"ما لا اسم له" لـ بييداد بونيت.. الرواية في وجه حياةٍ لا معنى لها

22 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 09:42 (توقيت القدس)
تدفع بالقارئ إلى تأمُّل معنى حياته نفسها
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتناول رواية "ما لا اسم له" انتحار شاب وتأثيره على والدته الشاعرة، التي تسعى لفهم دوافعه واستعادة علاقتها به من خلال الكتابة، مما يبرز الخلوّ من المعنى الذي يتركه الانتحار.
- تركز الرواية على حياة دانييل، الذي يعاني من اضطرابات نفسية مثل الفصام والاكتئاب، وتتابع تطور حالته حتى انتحاره، مسلطة الضوء على فشل علاقاته وصراعه الداخلي.
- تسعى الرواية لفهم قرار الانتحار وتأثيره، مقدمة الجنون كعنصر غامض والكتابة كوسيلة لترميم الفقد.

يحيلُ عنوان رواية "ما لا اسم له" للكاتبة والشاعرة الكولومبية بييداد بونيت (1951) إلى الخُلُوّ. لكن ما نلبث أن نعرف أنّ العنوان اجتنابٌ لشيء، أو مُحايدة عنه، فالرواية حكايةُ انتحار؛ بما يتركه الانتحار من ألم وغرابة.

تبني الكاتبة حكاية الشابّ المُنتحِر وصولاً إلى لحظة انتحاره، وتهدم بموازاة البناء حياةَ والدته الشاعرة التي أرادت الكتابة عن موت ابنها كي تستعيد علاقتها معه. وما لا اسم له؛ ليسَ المرض الذي دفع بالابن إلى الانتحار فقط، وهو الفصام أو ثنائي القطب أو الاكتئاب، إنما وراء ذلك المرض الذي يُختَصر بـ"الجنون" في مراحله المتقدّمة، يُعرِّف النَّصّ خُلُوّ الحياة من المعنى، خلوّاً يتأكّد بعد الفقد، وكأنما الكتابة تجيء ترميماً عاجزاً للفقد. 

هذا الخلوّ نجده في مواضع عديدة من الرواية، الصادرة حديثاً، عن "دار فواصل"، بترجمة أنجزها عن الإسبانية أحمد محسن. ولو أنَّ حكاية دانييل محورٌ وحيد للنَّصّ، إذ يتطابق نموّ السَّرد مع تطوّر اكتشاف ميله لقتل نفسه؛ استجابةً لصوتٍ يأتي من داخله، ويقول له "اقتل نفسك، اقتل نفسك". تطابُقٌ يجعل القارئ يتتبّع قصص دانييل العاطفية التي فشلت لسبب لا نعرفه، قبل أن يصير مرضُه الجدارَ الذي يحجب الآخرين عنه، كما يتتبّع القارئ سأم دانييل من الرسم، وعدم قدرة الفنون على منحهِ عزاءً حقيقياً ينقذه من تصوّراته الذهنية عن فشله، وعن ملاحقة رجال الشرطة له. 

ينبتُ الجنون في غفلة عن الشخصية، ثم يستمرّ بالنموّ

يُظلّل الخوف من الفشل حياة دانييل، ويدفع بالقارئ في لحظاتِ أسى عميق، وألم غاشم؛ إلى تأمُّل معنى حياته نفسها. وهو انتقالٌ شعوريّ مألوف في روايات تتحدّث عن الانتحار. إذ تشبه الرواية بفكرتها وموضوعها رمي الأحجار فوق سطح ساكن، وكثيراً ما يكون قرار الفرد بالانتحار، صرخةً واحتجاجاً في حياة الآخرين، خاصة أن المنتَحر يترك الأحياء كي يجرّبوا فهم خطوته التي رفضت عالمهم. 

لا يحمل النَّص إضافة كبيرة بالنسبة إلى حكاية شاب تناول أدوية لها تأثير على الصحّة النفسيّة، وكان لديه استعداد جيني كي تتطوّر حالته إلى ذُهان، إنما الإضافة في دور الأُمّ التي تتطابق مع الراوية. وعندما نعرف أنّ الرواية غير متخيّلة؛ نُلصق دور الأُمّ بالشاعرة والمسرحية الكولومبية نفسها، فنراها تهرب إلى الكتابة عن ابنها، كي تجدَ ما سرقه المرض والموت من أمومتها له، فتعيد تأليف حكاية ابنها مع اللحظات القاسية في مستشفى الأمراض العقليّة. وقبل ذلك، تحاول معرفة سبب قراره الذي أرهق رفاقه وذويه، مع معرفتنا أنّه كان ناجحاً وموهوباً ومحبوباً بلا حدود. 

بييداد بونيت في كلمة لها بعد حصولها على "جائزة الملكة صوفيا للشعر"، مدريد، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 (Getty)
بييداد بونيت في كلمة لها بعد حصولها على "جائزة الملكة صوفيا للشعر"، مدريد، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 (Getty)

إذاً، تسعى الرواية إلى فهم قرار أحدهم بأنْ يركل روحه خارج جسده؛ رغبةً بتمزيق الوجود. وربما إشفاقاً على سيرة البشر أنفسهم، لكن مسعى الرواية أيضاً هو ترتيب مسوّغات مَن يحتجّ على القرار بالمغادرة بهذه الصورة الصادمة، ونرى تلك الدوافع التي تكبح المرء عن قتل نفسه؛ في العلاقات داخل الرواية، مثل علاقة الأخوات بأخيهنّ، ودور الأُمّ، بصفتها أُمّاً، وهي تحاول قصارى جهدها مداراة جنون ابنها عن الآخرين، ومُساعَدته من غير أن تجرحه، فهو مريضٌ مرضاً خطيراً يرافقه مدى الحياة.

مرافقة تجعل المريض بدوره يتماهى مع مرضه، قبل أن يحتجّ عليه أو يستجيب له؛ بقتل نفسه. فالجنون غامضٌ بالنسبة إلى الأصحّاء، خاصّة أنّ الجنون هنا ينبتُ في غفلة عن الشخصية، ثم يستمرّ بالنموّ بصورة يبدو فيها أن دانييل كان يعاني وحشاً حبيساً داخله، أرادَ أن يخرج ويعبّر عن نفسه. والنّصّ يتطابق أخيراً مع الجنون، لا مع الانتحار الذي يظهر مجرّد اعتراض نهائي على استمرار المعاناة، كما لو أنّ الجنون، هو ابتكارُ الرواية في وجه الرتابة، وخُلُوّ المعنى، وضيق العالم.


* روائي من سورية

المساهمون