مختارات لمحمد السرغيني

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 18:39 (توقيت القدس)
محمد السرغيني (صفحة باسم الكاتب على فيسبوك)

تقترح "العربي الجديد" هذه المختارات من شعر محمد السرغيني (1930 - 2026)، أحد أبرز أصوات الحداثة الشعرية في المغرب، والذي امتدت تجربته الأدبية والأكاديمية على مدى عقود، جامعاً بين الشعر والنقد والبحث والتدريس الجامعي. وُلد السرغيني في فاس، وتلقى تعليمه في جامعة القرويين، ثم درس في بغداد وباريس، حيث حصل على درجات علمية في الأدب المقارن والدراسات الأدبية. أصدر عدداً من المجموعات، من بينها: "بحار جبل قاف"، و"وجدتك في هذا الأرخبيل"، و"تحت الأنقاض فوق الأنقاض"، و"ويكون إحراق أسمائه الآتية" (1987) التي اخترنا منها هذه القصائد.

■ ■ ■

كيمياء الفاقة

زار البيت الواطئ ليلاً. هلّلنا لوفادته. أعفيناه جميعاً من رصف حكايته. (ملعونٌ في الناس الفاصد سرّ الرؤيا عنوة)
أعفانا منه. استغنى عنا بالرؤيا. ارتبنا في كيس يحمله وعَبرنا رؤياه. (حمولته الأفلاك) وواصلنا تعقيم الخيش بإرهاص الإبرة (البِسْ ما نخلع ولنلبس ما تخلع!)
فاجأنا ظلّ الواحة فيها وتسايلنا كلٌّ من نهر. (ما تضع الأنثى إلا ما تحملُ) غيّرنا ميقات العنوان ووافينا عائلنا من سجن الذات وبالتقريظ العاري أمطرناه.
لم تمطر من غائلنا غيمة.
كان الجلد سجينَ الجلد وكان "السامانيُّ" شحيحاً عند التقطير
حامت أيدينا حَوْلَ الواحة.
بؤنا منها بالخفّين.
سدّدنا نحو أصابعها جوعاً في طور التدجين. استجدينا.
أدركنا أن الفاقة في أيدينا المشلولة.
زار البيت العالي ليلاً. ألفانا ألفاظاً باسقة تلهو بالضغط على معناها.
واسانا بقراءتنا طرداً وخيانتنا عكساً، فتسايلنا كلُّ من نهر، هو الماء الجاري في القطة تدجين للبيت! استدرجنا المشبوهين جميعاً. أقصينا الواحد تلو الآخر. داجينا البائع والشاري إلّا المسمار فأخفينا فيه التركيب العضويّ وشيخوخة باب الدار وقارون العتّال. القطة ممّا لا يبتاع، وممّا لا يبتاع المسمار: (القطة تعقيبٌ والمسمار استئناس).
باعت لقمان الدارُ فياللحكمة والحالِ الراكد من صهد الجلباب!

فاس 31 - 1 - 1986.

■ ■ ■

الفاقة بدءاً من البسائط  

مرّ الطيف أمامه.
مرّ الشحّاذ:
شخص يسأل حتى لا يُسأل.
شخص متبوع بلواحقه النوعية.
(آمناً بالإحصاء فمن يعفينا من صهد الحرفة!).
وثباً مرّ الطيف كرأس الحربة. (رأس الحربة من جير) واعجبي 
ممّن ينسى مقصوده!
واعجبي ممن ينسيه الميراثُ الموروث!
عارٍ مرّ الطيف.
ألغى من نسج الجلد الحنّاء وما ألغى في الكفّ البذلّ. (العروة 
في الزّرّ)
يدنو منه إلى أن لا يبقى بينهما غير التسويف:
إن طاب استثنى العطر وإن جفّ استثناه. (العنزة تنسى قرنيها 
في السدر)
خُذني باللين فما عبّدتكَ إلّا وطريقي فيك. 
خُذني باللين فما عند السَّروة إلا الساق المَخصيّ وإلّا محلول الصمغ النازف.  
هب أنّ هروبي من فعل المرآة وهبني منسياً فيه. اثّاقلنا في السير
إلى البرّية.
ساءلنا النرجس عن سرّ علاقته بالمرآة.
واثّاقلنا. فالسير كثافة.
(شوط للقناص وشوط للأرنب)
واثّاقلنا بتحايانا وتسلّقنا بردَ الفاقة: "لا غالكمُ المكروه،
المقصورات جميعاً محجوزة.
والكاسي الطاعم محجوز فيها بالصيغة والهالة".
قلنا: فلنرجع بالخُفّين! المال بنا إن أمسكناه وإن أنفقناه. الريح تعابثنا وحبال البريّة.
يدنو من هذا البرزخ،
من شيء بين الصفعة والخدّ. 

