استمع إلى الملخص
- إصدارات أدبية متميزة: أصدر معروف مجموعات شعرية مثل "كأن حزننا خبز" وقصص قصيرة مثل "نُكات للمسلحين"، وانتقل إلى كتابة النوفيلا مع "لعنة صبي كرات الطين"، مستخدمًا الخيال العلمي لتفكيك الواقع المعقد.
- الخيال العلمي والنقد الاجتماعي: في "لعنة صبي كرات الطين"، يتناول معروف محو الهوية الفلسطينية والصراع الوجودي، مما أثار جدلاً واسعًا، ويعكس اهتمامه بالجمع بين الصورة والسرد في أعماله.
يقوم المجال الكتابي عند الشاعر والقاص والمترجم الفلسطيني مازن معروف على حذر جمالي ينتقل فيه من الشعر إلى القصة القصيرة إلى النوفيلا، كأنه يقطع مراحل عمرية لا يعود فيها إلى مجال كتبه سابقاً. غير أن هذا يحتاج إلى تصويب أو تعديل زاوية الرؤية. فمازن معروف لا يغادر مجالات الكتابة، بل يتأمل حركته فيها، ويكتب على ما قاله المثل الألماني "بطيء، ولكن يطحن".
ولذلك فإنّ الشعر ليس سابقاً، بل هاجس يسوق الكتابة، كما قال وأعاد تقليب القول أكثر من مرة في ندوة "حديث الألف"، أول من أمس الأربعاء، في مكتبة "ألف" التابعة لفضاءات ميديا، مع محاورته الروائية اللبنانية هالة كوثراني.
في الجملة، ينطلق النص عنده، من التفكير فيه إلى نشره، من ضوء شعري، وسيبقى على عهده هذا، لكي يقرأ الواقع ويفهمه. ووصل إلى هذه الخبرة، ومفادها أن استيعاب الواقع والطفولة والماضي ممكن بالخيال الشعري، اقتداء بغابرييل غارسيا ماركيز، الذي قال له، ولنا، إن قراءة الواقع يجب أن تكون شعرية.
بذلك سيكون الشعر والخيال البصري غير الواقعي أحياناً مقاربة الكاتب لتصفية الحساب مع ماض إشكالي وجودي. وإذا كان لكل مرء إشكاله ووجوده، فالطفل الفلسطيني ببطاقة لجوئه في لبنان، ولبنانه الذاكرة، وأيسلندا المواطَنة منذ 2013، هي ما يدركه معروف، وما يقرأه مادة للشقاء المعرفي. المادة التي تتحول بالمداد إلى كتابة.
الشعر والخيال البصري مقاربة لتصفية الحساب مع ماض إشكالي
أصدر مازن معروف مجموعاته الشعرية "كأن حزننا خبز"، عام 2001، ثم "الكاميرا لا تلتقط العصافير"، 2011، و"ملاك على حبل غسيل"، 2012.
ثم انتقل إلى قصصه القصيرة "نُكات للمسلحين" عام 2015، التي رُشحت إلى القائمة الطويلة لجائزة مان بوكر الدولية في عام 2019، بعد صدور ترجمتها للإنكليزية، ونالت من قبل جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في الكويت في دورتها الأولى في عام 2016، و"الجرذان التي لحست أذني بطل الكاراتيه"، عام 2017، و"كيوم مشمس على دكة الاحتياط".
وفي عام 2024 توسعت أرض السرد إلى النوفيلا، أي الرواية القصيرة، فأصدر "لعنة صبي كرات الطين"، التي أخذت حيزاً مقدراً من الحوار بوصفها آخر أعماله، ومتعلّقة بفلسطين وعلى أرضها بعد مئة عام من النكبة 2048، مستعيناً بالخيال العلمي لتفكيك واقع تحاول فيه الخرافة الانتصار، لا بل الفتك بالمسار الطبيعي لناس طبيعيين، عاشوا هنا منذ آلاف السنين.
