبدو، في حين أنه لا يزال في السدة والرئاسة، ضعيفاً. هذا ما نستفظعه ولا يسعنا أن ننسبه إلى دولة، فالنظام، بالنسبة إلينا، هو السائد، والدولة والرئاسة هما القوة. أما أن يهتزّ مجتمعٌ ويقاسي انقساماته التي لا يستطيع مع ذلك أن يديرها، فهذا ضعفٌ لا تقوم معه دولة. 

ننسى بالطبع أن ديكتاتورياتنا لا تطيق أيّ مواجهة، وتغلبها انقساماتها التي لا تملك سبيلاً إلى احتوائها. ننسى، ففكرتنا عن القوة متصلة بالاستبداد. الديمقراطية هي، من هذه الناحية، نظام الضعف، واحتواء الضعف وإدارته. هذا الضعف نوع من الشمول، وقد يكون حداً للمساواة، وقد يكون إطاراً للمصالحة الاجتماعية وللسياسة الجامعة التي تحتوي الجميع بانقساماتهم وتفاوتاتهم. قد يكون النزاع الانتخابي الأميركي لذلك امتحاناً للديمقراطية، ولكن أيضاً تجلّياً لها. يخلط كثيرون بين الدفاع عن الديمقراطية الأميركية والسياسية الأميركية وليسا بالطبع واحداً. الديمقراطية شيء وصفقة القرن بالطبع شيء آخر.


* شاعر وروائي من لبنان

وقفات
التحديثات الحية

المساهمون