فاس 2 - 2 - 1986.

■ ■ ■

الإسناد الأوّل  

عادة كان يقتحم الجمل المعرفية. كان يقايضها بانتكاسته ورماد تناوله.
يتقاطر من ظهره، ويواجه غائله بالشهادة وجهاً لوجه.
لو تمدّد فوق تراب اليمامة، كانت له الشمس مزولة بطنافسها، وزُحل،
خصلة من ذوائبها. وزحل
جَوَّفَ الجاذبية فاحتقنت وتعالت. (أنا وإياك على صهوة واحدة).
واقعته اليمامة
بأحابيلها اللغوية ليلة كان الصقيع يجمّع فيروزه والشذوذ الذي يسبق القاعدة.
لو تأسّى بشيء لكانت أرومته أنه ذلك الشيء. لكنه هارب من مسافته واضطراب العناصر فيه.
هارب من رخام تشبّث بالأرض. (ماء اليمامة معتقل في جنابته)
هارب من جدار تشاهق في اللغة البائدة.
هارب من أدلّته وتكافؤها. هارب من وعاء يسيل من الفوهتين. 
بعد أن عاد بالجمل المعرفيّة رتّقها الخيط بالإبرة المعرفية.
أضحى مقولة.
ليس يعرف من زهرة الثلج غير تباطؤها والسكوت الذي حصدته:
(سكتت عند إسناده زمناً، ثم في لحظة فصدته)
قلبها وضفيرتها معها، وابتهالاته معه، ويداخلها الرعب من جرسه كلّما فاضت الرائحة.
جائز أن تكون الإشاعة بيضاء. يمتلك النهر من شاطئيه ولا يملك الماء. ماء اليمامة معتقل ووجوه اليمامة مائدة آهلة.
سالت القدح البابلية. دار الحديث إلى أن تقاحل في صحوة الشكّ. يكفيه قلب رحيب لكي يتدارك من زهرة الثلج ما فاته فيباعضها ويشقّ الإزار ويخلع عنه العذار.  

فاس 3 - 2 - 1986.

■ ■ ■

الإسناد الثاني  

هو من جملة الناس أسماؤه صيده. (في الشباك تقول الفراشة ألوانها) كان يفتح عينه عن تعب قرمطيّ: نشيج الحصى تحت رجليه ملتهب والمسافة غصّته، وعيون المها ضاق عنها السواد.
اختمرن ولم يحترقن على العدسة.
لم ترحب به جسداً بل عَمَاءً خَلاء. على الباب أنصف رجله من وحل. خلع الرجل من كعبها. فتح الباب من ضلعها المتوازي. قامت بإبريقها امرأة مثلما اختصرت غالة الجوع مائدة ، وخرير الحرارة مدفأة، وسعير التحاقب ساعة حائط.
(أيها الخيش قاوم حيادك بالإبرة الشاغرة!)
جثة كبرت في مقاتلها.
جثة غرّرتها مقاتلها.
جثّة سافرة.
جثة لا تحبّ الإشاعة بيضاء معشبة. بيد أن المدار بفروته الزمنية 
جاء وقد خرج الصمت عن لا وعن نعم، ثم جاء وقوراً وأدلى بأقواله وانصرف.
قال: إني استفدت بمعرفتك.
أن أُباعد بيني وبينك. قلت: سخاؤك أطمعني فيك. (آصرة الماء والماء محتقن في بوادره) إيه فأر التجارب ! يا أيها القارض اللوذعيّ! احترس من ثناياك! (منطقه في ثناياه).
بعد أن عرف البيت من "خرصة" الباب جفّف أعصابه وخطاه وزار المرافق غبّاً. ومن جبنه كسر البيت إبريقه والتعاليم والمرأة والمائدة.
ساورته الرؤى. غاله الجوع. وجهٌ تأمّل وجهاً ولم يحترق فيهما الطين سلّ الوقاحة سيفاً وأحصب سادنة الباب سبعاً، وسبعاً سقاها. أسرّ إليّ بأن الجدار عليل وعلّته ساعة في الجدار.  

فاس 24 - 2 - 1986.

دلالات