بعد قرن من النكبة تجري وقائع الرواية في "فلاسطا" التي أُبيدت ولم يبق منها سوى طفل موضوع في صندوق زجاجي يجول في مدارس الكيبوتسات الإسرائيلية، فيتفرج عليه التلاميذ بفضول، كما لو أنه كائن فضائي.
في هذه الرواية القصيرة، من ثمانين صفحة، يلجأ معروف إلى المستقبل، إذ يسمّى الفلسطينيون "الفلاسطة" في إجراء إسرائيلي آخر لمحو تاريخهم. وفي البدء عام 2037، أُطلقت على جنوب البلاد قذيفة بيولوجية طاردت "الفلاسطة" أينما وجدوا. ثمّة طفل وحيد استطاع النجاة، بمناعة هائلة يستمدها من أجساد الفلسطينيين المقتولين.
أحد النقاد الإسرائيليين كتب ضدّ الرواية وقال إنها معادية للسامية، وفق ما ذكر مازن معروف في الندوة، ورفضها أو تحفّظ عليها فلسطينيون، لأن الراوي الكاتب قضى على السلالة الفلسطينية قضاء مبرماً.
بالنسبة إليه، هذا النوع الساخر الماورائي الخارج عن التصديق، كان واحداً من النكات المتداولة في أثناء دراسته في الجامعة اللبنانية تخصص الكيمياء. كان يحكي لرفقائه عن الفلسطيني الأخير الذي سيبقى على قيد الحياة. نتحدث هنا عن شاب في بيروت حيث الأفق مسدود أمام كائن حي لاجئ، لا يشك أبداً في وضعه المزري، وتبدو فرجة الضوء صعبة المنال.
أعادنا ضيف الندوة إلى عام 2019، رداً على سؤال كوثراني هل صدرت الرواية بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بما هي محاولة إبادة جنس بشري شهدها العالم.
لم يكن الأمر كذلك، فتخيُّل إبادة الجنس الفلسطيني جاء في أنطولوجيا شارك بها الكاتب عام 2019، في بريطانيا وفي نسخة جديدة منه عام 2022 في الولايات المتحدة، وكانت بعنوان Palestine +100، (فلسطين +100) وشارك فيها 12 كاتباً، وجوهرها أن النص مستقبلي.
القراء يكونون أشد نباهة منه في التقاط إشارات القصص
وعليه اختار الكاتب زاويته في الخيال العلمي، مستغرقاً وقتاً طويلاً للبحث في خريطة فلسطين، حتى يتخيل ما يمكن أن تكون عليه هذه الجغرافيا بمصائرها المكتوبة والمنهوبة والمفروضة والمقاوِمة كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
كان الطفل الفلسطيني الأخير بجسمه يختزن الطاقة البيولوجية، فإذا قتله الإسرائيليون سينفجر وسيُباد مجتمعهم، بما تحمله هذه الإشارة من صراع وجودي بين أصحاب الأرض، وكيان لم يكن طبيعياً ولم يتطور، عضوياً، إنما فُرض كرهاً من خارج منطق التاريخ الجغرافي هنا، وأُسقط بوصفه قراراً وحدثاً خارجياً أدارته قوة استعمارية وترجمته على أرض الواقع الذي تصادف أنه هنا.
في دردشته مع جمهور الندوة، قال الضيف إنه يتعمّد أن ينسى ما كتبه، فضلاً عن نسيانه أساساً، ولا يعود إليه أبداً، ويحدث أن يكون القراء أشد نباهة منه في التقاط إشارات القصص.
وأخيراً كشف لنا مازن معروف عن تأثره العميق بالكوميكس، مشيراً إلى أنه في أيسلندا بدأ يقترب أكثر من الغرافيك نوفلز، بوصفها شكلاً أدبياً قائماً على الصورة والسرد معاً.