مبادرة فرنسية ترفض طغيان الإصدارات الجديدة على القديمة
مثل أي صناعة رأسمالية، تخضع صناعة الكتب لمبدأ السوق عبر ثلاث آليات هي: فرط الإنتاج، والتدوير السريع للمنتج، وأخيراً الترويج المستمر للمنتج الجديد. ضمن هذه الرؤية، تقترح الباحثة الفرنسية جان غيان النظر إلى الإصدارات الجديدة من زاوية تسبّبها في كساد الكتب القديمة، وذلك في كتابها "الرغبة في الجديد: التقادم في قلب الرأسمالية" (لا ديكوفرت، باريس، 2025)، الذي يشير إلى أن هناك إضفاء رغبة جامحة في التجديد على المستهلكين، لتبرير نموذج اقتصادي مدمر: الشراء، ثم التخلص، ثم الشراء مجدداً. وأسهمت هذه الرؤية في صياغة مبادرة حملت عنوان "هدنة الإصدارات الجديدة"، بمشاركة 80 مكتبة لبيع الكتب في فرنسا.
وتقوم المبادرة على تأجيل تسلّم بعض طلبات الكتب التي تُعتمد مسبقاً، مع إعلانها من قبل الناشرين، إلى حين وصول الإصدارات إلى المكتبة بعد أن تُنشر. ويتم التأجيل لفترات تختارها كل مكتبة، بهدف تخفيف تدفق العناوين واستعادة السيطرة على سياسة الشراء وإتاحة المجال أمام الإصدارات السابقة للتداول. وأصدرت جمعية إيكولوجيا الكتاب نهاية يوليو/ تموز الفائت، بمناسبة مرور ثلاث سنوات على المبادرة، تقريراً حول التجربة ضم شهادات من المشاركين، وكشف أن المبادرة لم تؤدِّ إلى خسارة في مبيعات الكتب الجديدة، بل أشارت بعض الشهادات إلى أن ارتفاع المبيعات حدث بالتوازي مع انخفاض نسب الكتب المرتجعة إلى الموزعين، إذ أتاح خفض الطلبات المُسبَقة تحسين إدارة السيولة، ومختلف العمليات المرتبطة بتوزيع الكتب، سواء العمليات داخل المكتبات، أو في التعامل مع الزبائن. إضافة إلى منح العاملين وقتاً أكبر للقراءة وإرشاد الزبائن بصورة أفضل، وأيضاً بقاء الكتب القديمة مدة أطول على واجهات المكتبات، بما يتيح العمل على تسويق العناوين القديمة بدلاً من إعادتها إلى الناشرين.
ويشير التقرير الذي شمل نشاط المبادرة لعام 2025، إلى أن الزبائن الذين أُبلغوا بالمبادرة، تفهموها. أما على مستوى العلاقة مع الموزعين، فشهِد العام الثالث للمبادرة تقبّلاً أكبر، وفهماً لأسبابها. وقد ساعدت المبادرة، بحسب التقرير، على مراجعة سياسات الشراء وتعزيز الشعور بالقدرة على التحكم في المخزون واختيار الكتب، بحيث أصبحت المبادرة أشبه بأداة جماعية لمساءلة تسارع سوق النشر، وكانت المبادرة قد اعتمدت أساساً على أرقام تُظهر تسارع العرض في سوق الكتاب الفرنسي، إذ ارتفع عدد الكتب المنشورة سنوياً من 34.5 ألف عنوان عام 2000، ليصل إلى 54.2 ألفاً عام 2025. وتكاثر عدد الكتب القديمة المعروضة بأسعار رمزية في مكتبات التخفيض، بسبب تراكم الإصدارات، خاصة السريعة الاستهلاك مثل روايات الأكثر مبيعاً وكتب التنمية البشرية التي ترتفع أسهمها لحظة الإصدار ثم تخبو سريعاً.
أصبحت المبادرة أشبه بأداة جماعية لمساءلة تسارع سوق النشر
ويقدم كتاب الباحثة الفرنسية غيان، مثالاً على جدوى هذه المبادرة؛ فمن أصل خمسة آلاف نسخة طُبعت من كتابها، بيع أكثر من ثلاثة آلاف، وأُعيد أكثر من 600 نسخة، ثم أُتلفت 544 نسخة خلال عام صدوره. وحدث الإتلاف على الرغم من استمرار الكتاب في البيع، ما يكشف كيف يمكن لمنطق الكتاب الجديد أن يساهم في تقادم الكتب قبل أن تستنفد فعلياً حياتها في السوق. كما أعلنت الجمعية، بالتوازي مع الخلاصات التي توصلت إليها في هذه المبادرة، مع وصولها عامها الثالث، مشروعاً جديداً يحمل عنوان "التسويق المضاد"، يركز على التسويق للكتب، ضمن سؤال: لماذا يستحق هذا الكتاب أن يُقرأ؟ عوض الاعتماد على علامة "صدر حديثاً".